دعاة التطبيع مع القاعدة

find out here لم يعد دعاة التطبيع مع القاعدة قلة في وطننا العربي الذي تجتاحه موجة من الهياج والتشنج والتطرف في ردات الفعل بل أصبحوا أكثرية ساحقة ,وموريتانيا ليست استثناءاً لهذه الحالة والدليل على ذلك هو ردود فعل مثقفينا وكتابنا ومواقفهم من عملية حاسي سيدي التي نفذها الجيش الموريتاني ضد مسلحي تنظيم القاعدة مؤخراً, حيث أتفق اليمينيون و اليساريون الإخوان المسلمين والرفاق الماركسيين على تحليل واحد مؤداه أن لا جدوى من الحرب على القاعدة لأنها ببساطة حرب خاسرة لا محالة و إن الأجدى والأنفع هو الحوار والاعتراف , أما السياسيون من الأغلبية والمعارضة فقد اتفقوا في الجوهر و إن اختلفوا في الشكل , فالأغلبية ترفض مصطلح الحرب وتنكر المواجهة مع القاعدة وتفضل تسمية الأشياء بغير مسمياتها فما يجري لا يعدو كونه خطة أمنية موجهة ضد المهربين وتجار المخدرات وهي بذلك تخسر الحرب الإعلامية وترمي بأسلحتها أمام القاعدة منذ الجولة الأولى , أما المعارضة فكأنها تطبق القول المأثور “عدو العدو صديق” فمادامت القاعدة عدوة النظام فهي صديقة المعارضة .

a fantastic read مشكلتنا مع أصحاب هذا الطرح هي انطلاقهم من مسلمات مغلوطة ليصلوا إلى نتائج خاطئة, وليسمحوا لنا بمناقشتهم في هذا الموضوع الذي هو همٌ مشترك بيننا ولتكن البداية من المنطلقات التي انطلقوا منها والمرتكزات التي ارتكزوا عليها و المسلمات التي اعتبروها لا تقبل الجدل ومن الأمثلة على ذلك :

1- التسليم بأن القاعدة خصم جبار هزم أعتا الجيوش و أعظم الدول وبالتالي ستكون هزيمة الجيش الموريتاني أمامها من باب تحصيل الحاصل.

2- التسليم بحتمية المواجهة بين القاعدة والقوى الغربية التي تحاول نهب ثروات المنطقة حسب زعمهم.

3- الاتفاق على أن العملية كانت استفزازاً للقاعدة ومغامرة للجيش خارج الحدود و أنها نفذت لتحرير الرهائن الفرنسيين وبالتالي فهي حرب بالوكالة.

4- و أخيراً التسليم المطلق والإجماع التام على أهمية الحوار باعتباره المخرج الوحيد من هذه الورطة والتأكيد على أن كل الدول التي جربت الحل الأمني قد فشلت فشلاً ذريعاً وعادت لتجرب الحوار و المناصحة .

5-
هؤلاء الإخوة ومع تسليمنا بحقهم في أن يذهبوا إلى ما ذهبوا إليه وعدم تشكيكنا في وطنيتهم وحسن نواياهم إلا أننا نعتقد أنهم يمارسون– عن قصد أو عن غير قصد- قدراً كبيراً من التبسيط و التهويل والخداع , وسنحاول الرد على النقاط السابقة واحدة بواحدة :

  • أولاً :

التهويل والمبالغة في وصف قوة القاعدة وبطشها و التغني بانتصاراتها المدوية, والمغالطة هنا تكمن في اعتبار القاعدة ظاهرة جديدة برزت للوجود أول مرة في أواخر التسعينات عندما أعلن أسامة بن لادن عن تحالف عالمي لمحاربة الكفار والصليبيين, والأمر أبعد ما يكون عن ذلك فالقاعدة ليست ظاهرة معزولة ولم تظهر صدفة ولم تهبط علينا من السماء و إنما هي وريث شرعي ونسخة مطورة عن حركات أصولية تتبنى فهماً متزمتاً للدين الإسلامي تكفر المجتمع وتسعى إلى تقويض دعائم الدول القائمة والقضاء عليها لتقيم على أنقاضها إمارة إسلامية موحدة يحكمها خليفة للمسلمين ولذلك فنحن نجانب المنهج العلمي السليم عندما نتناول موضوع القاعدة دون ربطها تاريخياً بتلك الحركات التي ظهرت منذ عقود وأشهرت السلاح في وجه أكثر من نظام عربي وإسلامي فأرهبت وأرعبت و أرغت وأزبدت ورغم كل ذلك لا نعثر في تاريخها على انتصارات تستحق الإشادة و التنويه فلا هي أقامت إمارتها الإسلامية المنشودة, ولا هي قوضت الدول ولا أسقطت الأنظمة , بل إن حكومات عديدة اعتمدت معها الحل الأمني والحسم العسكري فنجحت في دحرها وهزيمتها وحسبنا أن نشير إلى التجربة المصرية التي بدأت منذ أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر واستمرت حتى اليوم , ثم التجربة السورية في مطلع الثمانينات مروراً بالتجربة التونسية والليبية والمغربية والسعودية و انتهاءاً بالتجربة الجزائرية التي يحلوا لهؤلاء الاستشهاد بها زاعمين أن الجزائر على جلالة قدرها تبدو عاجزة أمام ضربات الإرهابيين وهو قول يدعو للاستغراب لما فيه من تضليل وطمس للحقائق , فالجزائر التي انتقلت من مرحلة الحرب الأهلية الحقيقية داخل المدن والقرى إلى حالة من الأمن والاستقرار والقوة الداخلية و الخارجية ليست مهزومة بحال من الأحوال وإنما هي من هزمت الإرهابيين عسكرياً وإعلامياً وطاردت فلولهم خارج حدودها , وحتى عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية التي يجزمون أنها فشلت في حسم المعركة ضد طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان والعراق فإن ما نراه أمامنا هو أنها قد أزالت نظام طالبان وطردته من السلطة خلال الجولة الأولى من القتال , بل إن المعركة بين أمريكا وهذه الحركات انتقلت إلى خارج الأراضي الأمريكية التي لم تشهد أية عملية إرهابية منذ عام 2001 صحيح أن القوات الأمريكية ومن ورائها قوات حلف النيتو ما زالت تتكبد خسائر كبيرة وتواجه مقاومة شرسة في أفغانستان لكنها مقاومة شعب يرزح تحت الاحتلال له امتداداته الإقليمية وليست طالبان إلا جزء من تلك الصورة فلا مجال إذن للجزم بنصر حققته القاعدة أو طالبان في تلك البقعة من الأرض التي لم تحرر بعد .

أما في العراق فالحال أكثر تعقيداً فللمقاومة هناك مكونات عديدة أولها الجيش العراقي المنحل وحزب البعث الذي أزيح عن السلطة بالإضافة إلى قوى قبلية وطائفية وجهات إقليمية ودولية لكل منها مصلحته في هزيمة أمريكا وإخراج قواتها من العراق ولعل أقلها شأناً وأسوئها أداءاً هو تنظيم القاعدة .

وخلاصة رأينا أن أي دولة لديها مؤسسة أمنية حقيقية وجبهة داخلية متماسكة تستطيع أن تكسب الحرب على أي حركة أصولية مسلحة وقد ضربنا من الأمثلة ما يكفي للتدليل على ذلك لدرجة يمكننا معها القول إن تاريخ الحركات الأصولية هو تاريخ هزائمها.

  • ثانيا :

الحديث عن حتمية المواجهة بين القاعدة والقوى الغربية لأن الأخيرة تحاول أن تضع يدها على ثروات المنطقة ومن يسلم بهذه المقولة إنما يعلي من شأن القاعدة عندما يضعها في موضع الذادِ عن الحدود وحامى الحمى ويمنحها بذلك شرعية المقاومة كما أنه ينسى أو يتناسى أن القاعدة وأسلافها من التنظيمات الأصولية لم تحرك ساكناً ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين ولا ضد الامبريالية العالمية التي نهبت وسرقت وعاثت فساداً في مناطق أخرى من العالم الإسلامي.

  • ثالثاَ :

المغالطة ثلاثية الأبعاد: استفزاز القاعدة- المغامرة خارج الحدود- الحرب بالوكالة

ترى من يستفز من ؟

أهي القاعدة التي بدأت الحرب عندما هاجمت غدراً حامية لمغيطي 2005 متذرعة باستفزازات الرئيس السابق لها ؟ أم الجيش الذي اكتفى بالانقلاب على الرئيس الذي استفزها؟

أهي القاعدة التي نفذت بعد ذلك جرائم الغلاوية وتورين وألاك ونواكشوط ؟ أم الحكومة الموريتانية التي اكتفت بسياسة النعامة والتجاهل ؟

من يعرف عقيدة القاعدة ونظرتها للمخالفين وكفرها بالدول والمؤسسات والقوانين يعرف أنها لا تحتاج إلى مبررات لمهاجمتنا , أما حديثهم عن الاعتداء على حدود دولة أجنبية فلا أدري هل يقصدون حدود دولة مالي التي سمحت لنا باجتيازها ؟ أم حدود دولة القاعدة التي يطالبوننا ضمنياً بالاعتراف بها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وربما مستقبلاً بحسن الجوار معها؟

الحرب بالوكالة والتعاون مع الغرب لمحاربة الإرهاب , ألا يعطي ذلك مصداقية للقاعدة ويزيد من شعبيتها؟

هذا الخطاب ينطلق من مسلمة أننا لا نملك المبرر والدافع لمحاربة القاعدة ثم أنه يحول الصراع إلى مجرد فتنة بين طائفتين من المؤمنين حيث تحاول كل طائفة أن تثبت لأنصارها وللآخرين براءتها من الكفار والمشركين وهو خطاب يعلي من شأن القاعدة أيضاً ويُقزم موريتانيا متجاهلاً كونها دولة ذات سيادة تتعامل مع من تشاء وتستعين بمن تشاء وهي غير مضطرة أن تثبت ولائها لأحد ولا براءتها من أحد.

  • رابعاً :

أخيراً أي حوار؟ ومع من نتحاور؟ وهل أثبت الحل الأمني فشله فعلاً؟ لقد حاولنا من خلال هذه السطور البرهنة على نجاعة الحل الأمني مستندين إلى أحداث التاريخ القريب, ونحن نزعم أيضاً أن بعض الدول التي أعلنت الحوار أو المناصحة أو المراجعة إلى غير ذلك من المسميات لم تكن تتحاور مع الإرهابيين وإنما كانت تستغل هذه العناوين لإطلاق حوار بيني مع شعوبها في محاولة لتصحيح أخطاء وسحب ألغام فكرية تم زرعها عبر مناهج تعليمية متخلفة في عقول أجيال متعاقبة؛ أما الحوار الفكري بين الأصوليين والمعتدلين الإسلاميين من جهة وبين الإسلاميين عموماً والعلمانيين والليبراليين من جهة أخرى فهو محتدم ومتواصل منذ سنوات على مواقع الانترنت والفضائيات وعبر صفحات الصحف والمجلات وفي ساحات المساجد والجامعات , ولذلك من الخطأ الاعتقاد أن هؤلاء مجرد جهلة لم تصلهم رسالة الإسلام السمحة بعد, وأننا سنصدمهم بآرائنا المعتدلة .

ثم لنا أن نسأل هل القاعدة جاهزة للحوار؟ وهل يقبل المتشددون الرأي والنصيحة ممن يعتبرونهم كفاراً ومرتدين؟ ولكن هناك الحوار وهناك التفاوض ؛ التفاوض يتطلب وجود طرفين يعرف كل منهما مطالب الآخر ولديه استعداد للتعامل معها و أنا أظن أن سقف مطالب القاعدة مرتفع جداً وأدنى مراتبه أن نعلن توبتنا النصوح وبراءتنا من الديمقراطية الكُفرية ومبايعة أمير القاعدة كخليفة للمسلمين فهل نحن جاهزون لذلك؟

ختاماً يجب أن لا يفهم من هذه السطور أنها دعوة إلى الحرب أو المواجهة أو أن كاتبها يتبنى رأياً اقصائياً أو استئصالياً أو يوافق على كل الإجراءات الحكومية والعمليات الأمنية وإنما هي محاولة لفتح النقاش ودعوة للمراجعة والمحاسبة وإعادة النظر وأقصى غاياتها أن تثير الشك أو تدفع إلى التساؤل حول مدى صحة أفكارٍ كادت أن تصبح من المسلمات , كما أن كاتبها لا يدعي امتلاك الحلول والمعالجات ولا يقلل من خطر الإرهاب وصعوبة مواجهته , بيد أن مواقف اغلب الكتاب والمثقفين وقادة الرأي في بلادنا تدفعنا إلى التساؤل هل يوافق هؤلاء على أهداف القاعدة ويدينون وسائلها؟ أم أنهم يدينون الوسائل والأهداف معاً؟

ويبقى السؤال الأهم هو: كيف يمكننا محاربة الإرهاب إذا كنا لا نؤمن في قرارة أنفسنا أنه شر تجب محاربته ؟

وفي انتظار ردودهم على هذه الأسئلة و التساؤلات فإننا ندعوهم إلى وقف التطبيع مع القاعدة


الشيخ ولد حمادي