كواليس المفاوضات السرية بين موريتانيا والبوليساريو (2)

09-172.jpgلقد كانت أهداف جبهة البوليساريو من الاتفاقية واضحة كما حددها البشير مصطفى السيد : “هدف عسكري استراتيجي : تحويل جهد الحرب نحو هدف واحد هو المغرب، هدف سياسي دبلوماسي : يزيد من رصيد جبهة البوليساريو والحكومة الصحراوية بانتصار جديد على الساحة السياسية والدبلوماسية، هدف حقوقي قانوني في اعتراف بحق الشعب الصحراوي في السيادة على أرضه”. أما حكام نواكشوط فكانوا يكتفون بالحديث عن أن “وجود موريتانيا كدولة حرة ومستقلة، يبقى مهددا إذا لم تخرج من تلك الحرب المرفوضة شعبيا”، كما ورد في تصريح للمقدم أحمدو ولد عبد الله، قائد أركان الجيش الوطني يوم 8 أغسطس 1979.

فمالذي حدث حينها؟ الملفت للانتباه أنه لا أحد من بين المسؤولين المباشرين عن توقيع الاتفاقية مستعد للدفاع عنها، وكل ما هنالك هو تدافع في المسؤوليات نجمت عنه حالة من الغموض لا تسمح بالتعرف على المسؤول الفعلي عن توقيع الاتفاقية.

بالنسبة للعقيد أحمد سالم ولد سيدي –الذي وقع الاتفاقية باسم موريتانيا- فإن دوره لم يكن أكثر من “منفذ للأوامر”، حيث يقول في مقابلة له مع صحيفة “جون آفريك” (العدد 1016 بتاريخ 25 يونيو 1980) : “بعض الموريتانيين قالوا هذا استسلام، أنا أقول لقد كنت عسكريا وطبقت التعليمات”. ثم يضيف حول ملابسات الاتفاقية :

“لقد أقمت من قبل مرتين في الجزائر، يوم 30 يونيو ثم يوم 17 يوليو (1979) للتباحث، ليس مع البوليساريو وإنما مع الحكومة الجزائرية. كان من يحاورونني هم العقيد قصدي مصباح؛ أحمد طالب الإبراهيمي، الوزير المستشار بالرئاسة، ومحمد الصادق بن يحيى وزير الشؤون الخارجية. كان هدفنا إعادة البوليساريو، التي زادت أطماعها ، إلى رشدها.

غير أن الجزائريين، رغم ما أبدوه من مودة تامة، كانوا كثيري المطالب : لم يكونوا يرضون بأقل من قلب التحالفات رأسا على عقب، الاعتراف بالجمهورية الصحراوية قبل القمة السادسة عشرة لمنظمة الوحدة الإفريقية بمنروفيا (يوليو 1979)، التنديد باتفاقيات مدريد الموقعة بتاريخ 14 نوفمبر 1974. إذن لم يحدث تفاهم مع الجزائريين.

فور عودتي إلى نواكشوط، أبلغت الوزير الأول خونا ولد هيداله، الذي كان ذاهبا إلى منروفيا (17 ـ 20 يوليو) بفشل المفاوضات. ولدى عودته، قدم للجنة العسكرية للخلاص الوطني إطارا لاتفاقية مع البوليساريو، فاوض بشأنها في العاصمة الليبيرية مع الجزائر والجبهة.

تم اختياري من جديد للذهاب إلى الجزائر من أجل إضفاء صيغة نهائية على تلك الاتفاقية. كنت مرفوقا بالمقدم أحمدو ولد عبد الله، قائد الأركان،ولم يكن لدي أدنى هامش للمناورة؛ حتى أنني لم أكن مخولا لأن أطلب من البوليساريو الإفراج عن معتقلينا لديها والذين كانوا بالمئات”.

بالنسبة للرئيس السابق ولد هيدالة فإن الأمر يتعلق بخيانة البوليساريو وخصوصا وزير خارجيتها البشير مصطفى السيد للتفاهمات التي حصلت معهم في منروفيا. وفي مذكراته يشرح الرئيس هيداله موقفه أكثر : في منروفيا “قدمت لهم مقترحين : إما أن نعيد الجزء الذي لدينا للأمم المتحدة تقرر فيه ما شاءت.. وإما أن نستدعي الأمم المتحدة لتجري استفتاء لتقرير مصير في الجزء الواقع تحت سيطرتنا. وقد قبل بشير هذا بل قبلوه جميعا”.

“وبعد عودتي إلى نواكشوط .. أرسلنا النائب الثاني لرئيس اللجنة العسكرية المقدم أحمد سالم ولد سيدي وقائد الأركان الوطنية المقدم أحمدو ولد عبد الله إلى الجزائر للتفاوض مع البوليساريو وفوضتهما قبول أي من المقترحين كما أوصيتهما بالتكتم على مهمتهما لأن فرنسا إن علمت بما يريدان فستسعى لعرقلته.. واستمرت مفاوضتهم ثمانية أيام وفي الأخير وقعوا اتفاقية الجزائر المشهورة التي تنص في بند سري على تسليم الصحراء للبوليساريو بعد 9 أشهر من تاريخ توقيعها”.

“فلما عاد إلى مفاوضانا بالاتفاق الجديد الذي لم يكن لي به أي علم ولم أفوضهما القبول به، وجدت أننا صرنا أمام مشكلة حقيقية ودخلنا في ورطة كبرى”.

أين تكمن الحقيقة إذا؟ وما معنى أن يكون المقدم أحمد سالم ولد سيدي “مامورا” في وقت يكون فيه الرئيس ولد هيدالة متفاجئا بمضمون الاتفاقية؟ وهل يعني ذلك أن جهات أخرى دبرت الاتفاقية بليل ومررتها على العسكريين حتى من دون أن يستوعبوا أبعادها الفعلية؟ أم أن الحكام العسكريين كانوا مرعوبين من الحرب لدرجة أنهم كانوا جاهزين للتوقيع بتلك الطريقة؟

من أقلام حرة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى