من القرية الهندية إلى دراجات إفريقيا: رحلة الدكتور سينغارا فاديفيل بين التكنولوجيا والروح الإنسانية.

 

 

في

عالمٍ يلهث خلف التكنولوجيا والنجاح المادي، تظهر أحياناً شخصيات تُذكِّرنا بأن الحياة ليست مساراً واحداً، بل رحلةً من الاكتشافات. الدكتور سينغارا فاديفيل أحد هؤلاء: رجلٌ حوّل مسار حياته من عالمٍ افتراضي محكوم بالشفرات البرمجية إلى دروبٍ ترابية تُحكى باللقاءات الإنسانية.
وُلد سينغارا في قرية نائية بجنوب الهند، حيث كانت الكهرباء ضيفاً نادراً، ناهيك عن الحواسيب. في بيئةٍ يعتمد فيها السكان على الزراعة البسيطة، كان حلم الالتحاق بالجامعة ضرباً من الخيال. لكن عينيه كانتا تنظران إلى الأفق البعيد. بمساعدة مُعلِّم مدرسة محلي آمن بموهبته، تعلّم الرياضيات والفيزياء على أوراق مُعاد استخدامها، حتى حصل على منحة لدراسة الهندسة في مدينة تشيناي.
في الجامعة، واجه التحدي الأكبر: استخدام الحاسوب لأول مرة في عمر العشرين. يقول عن تلك اللحظة: “شعرتُ كأنني أمسك كائناً فضائياً… لكني قررت أن أتعلّمه كما أتعلم لغة جديدة”. بتحدٍّ غير عادي أصبح من الأوائل في قسمه، ثم حصل على منحة دكتوراة في علوم الحاسوب بالولايات المتحدة.
في الثمانينيات، حين كانت الثورة الرقمية تُعيد تشكيل العالم، كان سينغارا أحد المهندسين الذين ساهموا في تطوير أنظمة تشغيل حواسيب “الماينفريم”، الجيل الذي سبق الأجهزة الشخصية. انتقل لاحقاً للعمل في شركات ناشئة أصبحت عمالقة تكنولوجيا اليوم، حيث شارك في تصميم خوارزميات غيّرت طريقة تعامل البشر مع البيانات.
لكن مع كل نجاح مادي وعلمي، كان سؤالٌ يطارده: “هل هذه الذروة التي أنشدها؟”. في عام 2015، وبعد ثلاثة عقود من العمل، قرر ترك مكتبه ذي الإطلالة على جبال كاليفورنيا، وبيع معظم ممتلكاته، وشراء دراجة نارية؛ لم يكن قراره هروباً من الواقع، بل بحثاً عن واقعٍ آخر: “أردتُ أن أعيش حياةً لا تُختزل في شاشة”.
منذ ذلك الحين، قطع سينغارا أكثر من 200 ألف كيلومتر عبر قارات العالم. في رحلته الأفريقية الحالية، يتوقف في القرى النائية، ليس فقط ليتحدث عن التكنولوجيا، بل ليسمع قصص السكان عن تحدياتهم وأحلامهم. في مالي، شارك أطفالاً في ورشة لصناعة روبوت بسيط من مواد مُعاد تدويرها. في كينيا، ناقش مع شبابٍ كيف يمكن للبرمجة أن تكون أداةً لحل مشكلات مجتمعهم.
“التكنولوجيا ليست غاية، بل جسرٌ لخدمة الإنسان”، يقول. في محاضراته، لا يُركّز على الإنجازات التقنية، بل على فكرة أن الابتكار الحقيقي يبدأ من فهم احتياجات الناس البسطاء.
في محطته الموريتانية، سيحاور الدكتور فاديفيل الحضور حول معنى النجاح في عصر السرعة. “ماذا نضحي لأجل التقدم؟ وهل التضحية بالعلاقات الإنسانية مقابل الإنتاجية هي ثمنٌ يستحق الدفع؟”. أسئلته تدفع المستمعين إلى مراجعة أولوياتهم، خاصة في مجتمعات تبدأ فيها التكنولوجيا بالهيمنة على الحياة اليومية.
قصة سينغارا ليست عن التخلي عن التكنولوجيا، بل عن توازنٍ دقيق بين العقل والقلب. هو دليلٌ على أن النجاح المهني لا يجب أن يُلغِي حاجة الإنسان إلى التواصل المباشر، وأن الأحلام قد تأخذ أشكالاً غير متوقعة. كما يثبت أن العمر ليس عائقاً؛ ففي الستين، ما يزال يكتشف العالم بطريقته، ويقول مبتسماً: “أشعر أنني في العشرين، لكن بحكمة الستين”.

غداً، في نواكشوط، سيكون اللقاء معه فرصةً لاستعادة السؤال الأهم: كيف نعيش حياتنا، لا كيف نُديرها!!؟

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى