“سبيس اكس” وإرسالها البشر إلى الفضاء الخارجي: خصخصةٌ…

09-325.jpg

09-325.jpg“سبيس اكس” وإرسالها البشر إلى الفضاء الخارجي: خصخصةٌ فقط؟ أم تلوثٌ متزايدٌ يطال موريتانيا؟
أصبحت التطبيقات الفضائية اليوم في متناول الجميع. فسواء تعلق الأمر بالاتصالات، أو الصور الفضائية، أو الاجتماعات والمؤتمرات عن بعد، أو الأرصاد الجوية… فإن الخدمات الفضائية تغرق كوكبنا. و قد تضخم هذا التوجه منذ قرابة عشرين سنة، حيث تيسر بصورة غير مسبوقة التواصل المتبادل و الولوج إلى المعلومة بكافة أشكالها ومصادرها لدرجة “التخمة” على حد تعبير كثير من الخبراء والأخصائيين في الاتصال ونظرياته[i]. و شهدنا بالفعل مستوى من الوفرة المفرطة للمعلومات بلغت حد “السمنة المعلوماتية”. (infobésité)
و الآن، ومع التدخل الفعال للقطاع الخاص في مجال إرسال البشر إلى الفضاء الخارجي، فإن العالم دخل مرحلة جديدة من غزو الفضاء الخارجي وتطبيقاته المختلفة وما لها من أثر على الحياة البشرية..

أمر غير مفاجئ …

وتداعيات هذه الخصخصة تهمنا جميعا. ورغم كونها حديثة العهد نوعا ما، إلا أنها غير مفاجئة تماما. حتى بالنسبة لنا نحن الموريتانيين، فقد سبق لي شخصيا أن كتبتُ في هذا المجال سنة 2003، قائلا:

“تخضع البحوث في منظومات الإطلاق الفضائية وتطويرها لمنطق يسعى إلى اكبر مرونة ممكنة في تشغيل الصواريخ. وقد ساد هذا المنطق في الكثير من المجالات خصوصا البنى التحتية والتسويق (…). وهذا سيؤدي منطقيا في المحصلة النهائية إلى تعميم التطبيقات الفضائية بحيث تصبح تدريجيا في متناول جميع البلدان.

وقد تجلى هذا الانتشار في تنامي التنافس التجاري حول صواريخ إطلاق الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية. وسيؤُول هذا التطور إلى بروز شركات خاصة قادرة على المنافسة في مجال توفير منظومات إطلاق الأجهزة الفضائية.”[ii]

09-326.jpg

واليوم، وبعد سبع عشرة أو ثماني عشرة سنة من كتابة هذه الحروف، حصلت الشركة الأمريكية الخاصة سبيس اكس (SpaceX) على صفقة أعلنت عنها الوكالة الأمريكية للفضاء، (ناسا). وتتمثل في إرسال رائدَيْ فضاء إلى المحطة الفضائية الدولية ( ISS)[iii]. وها هما في طريقهما منذ الأمس إلى المحطة الدولية، حيث سيبقيان لفترة من الزمن على متنها. وقد علمنا للتو أن رحلتهما على وشك بلوغ هدفها النهائي: تم بنجاح وصل مركبتهما الفضائية منذ أكثر من ساعة بالمحطة الدولية.

وتجدر الإشارة إلى أن القطاع الخاص الأمريكي كان حاضرا بقوة في مجال غزو الفضاء منذ سنوات قبل هذه العملية. فقد أطلقت شركة فالكون عام 2008 قمرا صناعيا ماليزيا للمراقبة. و منذ ذلك الحين رأت النور صورايخ إطلاق فضائية عديدة تابعة للقطاع الخاص و كذلك العشرات (بل المئات) من عمليات الإطلاق. بيد أن نشاطاتها ظلت مرتبطة بالأقمار الصناعية.

أما فيما يخص إرسال رواد بشريين إلى الفضاء الخارجي، فإن العملية الجارية منذ أمس تعد أول عملية من هذا النوع عن طريق مركبة تجارية. فهل المرحلة المقبلة ستكون إنشاء وإطلاق محطات فضائية خاصة مأهولة لأغراض تجارية؟ الجواب على الأرجح هو: نعم.

ولكن اهتمامنا ينصب الآن في سؤال آخر: ما هي تداعيات هذه الخطوة الجديدة على التلوث الفضائي؟

تلوثٌ يمس موريتانيا بصورة مباشرة…

بالإضافة إلى تلوث الأرض والبحار، توجد آلاف من الأجسام خلفتها نفايات ناتجة عن أجهزة الإطلاق وعن تفكك الأقمار الصناعية التي خرجت عن السيطرة. وهذه النفايات تدور منذ عدة عشريات فوق رؤوسنا في ما وراء الغلاف الجوي. وهي لا تتزايد بصفة مطردة بقدر ما يطلق الإنسان من أجهزة فضائية، فحسب، بل إنها تتصادم وتتجزأ باستمرار إلى شظايا متكاثرة بصفة لا متناهية. وبعض هذه النفايات تسقط على الأرض متسببة في مخاوف ومخاطر تهدد سلامة سكان المناطق التي تسقط فيها. وبلدنا ليس في مأمن منها، كما ظهر مؤخرا.

فقد سقطت منذ بضع أسابيع شظايا قمر صناعي صيني في المياه الإقليمية الموريتانية. ومن الغريب أن الحادثة لم تثر ردود فعل تذكر عندنا، بل ساد الصمت من جهة السلطات العمومية بينما بدا أن الرأي العام على غير علم بما وقع. ولم يكن للتغطية الضعيفة لها من طرف بعض الأجهزة الإعلامية الخاصة كبير تأثير. وهذا أمر يؤسف له.

لأن حياتنا على الأرض مشروطة بنظافة الفضاء الخارجي التي تتعرض لخطر متزايد. فمع الصعود القوي للقطاع الخاص في مجال الصواريخ الذي وصل مرحلة متقدمة مع إرساله البشر إلى الفضاء الخارجي، فإن الوضعية ستسوء باستمرار. فمن البديهي في ظل فتح الميدان على المؤسسات التجارية الخاصة أن كمية النفايات الفضائية ستتضاعف كثيرا.

ولكن هنالك خطرا أعظم، ولو أن ضعف احتمال وقوعه وفجاعتَه يجعلان مجرد التفكير فيه نوعا من الاستفزاز المقيت الذي لا يقبل: لا يوجد شيء يضمن بصورة أكيدة أننا لن نشهد يوما ما كارثة- لا تتصور!- تكون الشظايا الفضائية فيها أشلاء بشرية أو رواد فضاء انقطعت الصلات بينهم مع الأرض وبقوا يسبحون في الفضاء الخارجي.

وحينها، فلن يكون لنا من سبيل أمام مأساة كهذه، سوى التضرع إلى رب العزة، حسب إيماننا وإيمان المفقودين وندعوه جل جلاله، مرددين:

اللهم اغفر لهم وارحمهم، واحفظنا، وأحفظ الأرض ومن عليها من مآسي مغامراتنا الفضائية.