الأزمة الصحية: الأثر الاقتصادي والاجتماعي والدروس المستخلصة

06-24.jpg

06-24.jpgيواجه العالم منذ حوالي شهرين أزمة صحية غير مسبوقة، تجاوز حجمها ما خلفته الأوبئة المسجلة خلال الفترات الأخيرة من التاريخ المعاصر.
وإن كانت نسبة الوفيات محدودة نسبيا (7,1% وفقًا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية بتاريخ 13/05/2020) وكان الشفاء يتزايد باستمرار (تصل نسبة الشفاء 36%)، فإن سرعة الانتشار وحجمه (جميع الدول معنية اليوم) وانعدام علاج مؤكد قد أوجدا مناخًا من الضيق والعجز أدي الي اضطراب عميق في أنماط حياة الناس كما تعرضت النظم الصحية والحماية الاجتماعية والنسيج الاقتصادي في جميع دول العالم لاختبار صعب.

وعلى عكس الأزمة المالية 2008 ـ 2009، فإن الأزمة الحالية هي أزمة للاقتصاد الحقيقي التي تأثرت علي أعقابها جميع القطاعات الإنتاجية بدرجات متفاوتة.

وبالإضافة إلى الآثار السلبية على العمالة، من المتوقع أن تؤدي الأزمة الصحية الحالية إلى انخفاض ملحوظ في النشاط الاقتصادي وانكماش كبير في النمو في معظم الدول الغنية (أوروبا والولايات المتحدة وآسيا)، والبلدان الصاعدة والنامية.

وهكذا من المتوقع أن ينخفض ​​الإنتاج العالمي بنسبة 3% في عام 2020، حيث ينتظرً أن تشهد الدول المتقدمة تراجعاً حاداً في نموها الاقتصادي فى حدود -6.1%، على ان تصل النسب في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان على التوالي -5,9% و-7,5% و-5.2%.

وستشهد الصين التي تُعتبر منذ فترة طويلة قاطرة النمو العالمي، زيادة ناجتها الداخلي الخام بنسبة 1,2% فقط في 2020 مقابل 6,1% في عام 2019 وستسجل أفريقيا جنوب الصحراء انكماشًا في الناتج الداخلي الخام بنسبة 1,6% (بلغ +3,1% في عام 2019)، وذلك للمرة الأولى منذ ربع قرن.

ولا تزال إفريقيا قليلة التأثر نسبياً بالجائحةً حيث تم تسجيل 69.947 إصابة و2410 وفاة بتاريخ 05/13/2020، أي ما يمثل على التوالي 1,5% و0,7%من جميع حالات الإصابات المؤكدة والوفيات على مستوى العالم.

وتعتمد قدرة البلدان على مواجهة العواقب الاقتصادية والاجتماعية للأزمة بطبيعة الحال على مستوى مواردها، وسهولة الوصول إلى الأسواق ألمالية وملائمة أدوات السياسة الاقتصادية – المالية والنقدية – التي تتوفر عليها.

ونلاحظ في هذا الصدد نزعة متزايدة لدي الدول الغنية للتخلص من قواعد الصرامة في مجال الميزانية والتي تربط عجز الميزانية بنسبة مئوية من الثروة الوطنية. وبين اتساع العجز وانهيار المنظومة الإنتاجية ونظام الحماية الاجتماعية فقد اختارت البلدان القادرة علي ذلك تفاقم العجزفى الحسابات العمومية.

وهكذا أعلنت دول مثل الولايات المتحدة وألمانيا خطط تدخل غير مسبوقة بقيمة 2.000 مليار دولار أمريكي و1.100 مليار يورو على التوالي.

كما وضعت بلدان أخرى في أوروبا وآسيا وإفريقيا برامج لتخفيف آثار الجائحة.

ويتمثل العنصر الإيجابي الوحيد في خضم هذا السيل الهائل من الأخبار السيئة في انخفاض التلوث وانبعاث غازات الاحتباس الحراري وتجديد طبقة الأوزون، الشيء الذي يمكن أن يوفر فرصة فريدة لإعادة النظر في أنماط الاستهلاك والإنتاج التي كانت سببًا للتدمير الهائل للنظم البيئية واختلال التوازنات الطبيعية الهشة، مما دفع الدين البيئي الذي يُطالَب به سكان الكوكب إلى مستويات غير مستدامة.

وبالنسبة لموريتانيا فقد وضعت الدولة خطة استجابة ترتكز على:

– تعبئة الموارد لوقف انتشار الجائحة؛
– إيجاد شبكات أمان اجتماعي للشرائح الأقل دخلا؛
-ضمان استمرارية الخدمات الأساسية والتموين بالمواد الضرورية؛
– الحفاظ على النسيج الاقتصادي ودعم القطاعات المتضررة بشكل مباشر من الأزمة.
على الرغم من تدابير التخفيف من الاثار السلبية فمن المتوقع أن ينخفض ​​النمو الاقتصادي للبلاد بشكل حاد من 5,9% في عام 2019 إلى حوالي -2% في عام 2020، مقارنة بتوقعات أصلية في حدود 6,3%.
وينتظر أن يتفاقم عجز الميزانية العمومية إثر تراجع الطلب الداخلي وزيادة الإنفاق الاجتماعي وانخفاض الواردات والصادرات وصعوبات تحصيل الضرائب بسبب تدهور الوضع المالي لدافعي الضرائب الرئيسيين.

وهكذا ستكون هوامش مناورة الميزانية محدودة للغاية.

وإذا كان لا يزال من السابق لأوانه رسم ملامح ما بعد الجائحة، والذي يعتمد على فترة انتشار الوباء وطبيعة تأثيراته، فإنه يمكن، مع ذلك، تحديد بعض التوجهات العامة فيما يلي:

– خسائر هائلة في وظائف الشغل (تقدر منظمة الشغل الدولية أن حوالي مائتي مليون شخص قد يفقدون وظائفهم) مما سيؤدي إلى تفاقم الفقر وتردي ظروف المعيشة؛
-إضعاف البلدان التي يعتمد نظامها الاقتصادي على استغلال وتصدير النفط أو المواد ألأساسية التي ينتظر أن تظل أسعارها متراجعة لوقت طويل وخاصة النفط؛
– تنطبق نفس الملاحظة على البلدان التي تشكل فيها السياحة الجماعية وتحويلات المواطنين المقيمين في الخارج مصدراً لخلق فرص العمل وتوفير الدخل؛
– تغيير عادات الاستهلاك وأساليب الإنتاج ونماذج الأعمال (خطط الأعمال)، مما سيؤدي إلى إعادة تصميم المنظومة الإنتاجية وحركية كبيرة في وظائف العمل.
وفيما يخص العلاقات الجيوإستراتيجية الدولية، فستتميز على الارجح بالملامح التالية:

– اشتداد الصراع من أجل قيادة العالم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وهي القيادة التي سيعتمد تحديدها، من بين عوامل أخرى، علي النتائج المسجلة في مجال تسيير الجائحة والقدرة علي الوفاء بواجب التضامن فيما يتعلق بالدول الأخرى المتضررة ولاسيما الاقلها ثراءا؛
– تراجع العولمة والتعددية وعودة الدولةً القومية؛
– اتساع الفجوة في مستويات المعيشة بين دول الشمال الغنية والدول النامية في الجنوب.
لقد كشفت الأزمة الصحية الحالية عن درجة كبيرة من عدم جاهزية المجموعة الدولية ومدى الاختلالات التي تعوق قدراتها علي رفع التحديات متعددة الأشكال التي قد يتعين عليها مواجهتها.

لقد اشرفت النظم ألصحية على الانهيار خاصة في البلدان ألغنية وشلت الأنشطة الاقتصادية وأصبح الانسحاب داخل الحدود الوطنية قاعدة عامة.

وللعودة إلى الحالة الموريتانة، يشمل تسيير الأزمة الصحية مرحلتين رئيسيتين مرحلة الاحتواء والتثبيت ومرحلة الانعاش الاقتصادي. ونحن اليوم في صميم المرحلة الأولى التي يجب أن تهدف الإجراءات المتخذة خلالها إلى احتواء انتشار ألجائحة وتحسين التدخل لصالح السكان الأقل دخلا، والحفاظ على أدوات الإنتاج وحماية وظائف الشغل لتسهيل إعادة الانطلاق بعد اختفاء الأزمة الصحية.

وستكون مرحلة الانعاش ألاقتصادي التي لن تتحدد ملامحها بدقة إلا بعد نهاية المرحلة الأولي تدريجية وتتطلب موارد مالية معتبرة، تستلزم تعبئتها دعم جميع شركاء البلاد الفنيين والماليين. وبما أن هذه الحالة تعتبر قاسما مشتركاً بين العديد من بلدان القارة الإفريقية فإن التنسيق يعد ضروريا أكثر من أي وقت مضى، حيث ينبغي التوجه لعقد قمة افتراضية استثنائية لقادة القارة من أجل تحسيس المجتمع الدولي حول التحديات المرتبطة بتسيير الجائحة.

وبالنسبة للدروس المستخلصة من الوباء فيما يخص البلد، نذكر بالدور المركزي الذي يجب أن يحتله النظام الصحي وأهمية الأمن ألغذائي وآليات التدخل لصالح السكان الأكثر هشاشة. وينبغي تجسيد الأولوية الممنوحة للنظام الصحي الوطني في تخصيص موارد كافية بشرية ومالية لتمكينه من أداء مهمته، وهي مهمة قد أثبت الأزمة الصحية الحالية أهميتها وتحتسب المجموعة الوطنية مدينة للإدارة والطواقم الطبية بالنتائج المسجلة في مكافحة الجائحة.

ومع ذلك، لا بد من التعبير عن بعض التحفظ، نظرا لظروف وفاة صاحب الحالة التاسعة، رحمه الله والذي لم يتم اكتشاف إصابته إلا بعد فوات الأوان وفقًا لحديث ابنته التي أكدت أنه استشار عدة أطباء فور شعوره بالأعراض الأولية.

وتذكرنا هذه الظروف في العديد من النواحي بوفاة صاحبة الحالة الأولى المسجلة، التي كانت في الحجر الصحي في نواكشوط ولم يتم تشخيص إصابتها بالفيروس قبل وفاتها، على الرغم من أن السيدة المعنية، رحمها الله، قد تلقت في اليوم السابق زيارة طبيب مكلف برقابة الأشخاص المحجورين تحت إشراف وزارة الصحة.

لا شك أن وزير الصحة، المشهود له بالوطنية وبالمهنية سيتخذ الإجراءات المناسبة لتصحيح هذه الاختلالات ومنع الوصول إلى نقطة انهيار المنظومة التي تم وضعها لتسيير الجائحة، مما سيجعلها عصية على الاحتواء، وتترتب عليه عواقب وخيمة على البلاد. أعاذنا الله من ذلك.

وفيما يتعلق بالأمن الغذائي، وهو الهدف المعلن من قبل جميع الحكومات منذ سنوات عديدة، فإن أهميته لم تعد بحاجة إلى الإثبات، ويجب ترجمة هذه الأهمية إلى قانون برمجة لتحقيق الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، وجعله علي رأس الاولويات ضمن السياسات العمومية كما ينبغي ان يحدد القانون المواد المستهدفة والأفق التاريخي (2030 ـ 2035)، والأهداف والموارد المرصودة واليات المتابعة التي يجب أن يكون للبرلمان فيها دورًا أساسيًا.

من موقع موريتانيا الآن