الإرهاب والفساد يستغرقان جهد موريتانيا الجديدة

في وقت بدت فيه موريتانيا تحث الخطى لتدارك وقت ثمين استهلك في التجاذب السياسي منذ الإطاحة بالرئيس ولد الشيخ عبد الله في أغسطس 2008 وحتى تولي الرئيس محمد ولد عبد العزيز إثر الانتخابات التي جرت في يوليو-تموز الماضي، جاء حادث اختطاف المواطنين الإسبان العاملين في منظمة إنسانية بمثابة حجر عثرة لن يوقف بالتأكيد مسيرة موريتانيا التي بدأتها نحو التغيير، ولكنه بالمقابل يشوش على الصورة التي بدأت نواكشوط تعمل على نحتها وترويجها كبلد آمن مستقر سياسيا وأمنيا جاذب للسياحة والاستثمار في ظل المصاعب الاقتصادية وندرة الموارد الطبيعية.

ويتجاوز حادث الاختطاف حدود موريتانيا مكتسيا أبعادا إقليمية تتعلق بمنطقة الساحل الغربي للقارة الافريقية ومعه مناطق في الصحراء تحولت في أعين خبراء الأمن الدوليين إلى خاصرة رخوة ومدخلا لأنشطة الارهاب والجريمة المنظمة لا سيما في مجال تهريب المخدرات، الأمر الذي حدا بدول اقليمية كبيرة إلى بذل جهود أمنية مضاعفة لتكذيب تلك الصورة التي يُخشى أن تتحول إلى ذريعة لتدخل قوى عالمية في المنطقة بحجة محاربة الارهاب.

a-8.jpg
التعزيزات الأمنية على الطرق الصحراوية لم تمنع وقوع المحظور

وكان مسلحون يرجح انتماؤهم لما يعرف بـ”تنظيم القاعدة في المغرب الاسلامي” أقدموا الأحد الماضي على خطف ثلاثة رعايا اسبان يعملون في القطاع الانساني بينما كانوا على الطريق بين نواذيبو ونواكشوط في قافلة تقوم بنقل مساعدة انسانية من برشلونة.

ومثل الحادث “شهادة حياة” للتنظيم الذي تقول الجزائر إنها وجهت إليه على مدار الأشهر الماضية ضربات موجعة سواء في صحرائها أو بإسدائها مساعدات لوجسية هامة لسلطات مالي.

وما يزيد حادث خطف الاسبان الثلاثة دلالة أنه جاء بعد ثلاثة ايام من خطف فرنسي في شمال شرق مالي المجاورة، محتجز على ما يبدو في الصحراء لدى مسلحين ينتمون لـ”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي”، حسب ما ذكر مصدر امني مالي.

والمخطوفون الاسبان هم رجلان وامرأة كانوا على متن سيارة طريقهم من نواذيبو الى نواكشوط لقضاء آخر آلية مع “قافلة التضامن” “كارافانا سوليداريا” التي تنقل كل سنة الى غرب افريقيا معدات منظمات كاتالونية غير حكومية تنفذ مشاريع في المغرب وموريتانيا والسنغال وغامبيا وغينيا بيساو..

وكان المخطوفون الثلاثة في السيارة الاخيرة الصغيرة التي كانت تسير في القافلة الكبيرة المؤلفة من نحو عشر شاحنات كبيرة وبضع سيارات.

وقالت مصادر أمنية اسبانية ان مجموعة من الرجال المسلحين اوقفت الرجلين والمرأة واقتادتهم وتركت سيارتهم في مكانها بدون ان يمسوا المعدات والبضائع والاموال التي كانت في السيارة، موضحة أن عملية الخطف وقعت في مكان يبعد 170 كلم عن نواذيبو قرب قرية شلخت لقطوته، وأن الخاطفين اطلقوا النار عدة مرات لوقف السيارة ثم اقلوا العاملين الانسانيين الثلاثة في سيارة بيك آب رباعية الدفع وغادروا الطريق المعبد للفرار في دروب رملية عبر الصحراء.

وفور ذيوع نبإ الحادث تمت تعبئة القوات المسلحة الموريتانية المتمركزة في المنطقة وارسال تعزيزات. وقال مصدر عسكري في نواكشوط ان الجيش الموريتاني “اغلق كل المعابر المعروفة في الصحراء”.

ولم يَخْفَ ما سببه حادث الخطف من حرج للسلطات الموريتانية مدنية وعسكرية خصوصا وأنه جاء مباشرة بعد فترة وجيزة من استكمال الجيش الموريتاني إعادة تنظيم قواعده وتعزيزها في شمال البلاد، لمواجهة التهديد الإرهابي وضمان أمن السياحة وكذلك عمليات التنقيب عن النفط التي تقوم بها المجموعة الفرنسية “توتال”.

ويأتي الحادث مكملا لسلسلة من العمليات التي قام بها فرع “القاعدة في المغرب الاسلامي”، حيث كان اعتقل ثلاثة موريتانيين مسجونين للاشتباه بمشاركتهم في قتل اربعة فرنسيين في علق “250 كلم شرق نواكشوط” في كانون الاول/ديسمبر 2007. وينتظر آخرون في السجن محاكمتهم لاغتيال اميركي في نواكشوط في حزيران/يونيو 2009.

وفي حزيران/يونيو الماضي، اعلن “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي” للمرة الاولى انه قتل سائحا بريطانيا كان محتجزا كرهينة لديه.

ولم يمض حادث خطف الاسبان الثلاثة دون تبعات مباشرة حيث أعلن في نواكشوط الأربعاء الماضي أن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أقال قائد أركان الدرك الوطني الجنرال احمد ولد بكرن وعين مكانه العقيد انجاغاجنك. ويعتبر الدرك الوطني أحد أهم أركان القوات المسلحة الوطنية الموريتانية المختص بالأمن على الطرق الكبيرة وخارج العاصمة نواكشوط.

وسرعان ما جرى الربط من قبل المراقبين بين حادث الخطف وإقالة الجنرال ولد بكرن الذي يعتبر من المقربين للرئيس ولد عبد العزيز.

وتحتاج موريتانيا قليلة الموارد والثروات الطبيعية وعلى رأسها المياه إلى قدر عال من الاستقرار لطمأنة مانحيها وشركائها الأوروبيين والمصدر الأول لسواحها محدودي العدد.

وبعد انتخابات يوليو-تموز الماضي بدا أن نواكشوط مقبلة على مرحلة من التغيير قوامها الاستقرار السياسي والأمني أولا، وكلمة السر فيها مقاومة الفساد.

وترددت هذه العبارة الأخيرة كثيرا في الخطاب السياسي للرئيس ولد عبد العزيز الذي بدا عازما على استئصال الفساد الذي يقول ملاحظون إنها استشرى في تضاعيف الإدارة وأصبح بمثابة عائق لا يقل خطورة عن الارهاب.

وحديثا أصدر النائب العام الموريتاني مذكرة اعتقال بحق ثلاثة من كبار رجال الأعمال وسجنهم عند هيئة شرطة مكافحة الجرائم المالية والاقتصادية بنواكشوط في ملف ملاحقة المحافظ السابق للبنك المركزي الموريتاني سيدي المختار ولد الناجي.

ويتعلق الأمر بكل من محمد ولد انويكظ المدير العام للبنك الوطني لموريتانيا وأحد أغنى أغنياء البلد ومحمد عبد الله ولد عبد الله رئيس مجلس ادارة بنك الوفاء الموريتاني الإسلامي “باميس” وأحد كبار رجال الاعمال في موريتانيا وعبده ولد محم أحد كبار موردي الادوية والتجار في البلاد.

ويتهم الثلاثة بالضلوع في اختفاء مبلغ 24 مليار اوقية ما يناهز 100 مليون دولار تم تحويلها في اطار ما يعرف بـ” التحويلات غير المشروعة” إلى المؤسسات المصرفية المحلية وإلى أفراد تمت خلال الفترة ما بين 2000 و2002 عندما كان سيد المختار ولد الناجي محافظا للبنك المركزي الموريتاني.

وبكل هذا تبدو موريتانيا التي لا تخفى رغبتها في إنجاز تغيير يضعها على سكة الدول الناهضة واقعة في شرنقة مثلث خطير أضلاعه الفقر والفساد والارهاب، ما يرتب على محيطها القريب؛ بلدان المغرب العربي أولا والعالم العربي عموما رفع وتيرة المساعدة لنواكشوط والتنسيق معها لتحقيق استقرارها الذي فيه مصالح حيوية للجميع على رأسها بالتأكيد سد الباب على الارهاب والجريمة المنظمة المنسربين من الساحل الغربي لإفريقيا وعبر بوابة الصحراء.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى