محمد الأمين ولد مزيد يكتب : آداب إسلامية للحملات الانتخابية

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى
أما بعد
فإن الناس قد تعوَّدوا في مواسم الانتخابات كثيرا من المنكرات التي تعارف الناس عليها حتى صارت تقليدا من التقاليد التي تسبق إلى الذهن إذا ذكرت الحملات الانتخابية والإسلاميون إذا أرادوا المشاركة في هذه الأمور فلا بد أن يسلكوا طريقا مختلفا، فتنضبط حملاتهم بالضوابط الشرعية ،ويبتكروا طرقا غير تلك الطرق التي ألفها الناس و روَّج لها المروِّجون واعتبروها الوسيلة الوحيدة لكسب أصوات الجمهور ، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه . ومساهمة مني في هذا السلوك الجديد أقدم الآداب التالية :


1-الإخلاص لله عز وجل فعلى الداعمين للمرشح أن يتحركوا جهادا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وتبليغا لدين الله وتعريفا بحقائقه فيكون التحرك لله .
وقد دلت السنة المطهرة على تحريم مبايعة الإمام لأغراض دنيوية بحتة فروى البخاري في مواضع عديدة من صحيحه ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
” ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ، ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا لدُنياَ فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط .ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال والله الذي لا إله غيره لقد أُعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل ثم قرأ هذه الآية ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا )
وهذا الحديث ينبغي تبليغه لجمهور الناخبين حتى لا يتحركوا في هذا المجال لأغراض دنيوية فيقعوا فيما يسخط الله عليهم .
2- أداء الفرائض وترك المحرمات والتزود بالعمل الصالح فهذه هي المُعينات المُيسِّرات ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ) وقد قال أبو الدرداء عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتلون بأعمالكم رواه ابن المبارك في كتاب الجهاد وعلى ذلك بوب البخاري فقال في كتاب الجهاد : باب عمل صالح قبل القتال وقال أبو الدرداء إنما تقاتلون بأعمالكم .
3- الإكثار من ذكر الله عز وجل فموسم الانتخابات – في الغالب – موسم تشيع فيه الغفلة عن ذكر الله عز وجل وقد أمر الله بالإكثار من الذكر عموما وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه . رواه مسلم
ومن المهم المحافظة على الأذكار المأثورة في الصباح والمساء والخروج والدخول وفي شتى الأوقات وشتى الأحوال .
4- المحافظة على الصلاة وأدائها في أوقاتها بلا تأخير وتنظيم ذلك والإشراف عليه فكثيرا ما تكون المهرجانات في موسم الانتخابات سببا في إضاعة الصلوات ولا خير في أمر شغل عن الصلاة وقد كتب عمر إلى عماله : ” إن أهم أموركم عندي الصلاة من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع رواه مالك في الموطإ
وتقتضي هذه المحافظة تخصيص لجنة مسؤولة عن تنظيم الصلاة وتجهيز متطلباتها – ماء ومكانا وفراشا –في كل مهرجان من المهرجانات والإعلان عن أن المهرجان سيتوقف في الوقت الفلاني لأداء الصلاة .
5- الإكثار من الصدقة فموسم الانتخابات موسم يحضره اللغو والكذب فينبغي أن يشاب ذلك بالصدقة كما في حديث قيس بن أبي غََرَزَة رضي الله عنه قال: كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نُسمَّى السماسرة، فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمانا باسم هو أحسن منه فقال: يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة رواه أبوداود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن ماجه .
6- الكف عن أعراض الناس وتجنب الغيبة ونعني بها على الخصوص ذكر المرشحين وداعميهم بمايكرهون، وتجنب النميمة التي تعني نقل كلام الناس على وجه الإفساد ، وتجنب التجسس الذي يعني تتبع عورات المسلمين وكشفها وإطلاع الناس عليها .
7- التزام صدق الحديث والوفاء بالوعد وأداء الأمانة وهذه الأخلاق هي عكس أخلاق المنافقين التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ” آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان . رواه مسلم وكثيرا ما تساهل الناس في أيام الانتخابات في هذه الأمور فيكذبون إذا حدثوا خوفا أو طمعا ، ويخلفون الوعد عمدا أو تهاونا ، ويضيعون الأمانات قصدا أو تساهلا .
والكذبُ الذي هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه محرم في الشرع وضيع في العرف وخيم العواقب .
وخلف الوعد من الأمراض الشائعة في مجتمعنا وهو خلق من الأخلاق السافلة التي لا تليق بالمؤمنين .ومن المؤسف أن يسود الوفاء بالوعد عند الكفار وأن يشيع التهاون بالوعد في البيئات الإسلامية .
وخيانةُ الأمانة بل مجردُ نية خيانتها من رذائل الأخلاق ولا تليق بالمسلمين فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله . ” رواه البخاري
8- التزام النساء والرجال بالحدود التي حدها الله في العلاقة بين الجنسين فنتجنب المنكرات الشائعة في الحملات الانتخابية التي جعلها بعض الناس فرصة لتعدِّي حدود الله ولذلك فإن علينا أن نحارب المنكرات التالية :

أ‌-تبرج النساء تبرج الجاهلية والتبرجُ هو إظهار المرأة للرجال ما يجب إخفاؤه من الزينة من قولهم سفينة بارجة لا غطاء عليها
ب‌- الاختلاط المحرم .
ج- الخلوة المحرمة
د- النظر المحرم .
هـ – والحديث بين الجنسين بلا ضوابط شرعية ، والضوابط هي أن يكون موضوعُ الحديث معروفا لا منكرا وأن تكون لهجةُ الحديث طبيعيةً لا خضوع فيها ، وأن يكون كما قالت الفتاة الحيية : ( إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) .
وما أكثر ما ينحرف الحديث بين الجنسين عن مساره السياسي المفترض إلى حديث مرسل بلا موضوع !وما أكثر ما تتحول العلاقاتُ السياسية إلى علاقات من نوع خر !
فلا بد من التعامل مع الموضوع بجد .
9- الابتعاد عن الإكراه المادي والمعنوي عند السعي لكسب أصوات الجمهور فالرضا شرط من شروط العقود ،والإكراه مناقض لمسألة الانتخابات برمتها، ولا فرق بين الإكراه المادي والإكراه المعنوي ولذلك قال أهل العلم : المأخوذ حياء كالمأخوذ غصبا
قال الشيخ محمذفال ولد متالي :
لا شك في تحريم ما لولا الحيا** لم يعط إذهو كغصب رويا
لأن وقع الذم في القلب أشد **عند ذوي الألباب من ضرب الجسد
والمطلوب إنما هو عرض يرنامج المرشح وذكر النتائج المتميزة التي يتوقع أن يحصل عليها البلد على فرض نجاح المرشح في الوصول إلى منصب الرئيس ولا مانع من ذكر الشخصيات المساندة للمرشح بوصف ذلك وسيلة من الوسائل التي تعين الناخب على سداد الاختيار .
10- حسن الخلق
ففي الانتخابات يتنافس الناس على كسب أصوات الجمهور ويحصل الاحتكاك بينهم وفي مثل هذه الظروف تظهر حقيقة الأخلاق لأن الأخلاق في غير مجتمع أعدام على حد تعبير الفيلسوف ابن مسكويه .
وحقيقة حسن الخلق أن تعامل الناس بما تحب ن يعاملوك به . ومن مظاهر حسن الخلق تحمل الأذى والتغاضي عن الزلات والتزام العفو والصفح والتخلق بأخلاق الرفق والرحمة واللين وطلاقة الوجه واحترام الناس كل الناس لا فرق في ذلك بين الغني والفقير والوجيه والخفي والرئيس والمرؤوس وقد مدح الله عز وجل سيد المرسلين وسيد الخلق أجمعين بقوله ( وإنك لعلى خلق عظيم )
11- عدم المبالغة في إطراء المرشح فقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما نا عبد فقولوا عبد الله ورسوله . ” والإطراء مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المدح إهلاك للممدوح فعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رجلا ذُكِر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ويحك قطعت عنق صاحبك ” – يقوله مرارا- ” إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يُـرَى أنه كذلك وحسِـيبه الله ولا يزكِّي على الله أحدا “رواه البخاري
وقد ذكر العلماء أن من آفات المدح بالنسبة للمادح :
– الإفراطَ الذي ينتهي إلى الكذب .
– والرياءَ يإظهار حب غير واقع ,
– وقولَ ما لا يتحققه و ولاسبيل له إلى الاطلاع عليه كما ذكر العلماء أن من آفات المدح بالنسبة للممدوح أنه يحدث الكبر والعجب والرضا عن النفس .
هذا من جهة .
ومن جهة أخرى فإن هذه المبالغات أساليب دعائية فجة يعرف السامعون كذبها ويتندرون على المروجين لها ، وهي تفترض في المستمعين سذاجة وتغفيلا وهو افتراض خال من الفطنة ولذلك قال بعض الظرفاء الموريتانيين إنه لا يستغفل الناس لأنه يخشى أن يفطنوا له .
12- الابتعاد عن الإسراف والتبذير امتثالا لأوامر الله واتباعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صار التبذير والإسراف سمة بارزة من سمات الحملات الانتخابية بل صار ذلك دليلا على أهمية المرشح ومكانته في قومه وهو أمر دليل على انقلاب المعايير فالالتزام بالشرع هو الدليل الصحيح على الأهمية ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم .
13-حسن الإدارة لأن سوء الإدارة يعود على كل ما تقدم بالنقض وأول حسن الإدارة أن لا يسند الأمر إلى غير أهله والأهل هو ( القوي الأمين )
والقوة في كل عمل بحسبه على حد تعبير ابن تيمية
والله الموفق