المرحلة 2 من محاربة كورونا

08-80.jpg

how do online dating scams from ghana work 08-80.jpgيمثل وباء كورونا إحدى ابتلاءات الله عز وجل للإنسان علي كوكب الأرض بما كسبت يديه من تضييع الأمانة وسوء التدبير والإخلال بالتوازن بينه وبيئته الوصي عليها.
وتؤتى السفينة (1) هذه المرة من جهة الصين وهو بلد من أقل البلدان تعففا في الأكل (2) وأكثرهم استهانا بالدين وأشدهم اضطهادا لأهله منهم. فببغيهم على صيد حيوانات برية أوشكت على الانقراض، انطلق الفيروس من أكبر سوق لها في مدينة ووهان لتعم الكارثة الأرض في إحدى أسوٍئ جائحة معاصرة تهز اليوم أركان البشرية على الرغم مما في أيديها من وفرة المال والعلم والتكنولوجيا…
ولئن بادر النظام الصيني – ولكن لات حين مناص – إلى تحريم صيد البر وغلق السوق إلى الأبد وتحويله إلى معلمة أثرية شاهدة على كارثة إقليم كوبى، فإن ذلك لن يمحو مسؤوليتهم الأخلاقية في الإخلال بالتوازن البيئي والتسبب في انطلاقة الفيروس من أرضهم وتفشيه عبر العالم..
وبالنظر إلى نصيبنا نحن هنا من المصيبة المستطيرة، يلزم الشكر لمن له الشكر والكلاءة، المجير الذي لا يجار عليه، ثم الشكر للسلطات العمومية التي لم تتردد في اتخاذ إجراءات احترازية استباقية قوية للحيلولة دون تفشي الفيروس في مجتمعنا المفتوح طبعا والهش أصلا، تم الشكر للشعب وقواه الحية على هبته كرجل واحد، دعم المحكوم للحاكم كلما أراد الإصلاح والنصح للمجتمع..
وباكتمال تلك الإجراءات، تكون قد اكتملت المرحلة الأولى من محاربة الوباء، فما هي أولويات المرحلة الثانية الموالية؟
يتفق الخبراء على دقة وحساسة هذه المرحلة ويسمونها مرحلة “التعايش مع الفيروس” ومن صعوبتها أن المنظمة العالمية للصحة ليس لها توصية موحدة محددة، بل أوصت كل دولة بتقدير المخاطر الخاصة بها والتصرف طبقا لحساب ما يترتب على الأخطار.
ولكي تحظى المرحلة اللاحقة بما حظيت السابقة من الإجماع، ربما يكون من المفيد المشاركة الواسعة بإسداء الرأي في هذا الشأن حتى تتسع دائرة المشورة بين الناس، فيسهل اقتناع وإقناع غالبية المجتمع بالقرارات القادمة..
في هذا السياق يمكن القول بأنه من اليوم إلى نهاية شهر ابريل، إذا لم تسجل إصابة جديدة بالفيروس من خارج المحجورين صحيا، فسيكون من الصعب من وجهة نظر علمية بحتة، إقناع الشعب بضرورة الحجر المنزلي،لأن وجود الفيروس في الجسم دون ظهور الأعراض تتراوح مدته ما بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. وعليه، في الظروف الحالية، إذا كانت البلاد فعلا موصدة، فبانقضاء شهر دون إصابة، يصبح احتمال العدوى ضئيلا أو موهوما إلا إذا كان من بيننا من يتستر على المرض أو مصابون دون أعراض وهؤلاء يستحيل اكتشافهم إلا بالكشف ألمخبري المعمم الإجباري، وهذا بعيد المنال في الأجل المنظور!
وتأسيسا على ما تقدم، إذا ما أردنا أن لا تتواصل المعاناة وتزداد الهشاشة هشاشة، يجوز أن نخطط من الآن بان يكون فاتح مايو القادم أجلا معقولا لرفع الحجر واستئناف النشاط والعمل من جديد، ويمكن رقع الحجر بالتدريج أو دفعة واحدة لأن عديدنا ليس بالهائل وكثافتنا السكانية ليست بالمخيفة !
لكن لابد من إجراءات مصاحبة لرفع الحجر، نورد هنا أهمها:
• إتقان أسباب الحذر والاجتهاد في التوكل على الله؛
• استمرار إغلاق الحدود البرية والبحرية والجوية للحيلولة دون انتقال الأشخاص؛
• استعداد قطاع الصحة لأسوئ الاحتمالات؛
• تعميم استعمال الكمامات؛
• تقوية برنامج التآزر والتكافل الاجتماعي.

his comment is here إتقان أسباب الحذر من المرض والاجتهاد في التوكل على الله
لقد اشبع علماؤنا الإجلاء موضوع الأخذ بالأسباب والتوكل على الله تبيانا وشرحا وتفصيلا، ولما كان المقام مقام التحذير من الخطر المحدق، لم يزل بهم تخويفنا حتى رفعوا عنا – جازاهم الله خيرا – صلاتي الجماعة و الجمعة..
ولو أنهم أوجبوا علينا الكمامة عند قصد المسجد وترك الفرج بين المصلين مع حسن التوكل على الله، لكان كافيا.. وعلى كل حال، أحوج ما سنحتاج إليه في المرحلة القادمة هو تجسيد السلوك العملي للتوكل على الله مع الاجتهاد في الأخذ بالأسباب. وللتذكير، فإن الإعرابي حين سأل هل يعقل الناقة أو يتوكل علي الله، كان الجواب أن يعقلها ويتوكل. يقال إن الواو في اللغة لا يفيد الترتيب. ولذلك على المؤمن أن يجسد هذين الخلقين معا: الأخذ بالأسباب تحقيقا للسنة وحسن التوكل تحقيقا للإيمان.. وفي هذا المضمار يقول أحد أئمتنا (3) في الفقه والتصوف: َيَلمسبب لكياس**نعطيك لحكم فالسب**ترك السب ما يتواس**أمتن السب ماه سب.
ولنا في هجرته صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في تجسيد هذه المعاني تجسيدا عمليا، فعندما أراد القيام بهذا السفر الخطير، اتخذ الأسباب الكفيلة بإنجاحه من حيطة وحذر وتخف وتستر وتعمية وإعداد زاد ومركب وطلب صحبة مؤتمنة من ذي خبرة في السفر والطريق… لكن في نفس الوقت، حسن توكله على ربه جعله يخرج من بين صفوف مسلحي قريش وقد غشيهم النوم عند بابه: ٍٍ«وجعلنا من بينهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون» (سورة يس، الآية 9). وفي الغار لما أشفق صاحبه من دنو الأعداء، طمأنه: «ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا» (سورة التوبة، الآية 40). ومن ثمرات توكله ما أمرت به بعض المخلوقات من خدمته في السفر كنسج العنكبوت و بيض الحمام عند مدخل الغار ورفض حصان سراقة اللحاق به ودر الشاة والناقة المأمورة … و ما خفي أعظم! إن الذي اسري به فوق السماوات لقادر على أن ينقله إلى المدينة المنورة بكل أمان في أقل من طرفة عين! ولكن أعباء الرسالة الخاتمة في نهجها الدائم لمخاطبة العقل البشري، تقتضي الابتلاء تعليما للأمة من خلال السلوك العملي..
ما أوردناه هنا هو للتأكيد على أن المرحلة القادمة من محاربة فيروس كورونا، تتطلب من علمائنا الأجلاء خطابا يشد العزائم ويبعث فينا روح التوكل..

استمرار إغلاق الحدود البرية والبحرية والجوية للحيلولة دون انتقال الأشخاص:
فيروس كورونا لا ينتقل بذاته، فلا بد له من ناقل، وما دامت بؤر تفشيه خارج البلاد، كان الإجراء الموفق الفعال هو إغلاقها جوا وبرا وبحرا واستمرار الإغلاق في المرحلة القادمة يمثل الجدار العازل الأول أمام الفيروس وعليه، فإن قدرة جيشنا الوطني على حماية حدودنا من انتقال الأشخاص على المحك اليوم أكثر من أي وقت مضى.. وأولوية الأوليات أن نمكن للجيش لأداء مهامه خير أداء وإن نكرم ونكافئ من لم نؤت من جهته..
ولشساعة حدودنا النهرية والبحرية والبرية، لا مناص من مواصلة مجهود تحديث التجهيز والرفع من مستوى المهنية واقتناء آليات التصوير عن بعد والعمل على اكتساب قدرة معتبرة على إمكانية الرد السريع من خلال الطيران العمودي والفرق المحمولة جوا، العالية التدريب.
كما أن قوى الأمن والمخابرات الداخلية مدعوة لإعادة انتشار يضمن تعقب المتسللين عبر الحدود بنجاعة قصوى.
استعداد قطاع الصحة لأسوئ الاحتمالات
مهما يبلغ التفاؤل في تطور الجائحة، داخليا وخارجيا، فإن قطاع الصحة حري به أن يبقى في يقظة تامة ويستعد للاحتمال الأسوئ من خلال زيادة عدد أسرة العناية المركزة في المستقيات الوطنية واقتناء أجهزة التنفس والعقاقير ولوازم الحماية الشخصية المتخصصة والتكوين السريع في طب الطوارئ والأوبئة.
عبر العالم، الدول التي استطاعت مجاراة الفيروس في قدرته على التفشي هي الدول التي طورت قدرتها على الكشف السريع ألاستباقي والتي أعلنت سيطرتها على الوباء. وإذا كان بلد كالسنغال يخطط لانجاز 1000 اختبار لليوم، فهل بإمكاننا استهداف نصف تلك القدرة؟
تعميم استعمال الكمامات
تبين الدراسات أن الدول التي استطاعت تسطيح منحنى الوباء (عدد الإصابات/الزمن) هي التي اتخذت قرارا بتعميم استعمال الكمامات مثل كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة وتايوان… وقد أوصت منظمة الصحة العالمية بها بعد جدل لأنها تمثل جدارا أوليا يحمي جهاز تنفس من يحملها إن لم يكن مصابا. أما إذا كان مصابا أو يجهل حالته الصحية، فالكمامة تقي من باسه هو أو تحد منه.
ومن الدول من فرضها دون توفيرها، ومنهم من فرضها مع توفيرها مجانا (كمامات العموم)، ولن يكون صعبا على بلاد “الملثمين” أن تتقيد بالكمامة في المرحلة القادمة، اللثام للذكور والنقاب للإناث إلى أن يزول الخطر، سواء ساعدت الدولة في ذلك أم لا، وسواء وفرتها لموظفيها دون سواهم وفرضت توفيرها على أرباب العمل لشغيلتهم، ومن المفيد أيضا أن يشجع بعضنا البعض في إنتاجها محليا من قطع قماش يغسل ويكوى.

تقوية برنامج التآزر والتكافل الاجتماعي
إذا كان جهابذة الرأسمالية يقولون اليوم لشعوبهم “لن نترك أحدا على الهامش”، فما بالك بالدولة المسلمة وبمن كتب “تعهداتي”! إننا نطالب رئيس الجمهورية بالإشراف شخصيا- طلبا لأجر السبق بالعمل بالسنة الحسنة- على انجاز قاعدة بيانات عصرية للعائلات الأشد فقرا ببلدنا على إن تدقق وتحين مع مرور الوقت، فقد عانينا الارتجال والتخبط في موضوع الإعوزاز والفقر منذ أمد. وفي هذا الإطار، نرجو من فخامته، لحساسية الوضع الراهن، أن يجرد من كذب عليه في هذا الخصوص من منصبه وينزل أقسى العقوبة على من يتحايل على مخصصات الفقراء أو الاختلاس من صندوق كورونا وأن لا تنفع في ذلك شفاعة الشافعين!
والحاجة إلى التكافل الاجتماعي مؤكدة في زمن الرخاء وآكد في زمن الوباء وأشد تأكيدا في رمضان.. وفي سبيل تحقيق هدا الهدف الجوهري، يمكن أن نستأنس بما يلي:
• عقلنة إحصاء العائلات الفقيرة: إن أي إحصاء تقليدي للأسر الفقيرة سيأتي – كالعادة – بإعداد مهولة يصعب التحقق منها والتحقيق فيها.. فماذا لو عكسنا الأمر بإعطاء أولياء الأسر أنفسهم دورا نشطا؟ كيف ذلك؟
أ‌) تقوم المصالح المختصة بالفقر بإعداد استمارة مبسطة على شكل طلب إعانة (تحتوي على معلومات عن الحالة المدنية للأسرة + معلومات عن عنوانها من ضمنها إجبارا رقم هاتف الوصي أو موكله + معلومات ميسرة عن حالتها المادية)؛
ب‌) تضع الجهة الوصية شكلية طلب الإعانة على خادم حاسوب ذي سرعة وسعة فائقتين مشبوك على الانترنت بشكل ملائم ليتسنى للعمد والحكام والأشخاص سحب الطلب بكل يسر وأمان؛
ت‌) ترفع الشكليات بعد تعبئتها من قبل أولياء الأسر أو موكليهم من خلال العمد والحكام إلى الجهة الوصية أو مباشرة على بريدها الالكتروني؛
ث‌) يدرس طلبات الإعانة خبراء الجهة الوصية ويتم إشعار أولى الطلبات المقبولة من خلال الرسائل النصية القصيرة على هواتفهم أو هواتف موكليهم عند الاقتضاء؛
ج‌) تشرف الجهة الوصية على حملة تحسيس إعلامية واسعة النطاق (الإذاعة والتلفزيون) لتقريب الإجراء من أوصياء الأسر حتى يفهمه الأميون منهم!
• استهداف ما بين مائتي ألف وثلاث مائة ألف أسرة فقيرة: ترتيب عدد الأسر الفقيرة في البلد يفوق عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف باعتبار 1.1 مليون من الفقراء حسب الإستراتيجية الوطنية الجديدة لمحاربة الفقر المصادق عليها من قبل صندوق النقد الدولي وباعتبار متوسط عدد أفراد الأسرة الموريتانية (من خمسة إلى ستة أفراد).
• دفع إعانات الفقراء نقدا لا عينا لتجنب مصاريف الشراء والتخزين والنقل والتوزيع عبر تطبيق على الهاتف وتوزيعه عبر البنوك والبريد ووكالات التحويل الوطنية دون مقابل كمساهمة في المجهود الخيري (الاستفادة من تجربة المملكة المغربية).
• الاحتفاظ بمفتاح التوزعة الحالي: الثلثان لنواكشوط والثلث خارجه، فقد طرأ الكثير على جغرافية الفقر في البلد إثر التوزيع الواسع للأراضي في نواكشوط في السنوات الأخيرة حتى أصبح لمدننا وقرانا طابعا موسميا: السكن في نواكشوط والعطلة في الداخل..
• تحريم تسريح العمال إبان فترة الوباء حتى لا يتفاقم وضع الفقر كما قامت بذلك جارتنا السنغال.

وفي الختام، ونحن على أعتاب المرحلة 2 من محاربة جائحة كورونا، نحتاج إلى نفس جديد في أجواء الإجماع الذي طبع المرحلة الأولى، الناجحة بكل المقاييس.


(1) ورد مفهوم السفينة في حديث الرسول الخاتم مما رواه البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2) لا نعلم حيوانا لا يأكلونه: الخنازير والقطط والكلاب والحمير والضفادع والثعابين والجراد…
(3) ينسب هذا “الكاف” للشيخ محمد عبد الرحمن التندغي، شيخ الشيخ سيد المختار ولد عبد الجليل التندغي وشيخ الشيخ لمرابط ولد عبد الفتاح التركزي.

من موقع موريتانيا الآن