منـطق القردة..
شطح بي الفكر وأنا أسمع تجادل جمع من الشخصيات حول تشطير مفهوم ”الهوية الثقافية”.. وجدتني، وأنا أسمع حوارهم السقيم، أتذكر التجربة التي قام بها علماء سويسريون على خمسة قردة منذ نحو 7 سنوات.. ملخّص التجربة أنهم وضعوا القرود الخمسة في قفص.. وعلقوا في سقفه عذق موز مسخرين لهم سلماً يسهِّل الوصول إليه.. بالطبع سارعوا لخطف الموز، ولكن الباحثين رشُّوهم بالماء الساخن قبل أن يقربوه.. حاول بعضهم مجدداً فواجهوا المصير ذاته مرارا، فما كان منهم إلا أن عافوا الموز – على حبه- خشية الألم..
بعد أيام أدخل الباحثون قرداً جديداً فما كان منه – ما إن دخل القفص- إلا أن رنا للسلم يبتغي أخذ الموز ففوجئ بالصراخ الهستيري لباقي القردة فعدل القرد الغرّ عن المحاولة رغم أنه لم يتعرض – شخصيا- لقصف الرشاش الحار ولا يعرف علام تلك الجلبة.. وتكرر المشهد ذاته مع كل قرد جديد.. لاحقاً؛ أخرج الباحثون القردة القدامى ”الذين تعرضوا لقصف الماء الحار” ولم يبقَ في القفص إلا القردة الجدد الذين ما منعهم عن الموز المتدلي إلا فزع القدامى وعويلهم.. ورغم أن الباحثين عدلوا عن رش الماء؛ ورغم أن الطريق للعذق صار معبداً؛ إلا أن القردة ظلت تصرخ بكل قرد جديد لمنعه من الصعود لا لشيء إلا أن الأولين أوحوا لهم بخطر ذلك..!!
عندما سألت – لاحقاً- عن سر شرودي، خشيت أن أقول لهم أنكم ذكّرتموني بالقردة في تجربتنا خشية أن يشعروا بالمهانة..!! حقاً ؛ إلا ترون أن كثيراً من موروثاتنا التي نستميت في الدفاع عنها.. ليست سوى نتاج تجارب الأولين وقناعاتهم التي فرضت علينا.. بعض تلك الموروثات، التي يسميها البعض عادات وتقاليد، مزجت بالدين لتأمين ديمومتها وتعزيزها في صراعها مع المنطق والعقل رغم أن الدين منها براء.. فبعض العادات تنتقل من جيل لجيل رغم أن سببها يكون قد انتفى أحيانا؛ أو أن المعطيات التي أوجبتها سابقا قد تبدلت؛ ومع ذلك تبقى تلك العادات متشبِّثةً في المخيلة الثاوية للشخص؛ تقاوم الانكسار تحت طرق معاول العلم والثقافة والمنطق..
لماذا ؟
قوة الخوف التي تكلمنا عنها آنفاً ليست بالقوة التي يستهان بتأثيرها على النفس البشرية.. يميل الفرد لأن يستنسخ تجارب سواه ويمقت أن يكون أول من يأخذ المبادرة في أي شيء.. المرء منا يخاف/ لا يريد أن يكون مختلفاً عن المجموعة.. في إحدى التجارب اللافتة التي يستدل بها في علم الإدارة دوماً.. تعلق لوحة بها خطّان متطابقان – تماماً- ويطلب من المجموعة أن تقول ”حال سؤالها” أن الخط الأول أطول من الخط الثاني.. ويقحم بين المجموعة شخص خارجي؛ وتكون المفاجأة أن السواد الأعظم من ”المقحمين” وما إن يجد المجموعة مصرّة على الإجابة التي تكذبها عيناه؛ حتى يشكك في عينيه ويوافقهم؛ رغم أنه يعتقد في قراره نفسه أنهم مخطئون..!!


