سفارة الأرز في إفريقيا الغربية (11) / محمدٌ ولد إشدو

09-233.jpgبكائية في تأبين فارسي المهجر سعيد فخري وأحمد مخدر

الفصل الثالث: من شاهد على القهر إلى شاهد على النصر!

سعيكما مشكور و ذنبكما مغفور!

… ثم انتقل ذ. أحمد مخدر إلى جوار ربه، والتحق بصديقه ورفيق دربه الرئيس المدير العام سعيد فخري، ففتح رزؤهما “حقائب الأحزان” و”لوعة الغياب” ولكنه فتح أيضا بالتوازي كنوزا من الذكريات الجميلة العطرة، والبذل والتضحية في سبيل تحرر وعزة الأوطان ومجد الأمة، فاستوجبا هذا التأبين الخاص المستحق!

فلتهنآ أيها الراحلان العظيمان بنجاح سفارتكما، سفارة الأرز في إفريقيا الغربية؛ فقد كنتما وسلفكما من الرعيل الأول (بيضون ومقلِّد) نعم الخلف لذلك السلف الغابر من تجار ومهاجري ورحالة العرب والمسلمين الذي أسس حضارات ودولا، وترك بصماته المشرقة الوضاءة في آسيا وإفريقيا وأمريكا وأوروبا؛ فسعيكما مشكور وذنبكما مغفور بإذن الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا!

فعندما التقى الشيخ المختار ولد حامدٌ بالمغتربَيْنِ الشاميينِ في مدينة كولخ بالسنغال لم يكن لموريتانيا ذكر بعدُ، وما كان العرب يعرفون عنها شيئا على الإطلاق، إلا النزر القليل الذي عرفه بعضهم عن الشناقطة وعن شنقيط! وما كان ذلك التاجر البدوي العالم ابن المحظرة الموريتانية الغراء يعرف – بدوره- يومئذ كبير شيء عن العرب والعالم، ولا حتى عن ملَكاته الهائلة، وكيف يستطيع توظيفها في خدمة أهله وأمته، قبل أن ينصحه “السفير” الأديب زكي بيضون تلك النصيحة الثمينة: “اكتب عن البيضان لتعرف العالم العربي بجزئه هذا الذي ليس له علم به” والتي غيرت مسار حياة “التاجر البدوي” برمته وأسست لموريتانيا الدولة والثقافة والتاريخ!

وجاء “السفير” يوسف مقلد، وأكرم به من سفير، فكانت كتبه بمثابة أوراق اعتماد موريتانيا الحديثة إلى العرب والعالم!

وعندما التقينا بكم صدفة في داكار صيف سنة 1963 كان الرئيس المختار ولد داداه (رحمه الله) قد أنشأ في ظروف دولية مواتية وأخرى وطنية صعبة ومحبطة جدا، كيانا سياسيا في السنغال ما لبث أن هاجر بنواته إلى انواكشوط وهي آنذاك واد غير ذي زرع.

وقد ولد ذلك الكيان كسيحا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، ومتناقضا تناقضا مطلقا مع المجتمع العربي المسلم صاحب الأرض التي زُرع فيها؛ وكان أهلها غرباء فيه غربة المتنبي في شعب بوان! إذ كان ناطقا بالفرنسية، وكانت مناهج تعليمه في معظمها الساحق فرنسية، وإدارته فرنسية. وحماية السفارة الفرنسية وجل سدنة الإدارة الاستعمارية الوافدة من سان لويس موفورة وسيفها مصلت ومسلط على رقاب المصلحين! ولم يكن سكان انواكشوط يومها يبلغون أربعة آلاف نسمة إلا بالكاد!

نعم، كانت توجد “محاظر” (مؤسسات التعليم الأهلي العريق) في البادية والريف حيث يقطن أزيد من 90% من السكان، ولكنها في واد والدولة الجديدة في واد! وتوجد إرهاصات نهضة تعريبية جسدت بعضَها، في مكان ما، جهود الحاج محمود باه (رحمه الله) ومدارس الفلاح، وإن كان تأثيرها محدودا جدا؛ وبذور المفتش الأفغاني ذي الغليون الكبير عكاري، التي لم تكن قد آتت أكلها بعدُ على عظمتها، وكان قد تم ترحيله من البلاد؛ ونقابة المعلمين العرب بقيادة المرحوم عبدُ ولد أحمد، التي بدأت تنشط كذلك في الساحة وتتشبث بمطلب التعريب. وأنشأنا يومئذ أيضا مدارس “ابن عامر” الأهلية لتعليم الكبار، وتولى إدارتها الأستاذ محمد الأمين الشيخ رحمه الله. ودخل وزير التعليم الشيخ الحضرمي بن خطري المعترك فعرف التعليم العربي طفرة في عهده الميمون.. وجاء عميد ثانوية انواكشوط الأستاذ محمذ ولد باباه فدعم ذلك المجهود دعما يذكر فيشكر!

ولكن الشرارة التي أشعلت السهل كله وفجرت ثورة التعريب والتحرر من الاستعمار الجديد ونادت بإلغاء العبودية؛ والتي انضوت تحت رايتها زهرة شباب موريتانيا أبيضهم وأسودهم، والتف حولها الشعب فقادت نضاله حتى النصر المؤزر على الاستعمار الجديد والتغريب، كانت حركة القوميين العرب التي أخذنا عنكم مبادئها وكانت لكم – كما أسلفنا- وقفات في دعمها، والتي أصبحت بعد نكسة حزيران “الحركة الوطنية الديمقراطية” و”حزب الكادحين الموريتانيين”!

وهذه لمحات من حصيلة بذركما الزاهر وحصاد أدمغة وسواعد الشعب الموريتاني البطل..

يتبع

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى