الأم والزوجة .. قصة الشيطان والحمام

عادة ما تبدأ ليلة الزواج في موريتانيا بتخطي الحدود، والفوضى في الفرح، ونسيان الواجب الديني، حيث تقل الطلبات الموجهة إلى أعلى عليين، ويهوى المدعوون إلى أسفل سافلين، وقبل الدخلة لا يركع أي من الزوجين ركعتين، ولا يقول الزوج: ” اللهم إني أسألك خيرها ،وخير ما جبلتها عليه”، وحين يهنئه أصدقاءه لا يسمع:” بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير”…

إنه يغلق عليه وزوجه الباب، ويبقى الجميع يترقب، تماما كما تترقب نتائج الانتخابات، وحين يسمع الجمع الغفير الصوت، والتأوهات، ثمة تتعالى الأصوات نجح… هو رجل… فعلها…، وهلم جرا…، وما أبعد الرجولة من الحيوانية، والهمجية السلوكية، والبدائية المفرطة في المغالاة في الخرافة، والجهل…

تبدأ العلاقة إذا على قطرات الدم المسفوح، متجاهلة الصلاة، والاستخارة والدعاء، وكما هو معلوم في عالم الجريمة، المسكون بالدم، فالدم يطلب الدم، يطلب الثأر، وينادي على قاتله، والدم المراق دون أن يذكر اسم الله عليه، يقطع الأوصال، ويفتح أبواب الشر…، ولا يعلم كثير من الناس أنالدم مسكون بثورة مؤجلة، قد تدفع الإنسان إلى الاختناق في أي لحظة، وبذكر الله وحده يتجنب البشر لعنة الدم…

لن تكون تلك المرأة مباركة، وبالتالي ستبدأ بوضع ستار حديدي بين الزوج والجنة، ولأن أم الزوج جنته فستجعل حتى صلاواتها هفوات ضخمة، وأسباب فواتها في علاقتها بابنها، لن تصبر، ولن تسامح إذا كان هناك خطأ من الحماة، وستنهي عقودا من الحب، والحنان، والتضحية، بحجج واهية، وسيسدد الابن فاتورة نسيانه لربه ليلة الدخلة، وتخطي الحدود….

بعد اليوم لن تنطبق عليه”وصاحبهما في الدنيا معروفا”، لأن زوجته لا تريد، سيسمع لزوجته، ويلبي طلباتها، ويسعى لمرضاتها، ويهمل أمه ، لا يسأل عنها، ولا يكلمها، سيصدق عليها الزوجة، وأبناءها، ومحيطها، وسيساعده على عقوقه ضعف الأم والأب غالبا، وسقوطهما في براثن الشيخوخة بينما هو فتوة الحي، وقوة الإرادة…

وكلما حاولت الأم أن تذكره بنفسها، أو أن تسابق الريح لرأيته ستتهمها الزوجة بالغيرة، وعدم الرضا، والفضول الزائد، وبما أن الزوجة ماكرة، ومتمكنة، والزوج بلا شخصية، فستجعل قلبه يتحجر كلما رأى أمه، ويكون شاعرا رومانسيا حساسا كلما بدت زوجته، التي هي أعلام مكة وميقاتها عنده…، واستطيع كرجل الجزم مطمئنا أن الرجل الفحل لا يقبل أن تهان أمه، وإنما الأشباه تكاثروا…

وبما أن الزوج-الابن نفعي وسافل، فسيناقش الموضوع بحكمة تنتصر فيها اللذة الحاضرة، وتقصى فيها الجنة، سيقول: أمي حملتني وهنا على وهن، وربتني جنينا، ورضيعا، وشابا، ولكن زوجتي هي الفراش، فلعنة الله على من يساوي ما لم يساويه الله…

وإني أعتقد أن نقاش موضوع كهذا بات مؤكدا في وطني، حيث نقدم للنار المشتعلة الزيت، ونهدي الجروح ملحا، وما دعاني لنقاشه إلا الواقع، حيث تشتهر موريتانيا في نظري بالبرور نصيا، والعقوق واقعيا، فلا تسأل في حي عن فقرائه الأشد فقرا، إلا اقتنعت بدناءة وزرائه ومدرائه، فتجد الصفيح أعشاشا لآبائهم، والقصور وسطا عاديا لزوجاتهم، وأبنائهم…

إنه ما يندى له الجبين، ويجعلان البؤساء يحمدون الله كثيرا على البطالة، والفقر، الذين منعاهم من الزواج، وقد جاء في محكم التنزيل:” إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا”، فكم غني لا طائل من وراء غنائه، ولا فائدة له، يشقى فيه، يبيع دنياه، وماء وجهه، ويشتري سفر زوجته إلى أوروبا، تتعلم المشي بالحذاء ذا الكعب العالي على أرصفة الطرقات، وأمه وأهله في مزبلة، يالرجولته الزائفة، وفحولته المزعومة…

لسنا بصحة جيدة، وقد قال عمر ابن الخطاب:”رحم الله امرؤ أهدى إلي عيوبي”، فتقبل مروري الكريم يا مجتمع الأمراض، والأوبئة، وانهيار القيم…

ويسرني أن أهدي إلى كل زوجة حرمت زوجها من جنته، وأمه، وساعدته على احتقارها ازدرائي لجمالها الأدخن، وأبشرها بأنه كما “تدين تدان”، وزواج ابنها على الأبوابـ والآخرة هي التي تدق الأبواب، وبغتة يترجل الظالمون، كما يترجل الحكام والرؤساء قبل المصالحة الوطنية الكاملة…،إنها ستكون في صف الحموات، وتصبح الكنّة هي المذنبة، وهي حمامة السلام الوديعة في نظر نفسها، بينما هي تسدد الفاتورة، والدنيا فواتير، وودائع، ولا بد يوما أن تسدد الفواتير، ولابد يوما أن ترد الودائع…

ولا أشك شخصيا في أن مجتمع البيظان يتوجه في طريق الخطأ في هذه النقطة أكثر من الزنوج، لأن مجتمع البيظان ورد المادية من أوسع أبوابها، وقد يحضض أفراده على أنه بصحة جيدة، بينما هو ينهار، ونأمل أن لا يكون ذلك على طريقة بومبي الرومانية، وهيركولنيوم الإيطالية، اللتين أختفيتا بثورة بركان أحس بالظلم، وجاءته الأوامر العليا، فأنهى الأزمة الأخلاقية )القوادة، والعبودية( بإبادة جماعية، ولا يخاف عقباها…

وإذا كان الغربيون يقولون في أعقاب كل جريمة “فتش عن المرأة”، فعلى الزوجة أن لا تكون تلك المرأة، ولا أعتقد أنه من الحكمة البالغة توجيه نفس الدعوة للأم، لأنها لا شيء غالبا عند ابنها في المجتمعات المريضة، ولكن من الحكمة غير البالغة أن نطلب منها هي الأخرى أن لا تكون تلك المرأة…

وأتذكر أن زوجات أغنياء في المجتمع الحساني، يتفاخرن بالكرم، ويرمين الأموال جزافا في الحفلات، ويبررن شناعتهن بضرورة الحفاظ على السمعة، فيما تذهب الأمهات يخبطن خبط عشواء، يعاركن الزمن من أجل قوت الحمام، والإبن راض، مستكين، وأعتقد جازما أن الله الذي لا يرضى لعباده الكفر، لا يقبل منهم مثل تلك التصرفات المشار إليها، المشينة…

وعلى الزوجة الوعي بأن الزواج ليس نوم العريان، إنها مسؤولية كبرى، بين جيلين، وكما تكرم أبناءها، عليها إكرام آباء زوجها، الذين محوا عنوستها بإنجابهم للأرعن زوجها، الذي لابد أن تذكرهم هي به، وإلا نسيهم، واستكان لغرفة النوم…

تبخل هي على أمه بساعة منه، ولا تحافظ غالبا على سمعته كما يجب، فمثلا إذا كانت أمه غاية في الاحتفاء بالضيوف، فإن زوجته ستقلب المعادلة، وتضرب بعادات المجتمع، وسخائه الجدار، وفي هذا الإطار تجد غنيا حين كان في حضن أمه كان سخيا، ويؤم بيته الكل، وحين تزوج بدأت الزوجة في تضييق الخناق عليه، وقد لا تطهي في القصر على طوله غير نصف كيل من اللحم له هو، وتعلم ضيوفه وأبناءها التسول، ويحمد البعض لها ذلك التصرف الذي يحفظ مال الزوج، ولكن في النهاية تفاجأ متتبعي الواقع بأنها وزوجها فقيرين ماديا، ومعنويا، وهو أشد أنواع الفقر، حيث لا فلس ولا حسنة، ولا سمعة، ولا علاقات طيبة….

وبما أن الجنة تحت أقدام الأمهات فأجد من واجب الكل الاعتبار من مثل العلاقات الزوجية الركيكة، التي تبعد عن الأم، والأهل، والأصدقاء، والسمعة الطيبة، فحتى اللذة أول من يلعنها من للتو جرب الجماع، أو أكل الخبزة، أو مضغ العلكة…

وإذا كان للإنسان أن يحكم عقله، والأولى به أن يرضخ للدين عفويا، فلن يجد صعوبة في أن يكون قريبا من أمه، التي تضحي من أجله، وقد حكي أن أحد الغربيين وعى على أم فقيرة بعين واحدة، فاحتقرها، وحين كان يدرس قررت زيارته في المدرسة، التي تدفع أقساط دراسته بها، من عملها خادمة لخدم في أحياء الصفيح في مدينة تورينتو، فما كان منه إلا أن هجرها، هرب منها وحين تخرج هاجر إلى نيويورك، وعاد متزوجا فزارته، فلامها، وأنبها، واستهجن قدومها، وضحكت زوجته، وأبناؤه، وهو يطردها، ولما ماتت وعلم زار حيها بدعوة من جارة قديمة، أودعتها وصيتها له، التي ذكرت فيها حبها العميق له، وتفكيرها الدائم به، وختمتها بقصة عينها الواحدة، التي جعلته يعلم لأول مرة أنه تعرض لحادث، وهو صغير، فقد فيه عينه، فتبرعت هي-أمه له بعينها، وفي المقابل كافأها يوما بأن قال لها يوم زارته في المدرسة:”لا تجعليني أضحوكة بين رفاقي”، وتأثر بكلام صديق له وصفها بأنها من ذوات العين الواحدة كالديناصورات، أعاذنا الله…

وإذا كانت الزوجة تغار من الأم، وتحتقرها، وتقف حدا منيعا بينها وبين ابنها، تفضل تبديد أمواله على أن يرزقها منها، وكلما رأته ذاهبا إلى أمه، سارعت إلى تعكير مزاجه، وطوقته بالمشاكل، لكي لا يتبسم لأمه، فعليها أن لا تنسى أن الأم ليست في مهب الريح، فالذي حمى حقوقها، وحض عليها ليس الغرب منتهي الصلاحية، إنه رب العالمين، وعلى من لا يريد حقوق الأم أن ينتحر، وينضم إلى الحرب على الإسلام، الذي جعل صحبة الأم من الحرمات، التي لا يجوز المساس بها، فعن أبى هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحبتي ؟ قال: ” أمك،” قال: ثم من ؟ قال: ” ثم أمك ” ، قال: ثم من ؟ قال: ” ثم أمك ” ، قال: ثم من ؟ قال: ” ثم أبوك”…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى