4 فرسان في السباق نحو “القصر الرمادي” الموريتاني

تتميز الانتخابات الرئاسية الموريتانية الخامسة التي ستجري في 6/6/2009 بمقاطعة وجوه مألوفة في السابق الرئاسي الموريتاني، بعد إعلان أحزاب الجبهة المناوئة للانقلاب وزعيم المعارضة أحمد ولد داداه ورجالات أخرى من الوزن الثقيل مقاطعتهم لهذه الانتخابات بحجة أنها انتخابات فصلها العسكر على مقاسه.

وإذا كانت الحلبة الرئاسية هذه المرة قد خلت من وجوه طالما تعودها الموريتانيون في درب السباق إلى القصر الرمادي (القصر الرئاسي الموريتاني)

الذي شكل أبرز عناوين الصراع السياسي في البلاد منذ استقلالها سنة ،1960 إلا أن ذلك لا يلغي “الإثارة الانتخابية” في تجربة ديمقراطية تبقى هي الأكثر إثارة للجدل في العالم العربي وشبه المنطقة. وبعد انتهاء الأجل القانوني للترشح فجر الخميس 23 إبريل/نيسان الجاري، أجاز المجلس الدستوري أربعة مرشحين.

فمن هم رجال السباق الرئاسي هذه المرة؟ وما هو تاريخهم السياسي والنضالي والمهني؟ وما هو وزنهم الانتخابي والاجتماعي وفرص وصولهم إلى الحكم؟ ومن هو الرئيس الموريتاني العاشر الذي سيتوج يوم 6 يونيو/حزيران القادم عبر صناديق الاقتراع.

“الخليج” تقدم قراءة في حياة هؤلاء المرشحين/الرؤساء، وتسلط الضوء على مسيرتهم قبل أن يتلبسوا بحلم الكرسي الهزاز، كرسي الحكم.

نبدأ بالمرشحين حسب ترتيبهم لدى المجلس الدستوري تبعاً لتاريخ ترشحهم.

1- الجنرال محمد ولد عبد العزيز (53 عاما): مرشح مستقل، لعل هذا الجنرال الذي ذاع صيته في السنوات والأشهر الماضية هو الشخصية الأكثر إثارة بين المرشحين.

ف”عزيز”، كما يدعوه الموريتانيون، من مواليد عام ،1956 ينحدر من مدينة “أكجوجت” بولاية “إينشيري” (265 كلم شمال نواكشوط)، وهي أقل ولايات البلاد سكانا وأكثرها رجال أعمال، ينتمي إلى قبيلة “أولاد بسباع” التي ينتسب لها أيضا ابن عمه العقيد أعلي ولد محمد فال، رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الذي أدار الحكم في المرحلة الانتقالية الماضية، وتعتبر هذه القبيلة إحدى أكبر القبائل العربية في البلاد وأقواها شكيمة، وتصنف حاليا على أنها القبيلة الأغنى في موريتانيا ولها امتداد في المغرب والجزائر وبلدان أخرى.

عاش الجنرال في بداية صباه في السنغال، ثم عادت أسرته لموريتانيا، قبل أن يقرر تغيير مسار حياته إلى الأبد، فالتحق بصفوف الجيش عام 1977 ودرس في الأكاديمية العسكرية بمكناس في المغرب وبعد تخرجه وعمله في الجيش إلى بداية التسعينات، سرعان ما أصبح محل الثقة لدى الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع الذي عينه مرافقا عسكريا له بناء على نصيحة من العقيد ولد فال.

ومنذ ذلك التاريخ استطاع ولد عبد العزيز أن يوطد علاقاته بكبار قادة المؤسسة العسكرية وينسج علاقات حميمية مع ضباط مهمين وهي العلاقات التي ستؤتي أكلها فيما بعد، وتمكن في ظرف وجيز من إبعاد العسكريين أقارب ولد الطايع من الأمن الرئاسي، ليعين قائدا لكتيبة “الحرس الرئاسي” المسؤولة عن أمن الرئاسة.

كان معروفا أن ولد عبد العزيز ضابط عروبي، وشجاع، لا يقبل التراجع أبدا إلى الوراء. إلا أن شهرة الرجل انطلقت من تصدي القوات التي يقودها لمحاولة 8 يونيو/حزيران 2003 الانقلابية التي قادها الرائد صالح ولد حننه، فقد قاتل عزيز بجسارة واستماتة بقوات لا تملك غير الرشاشات والأسلحة الخفيفة في مواجهة الدبابات السوفييتية العراقية التي أهداها صدام حسين لولد الطايع، واستطاع ولد عبد العزيز سحب قواته في الوقت المناسب لكن بعد تأمين الرئيس ولد الطايع وأسرته، وتوحيد القوات المسلحة في الداخل ضد الانقلاب.

بعد ثمان وأربعين ساعة على ذلك الانقلاب، كان واضحا أن عزيز بات نجم القوات المسلحة، وليحول كتيبة الحرس الرئاسي إلى جهاز عسكري هو الأقوى في البلاد والأفضل تسليحا وضم قاعدة الدبابات وقوات الصاعقة، وبات فعليا هو قيادة الأركان الفعلية في البلد.

3 انقلابات

ساهم الجنرال في إفشال عدة محاولات انقلابية، لكنه شارك من مواقع مختلفة في جميع الانقلابات العسكرية الناجحة التي شهدتها البلاد.

وقاد بنفسه ثلاثة انقلابات. الانقلاب الأول هو الانقلاب 3 أغسطس/آب 2005 وهو الانقلاب الأكثر شعبية في البلاد حيث أطاح بنظام ولد الطايع الذي جثم على حكم البلاد أكثر من 21 عاما.

ورغم أن عزيز كان المنفذ الفعلي للانقلاب وكان وقتها ممسكا بزمام المؤسسة العسكرية، إلا أنه آثر ابن عمه العقيد ولد فال بالحكم.

الانقلاب الثاني سنة ،2007 ويعرف بين أوساط الخاصة ب”الانقلاب الأبيض”. فعندما بدأ العقيد ولد فال مساعيه لتمديد فترة حكمه، ودعا الموريتانيين للتصويت بالبطاقة البيضاء لإلغاء الانتخابات الرئاسية حتى يتمكن من البقاء في السلطة، اجتمع عزيز بأعضاء المجلس العسكري الذين أعلنوا رفضهم لتلك الخطة وأكدوا ضرورة تسليم السلطة للفائز في انتخابات مارس/آذار 2007.

وأمام الأمر الواقع رضخ ولد فال لقرار عزيز، ومن يومها بدأت العداوة بين أبناء العم.

الانقلاب الثالث هو انقلاب 6 أغسطس/آب ،2008 المثير للجدل والذي بموجبه عزل الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبدالله وتولى رئاسة المجلس الأعلى للدولة ورئاسة الدولة.

“صانع الرؤساء”

ذلك أحد الأسماء التي تطلق على الجنرال عزيز، فقد حمى نظام ولد الطايع لأكثر من عقد من الزمن، وفرض تولي العقيد ولد فال الرئاسة بعد انقلاب 3 أغسطس/آب ،2005 كما كان الداعم الرئيسي لترشح سيدي ولد الشيخ عبدالله ووقف بقوة وراء انتخابه رئيسا للبلاد في 25 مارس/آذار 2007.

وبعد وصول الشيخ عبدالله إلى السلطة، كافأ عزيز بترقيته لرتبة جنرال، وتعيينه قائدا للأركان الخاصة برئيس الجمهورية، وهي الهيئة المستحدثة التي يتبع لها الحرس الرئاسي، غير أنها تمثل صلة الوصل الوحيدة بين الرئيس وباقي مكونات الجيش.

وكان في كل ذلك رجل النظام القوي من موقعه قائدا للحرس الرئاسي، الذي يضم نخبة الجيش الموريتاني.

والذي لا يعرفه إلا القليل من الموريتانيين عن الجنرال أنه مدمن على مشاهدة أفلام الكرتون والدمى.. وكان من السهل عليه معاملة رؤساء البلاد ك”دمى” قبل أن ينتزع منها روح الحياة الرئاسية بحركة بسيطة لا تتطلب منه حتى تطبيق حظر التجول.

يؤكد العارفون بعزيز أنه عسكري معروف بالانضباط، وصريح إلى أقصى حد، ووطني مخلص، ومؤمن كثيرا بالديمقراطية وحرية التعبير، إلا أن خيبة أمله من انتشار الفساد وسيطرة طبقة سياسية واحدة على الحكم، جعلته يكرر “الثورة” على النظام، ويتولى الأمر بنفسه.

وهكذا بعد سنة واحدة من تولي ولد الشيخ عبدالله الحكم، بدأ الجنرال يتذمر من حكم الرئيس المنتخب، فحرك البرلمان الذي ثار بسرعة على ولد الشيخ عبدالله وسعى لإسقاطه بطريقة دستورية، لكن ولد الشيخ عبدالله لم يتحمل ذلك المصير فقرر إقالة الجنرال عزيز وقادة المؤسسة العسكرية فجر السادس من أغسطس/آب الماضي، وبعد ثلاثين دقيقة من ذلك القرار نفذ الجنرال انقلابه وأزاح الرئيس المنتخب وترأس البلاد ثمانية أشهر قبل أن يستقيل في 17 من إبريل/نيسان الجاري ليترشح للرئاسة.

لدى معارضي عزيز سجل طويل من ذمه وقدحه ويصفونه بأنه ليس أكثر من عسكري متعجرف وانقلابي حطم تجربة ديمقراطية نموذجية من أجل مصلحته الشخصية.

وفي أدبيات السجال بين الجنرال ومناوئي الانقلاب الكثير من المضحكات المبكيات.. فالجنرال يرد على مناوئيه بأنهم ليسوا أكثر من عشرة أشخاص يتباكون على منصابهم وأنهم من أفسدوا البلد طيلة خمسين سنة وعاثوا فيه فسادا. وأن الجيش هو الذي جاء بالتجربة الديمقراطية وتدخل لتصحيح مسارها.

لكن صورته عند معارضيه قد لا تؤثر كثيرا في فرصه بالفوز السهل بالرئاسة خاصة بعد مقاطعة كبار الشخصيات المعارضة للانتخابات.

خلال الأشهر الثمانية الماضية تمكن الجنرال من تسيير البلاد دون أي معونة اقتصادية خارجية، ورفع نسبة التوظيف، ودشن سلسلة من المشاريع، وشن حملة هي الأكبر ضد الفساد، وحاول ترسيخ صورته ك “رئيس الفقراء” من خلال سياسات تخفيض الأسعار وإعادة هيكلة الأحياء الشعبية وزياراته لمناطق الفقراء، وقطع العلاقة مع “إسرائيل”، وتسوية ملف الإرث الإنساني المتعلق بقتلى الأقلية الإفريقية.

وفضلا عن هذه الصورة، فإن الجنرال يتمتع بدعم أغلبية النواب في غرفتي مجلس الشيوخ وأكثر من ثلاثين حزبا سياسيا، هذا فضلا عن المؤسسة العسكرية والأمنية وحكومة تسيير الأعمال.

أما عن احتمالات الفوز، فإن البعض يتندر بأن الجنرال سيفوز بنسبة 200% لكن الراجح، وفق توقعات مهتمين بالشأن الانتخابي، أن يفوز بنسبة تتراوح بين 60 و80%. معارض دائم

2- كان حامدو بابا: خريج السوربون.. و”العارض” القديم والمثقف الكبير كان حامدو بابا (55 عاما)، مرشح مستقل، ينحدر من قبيلة “الفلان” التي تشكل أغلبية الأقلية الإفريقية الموريتانية، وهو ابن أسرة نبيلة.

ولد سنة 1954 بقرية “انتيكان” قرب “روصو” عاصمة ولاية (الترارزة) جنوب نواكشوط.

وتميزت مسيرته العلمية بالثراء، حيث حصل على شهادة في الصحافة من معهد الدراسات السياسية في بوردو(فرنسا)، وشهادة دراسات عليا في العلوم السياسية من جامعة السوربون (باريس)، وشهادة دراسات معمقة في العلوم الاجتماعية من جامعة باريس، كما حصل على دكتوراه في المواصلات من جامعة باريس 2.

أما تجربته المهنية فهي أيضا غنية، فقد عمل خبيرا دوليا لفترة تقدر ب 18 سنة، وقدم دراسات لمؤسسات دولية مثل البنك الدولي، كما عمل موظفا ساميا سابقا برئاسة الجمهورية، وموظفا بالبنك الإفريقي للتنمية.

واشتغل أيضا بالتدريس، فعمل أستاذا في الجامعة والمدرسة العليا للتعليم والمدرسة الوطنية للصحة العمومية بنواكشوط. وقد انتخب كان حامدو عن المعارضة نائبا في “الجمعية الوطنية” (البرلمان) في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2001 وأعيد انتخابه نائبا مرة أخرى في الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في 19 نوفمبر/تشرين الثاني ،2006 وفي يوليو/تموز 2008 تم انتخابه نائبا ثالثا لرئيس البرلمان.

عرف كان حامدو بأنه أحد كوادر ومثقفي المعارضة الموريتانية طوال الخمس عشرة سنة الماضية.

وتقلد مناصب سامية في حزب المعارضة الرئيسي الذي يقوده أحمد ولد داداه، وظل موضع ثقة وتقدير خاصة أنه استقال من منصب سام بالرئاسة ليؤيد ترشح ولد داداه سنة ،1992 كما صمد أمام العديد من إغراءات السلطة، واحترف النضال مستخدما أسلحة الثقافة والعمل السياسي على المستوى الوطني، والمكانة الاجتماعية في ولايات الضفة بالخصوص.

وقد سطع نجم “حامدو” بعد إقدام ولد الطايع يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول سنة 2000 على حظر حزب “اتحاد القوى الديمقراطية”، فتم اللجوء إلى تشكيل الحزب من جديد تحت مسمى “تكتل القوى الديمقراطية”.

وكان “حامدو” من بين القيادات التي شكلت الحزب وقادته لدخول البرلمان والبلديات لأول مرة في 2001. ومن مقعده في البرلمان، صدح كان حامدو كثيرا إلى جانب 11 نائبا معارضا فقط، ضد نظام ولد الطايع وسياساته.

كما برز كان حامدو مع بداية الأزمة السياسية في عهد ولد الشيخ عبدالله، حيث تصدر الردود على مؤيدي ولد الشيخ عبدالله، وكتب عريضة قانونية وسياسية مشهورة يرد فيها على السلطات وقتها في ما يتعلق بالدورة البرلمانية الطارئة التي رفضتها الحكومة. وعزز مكانته بانتخابه نائبا لرئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية الذي يتولى زعامة المعارضة.

ومنذ انقلاب السادس من أغسطس/آب الماضي، تصدر حامدو قائمة الداعمين للمجلس الأعلى للدولة، وكان دوره بارزا في مشاركة حزب التكتل في الأيام التشاورية. ولم يكن مفاجئا أن يقود كان حامدو “ثورة” حزبية ضد رئيس الحزب، فترأس الجناح الذي يؤيد العسكر والرافض لقرار الحزب مقاطعة الانتخابات الرئاسية.

وهكذا أخذت “ثورة” كان حامدو بابا ورفاقه الأكثر من مائة عضو في المكتب التنفيذي وعمدة ونائب، أخذت وقعا كبيرا مع إعلان الحزب عن إحباط مؤامرة لتركيعه والخروج على خطه السياسي. الأمر الذي دعا قيادة الحزب لعزل كان حامدو واتهامه بالقيام بحملة داخل الحزب “بغرض تعطيل قراراته وشق صفوفه بالتواطؤ مع السلطة العسكرية، وعمله على استمرار نظام غير شرعي وغير دستوري في البلاد”. ودفع ذلك بالرجل أكثر لتسيير حملة إعلامية ضد رئيس الحزب وخطه السياسي.

وفي يوم الاثنين الماضي قدم ملف ترشحه للمجلس الدستوري ليحصل على الايصال رقم 2 كمرشح مستقل.

يحسب حامدو على التيار المعتدل ضمن القوميين الأفارقة، وهو ليبرالي، ويعرف عنه خبرته بالخريطة السياسية الموريتانية، وقدراته الخطابية وتعمقه في اللغة الفرنسية.

يعول حامدو في الانتخابات الرئاسية القادمة على حلفائه المنشقين معه من حزب التكتل وعلى أوساط الناخبين الأفارقة الذين يشكلون نسبة ما بين 10 إلى 15% من الناخبين في البلاد، ويمثل ترشحه ضربة قوية للمرشح الآخر من أصل إفريقي صار مختار، فالمراقبون يرون أن المرشحين يعولان على نفس شريحة الناخبين.

كما يرى الكثيرون أن أفضل نتائج قد يحققها المرشح حامدو هي حصوله على نسبة تخوله مستقبلا فرض شروط سياسية على فصائل الساحة السياسية.

ويتوقع البعض حصوله على نسبة ما بين 2 إلى 8% من أصوات الناخبين وذلك يعتمد على حجم التمويل الذي يمكن أن يتوفر له وعلى قدرته على تحقيق اختراق في صفوف الناخبين من الشريحة العربية.

شاعر وفيلسوف

3- صار إبراهميا مختار (60 عاما)، مرشح حزبي، وينتمي لقبيلة “الفلان” العريقة.

تصدر العناوين في موريتانيا إثر ترشحه مستقلا في رئاسيات 2007 وحصوله على نسبة 7% من أصوات الناخبين، وهي أعلى نسبة يحصل عليها مرشح من أصل إفريقي في تاريخ الانتخابات الرئاسية الموريتانية.

وقد تبين أن صار مختار حظي بدعم حركة تحرير الأفارقة الموريتانيين “أفلام” التي مولت حملته ودعمته بقوة للحصول على نسبة في الانتخابات تجعل الصوت الإفريقي في موريتانيا مسموعا.

وفي الشوط الثاني من الرئاسيات الماضية، ورغم الضغوط الكبيرة التي مورست عليه، اختار صار مختار الوفاء لخط المعارضة التقليدية، وأعلن مساندته للمرشح أحمد ولد داداه.

وفي سنة ،2007 ترأس حزب حركة التجديد، الذي أصبح أهم أحزاب الأقلية الإفريقية، وبعيد تنصيب مؤسسة زعيم المعارضة ،2007 حرص ولد داداه على تولي صار مختار منصبا مهما في المؤسسة، الأمر الذي رفضه حزبان في المعارضة تصدرهما اليسار الموريتاني الذي كان واضحا أنه يخوض تصفية حسابات مع صار مختار إثر ضرب قواعده الانتخابية التقليدية.

وكان ذلك عنواناً لمعركة سياسية بين أحزاب المعارضة، انتهت بها إلى الانقسام من جديد والتحق حزبا اليسار والإسلاميين بالأغلبية والحكومة وقتها.

وصار مختار ولد سنة 1949 في مدينة “بوكي” (450 كلم جنوب شرق نواكشوط)، ودرس الثانوية في “روصو” ،1965 قبل أن يلتحق بالوظيفة العمومية كمعلم لمدة خمس سنوات، بعدها انتقل للعمل بالإذاعة الموريتانية ليتابع تكوينه في هذا المجال من خلال دورات بفرنسا والولايات المتحدة.

وكان ممن أشرفوا على انطلاقة التلفزة الموريتانية سنتي 82-،1983 وخلال هذه الفترة عرف صحافياً فقط من طرف شريحة من الجمهور.

لكن “صار”.. صار شيئا آخر ولم يعد راضيا ب”السلطة الرابعة”.. فقد بدأ التحول الكبير في مساره المهني وحياته مع منتصف الثمانينات وإبان المد القومي الجارف في الأقلية الإفريقية الموريتانية.

وقد انخرط في العمل السياسي كعضو في حركة “أفلام” العنصرية المحظورة، جناح الداخل، ما أدى به إلى السجن حيث حكم عليه بالسجن خمس سنوات على خلفية توزيع المنشور المشهور ب”بيان الإفريقي المضطهد”.

وأمضى صار جزءاً من محكوميته في معتقل “ولاتة”، أقصى شرق البلاد، ثم أفرج عنه سنة ،1990 وبرئ من التهمة سنة 1991.

وعاد ليواصل نضاله في أكثر الأحزاب السياسية راديكالية ومعارضة، فالتحق أولا بحزب “اتحاد القوى الديمقراطية”، ثم انشق عنه وأسس مع مسعود ولد بلخير “حزب العمل من أجل التغيير” الذي تم حظره، ثم انتقل إلى حزب “التحالف الشعبي التقدمي” ليصبح نائب رئيسه ولينتخب نائبا برلمانيا عن الحزب في الفترة ما بين2001 – 2005 .

وبعد انقلاب 3 أغسطس/آب ،2005 وبشكل مفاجئ انسحب صار مختار من حزب التحالف الشعبي التقدمي، وقيل وقتها إنه انسحب بسبب سيطرة القوميين العرب (الناصريون) على الحزب.

وبينما بدا صار مختار تائها، وأعلن مقاطعته للاستفتاء على دستور يونيو/حزيران ،2006 كان القدر يهيىء له طريقا آخر، فبعد الوفاة المفاجئة للقيادي صيدو كان، قررت “أفلام” ترشيح صار مختار للرئاسة لترفع اسهمه السياسية بعدها ويصبح وجها لا مناص من التعامل معه.

وقد حمل صار مختار هموم القوميين من الأقلية الافريقية، وذهب في أطروحته لحد المطالبة بتقاسم السلطة والثروة وإعادة صياغة الدستور لهذا الغرض.

معروف عن صار مختار أدبه الجم وتواضعه وثقافته العالية، كما أنه شاعر كبير لا يشق له غبار ومفكر وفيلسوف، إلا أن هذا الجانب لا يعرفه عنه إلا الخاصة.

بعد انقلاب 3 أغسطس/آب ،2005 بدأ صار مختار الاقتراب من النظام مرغما بسبب الضغط الكبير لأغلبية قيادات حزبه التي اخترقها العسكر بسرعة وفرضت عدم مقاطعة الحزب للأجندة الانتخابية، وهكذا قرر الحزب ترشيح صار مختار للرئاسة القادمة.

يعول صار مختار في الانتخابات القادمة على أصوات الأقلية الإفريقية وعلى الدعم المالي والداخلي لتمويل حملته خصوصا من الجاليات الإفريقية في الخارج.

ورغم أنه مرشح مفاجآت، إلا أن أغلب التكهنات لا تعطيه نسبة أعلى من النسبة التي حصل عليها في الانتخابات الماضية وهي 7%، لكن أنصاره يؤكدون أنه قادر على تحقيق اختراقات في جيوب كثيرة من الناخبين. محام ومثقف

4- أسغير ولد مبارك (55 عاما)، مرشح مستقل، ظل لخمسة عشر عاما تحت عباءة الحزب الجمهوري الحاكم سابقا،

يحمل ملف الترشح رقم ،4 وكان ترشحه مفاجأة للساحة خاصة بعد ابتعاده النسبي عن الواجهة السياسية خلال الفترة الأخيرة وتوليه منصب وسيط الجمهورية (ديوان المظالم)، وهو المنصب الذي تولاه في عهد الرئيس الأسبق سيدي ولد الشيخ عبدالله.

ولد أسغير ولد مبارك سنة 1954 بمدينة “النعمة” (1200 كلم شرق العاصمة نواكشوط) وهي عاصمة الحوض الشرقي، ذات الثقل الانتخابي الكبير.

عرف بأنه أحد القيادات التاريخية ل “حركة الحر”، حركة تحرير الأرقاء السابقين، وقد انتسب للحركة القومية مبكراً وكان عضوا في حزب البعث العربي الاشتراكي بموريتانيا. إلا أنه مع مسيرته المهنية والسياسية بدأ الابتعاد عن الأيدولوجيا وإن ظل محتفظا بميوله القومية.

وقد سجن على خلفية انتمائه لحركة الحر سنة 1980 وهو آنذاك، كاتب ضبط أول بالمحكمة قبل أن يلتحق بجامعة نواكشوط التي حصل منها على إجازة في القانون لينخرط في سلك المحاماة.

لكنه لم يفارق العمل السياسي، ففي أول انتخابات بلدية بموريتانيا ترشح عن دائرة العاصمة نواكشوط سنة ،1986 وانتخب نائبا لعمدة نواكشوط المركزي، كما انتخب نائبا برلمانيا عن دائرة نواكشوط في أول انتخابات برلمانية سنة 1992 وهي نفس الدائرة التي انتخب منها في آخر انتخابات برلمانية 2007 مرشحا عن الحزب الجمهوري الحاكم سابقا.

وقد تقلد ولد مبارك عدة حقائب وزارية منها حقيبة التعليم والتنمية الريفية والعدل قبل ان يعين رئيسا للوزراء سنة 2003 إثر محاولة 8 يونيو/حزيران الانقلابية، وأصبح بذلك أول رئيس وزراء للبلاد من شريحة العرب السمر، وقد ظل على رأس الحكومة إلى حين الإطاحة بنظام ولد الطايع في انقلاب 3 أغسطس/آب 2005 حيث أقيل من منصبه.

كما شغل عدة وظائف أخرى مهمة من بينها الأمين العام للحزب الجمهوري الحاكم سابقا، والمدير العام للشركة الوطنية لتسويق منتجات السمك.

وقد ساند بقوة ترشح سيدي ولد الشيخ عبدالله، ونشط بشكل كبير في حملته الانتخابية، ما جعل ولد الشيخ عبدالله يكافئه بتعيينه وسيطا للجمهورية. ي تميز ولد مبارك بكونه رجلاً مهذباً ومثقفاً ولبق الحديث، وإذا كان ترشحه قد جاء بشكل مفاجئ وفسر بأنه بإيعاز من السلطة لإضفاء جو من التعددية والتنافسية على الانتخابات، إلا أن ولد مبارك قد يكون أراد استغلال غياب مسعود ولد بلخير زعيم العرب السمر عن الانتخابات وسعى من وراء ذلك إلى الترشح وحصد نسبة أصوات تخوله مستقبلا زعامة العرب السمر.

ولد مبارك، الذي ترشح مستقلا، واختار اللون البرتقالي وشعار “صقر” لا يستبعد البعض أن يحقق مفاجأة انتخابية ويحصد نسبة أصوات تؤهله لتأكيد مكانته كزعيم تاريخي في “حركة الحر”، خاصة أنه ثاني شخصية من هذه الشريحة تترشح لمنصب الرئاسة، ما يوجه ضربة قوية لأجنحة الحركة المعارضة ويعيد من جديد معادلاتها السياسية.

ومن شبه المؤكد أن ولد مبارك يعول على خبرته الطويلة بملف الانتخابات ومعرفته بمراكز قوة الناخبين فضلا عن انحداره من قبيلة كبيرة (قبيلة الأغلال) وولاية تعتبر ثالث أكبر خزان انتخابي في البلاد.

ويرى المراقبون أن قدرته على تحقيق إنجاز انتخابي مهم تبقى محصورة بقدرته على اختراق القواعد الشعبية لحركة الحر عبر خطاب جديد يلامس الأوتار الحساسة للشرائح المسحوقة.

ويقول مراقبون إن ولد مبارك يكفيه طموحا إذا تمكن من تحقيق نسبة أعلى من 10% من اصوات الناخبين وهي النسبة التي حصل عليها مسعود ولد بلخير في الانتخابات الماضية.

غير أن المخاوف تبقى قائمة بألا يحسن ولد مبارك استغلال هذه الفرصة لأن ذلك سيكون بالنسبة له انتحارا سياسيا، وهو الرجل الذي دأب على التألق والعيش في قمم المناصب السامية في الدولة بسبب خبرته الكبيرة في ربط علاقات مع الأنظمة المختلفة وبسبب مرونته السياسية الكبيرة.

نقلا عن الخليج الإماراتية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى