وفاة البخاري ولد الفلالي (فى كتاب العمران)

قال محمد عبد الله ولد البخاري ولد الفلالي في معرض حديثه عن كرامات وكشف الشيخ محمد ولد سيد محمد التيشيتي في كتاب العمران ما يلي:

  • ومنه أن الدار التي توفي فيها والدي وقع في الناس مرض يقال له بحيمرون وهو بثر صغير أحمر ضرره أكثر في الصبيان من غيرهم وكنا بنعمة وغبطة تداولنا فيها الحاسدون والمعيانون ثم إن زوج أخي الكبير محمد مرضت مرضا شديدا وكان والدي عم لأمها رضي الله عن الجميع وكنت في ذلك الزمن ذاهبا في الشباب أسكن حيث شئت من البيوت وإن مرضت أو احتجت إلى شيء أجيء إليه هو في بيتنا.
  • ثم إني أتيته ضحى ولا أظن أن يموت أحد في ذلك الزمن وأحرى في ذلك اليوم فلما أتيته أغضبني بعض الناس فكلمني هو بذلك فقمت من عنده غضبانا فناداني فرجعت فقال لا تقم حتى تقول ثلاثة أبيات على النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه لم يقل وكأني لم أسمع لغلبة الغضب علي ولأن الغالب علي في ذلك الزمن الغزل وما أشبهه مع أني لا أخالفه كثيرا ولكن الشباب غالب علي فلما قمت ومررت بالوتد الذي في فم البيت إذا بالأبيات الثلاثة جرت على لساني وهي:
  • يا من علا غرفا لم يعلها بشر == سواه لم يدر ما هي غير منشيها
  • محفوظة أن يحل الأنبياء بها == وأن يحل بها من ليس يدريـها
  • أنت المرجي إذا ما حلت الأربى == فيها وفيها فكن لي بعد قافيها
  • فقولي فيها الأولى أعني الدنيا وأعني بقولي فيها الأخرى الآخرة أي كن لي شفيعا ومجيرا في الدنيا والآخرة فلما قلت الأبيات سرى عني بعض الغضب وكذلك أراد ثم لما قمت من عنده توفيت المرأة التي ذكرت لك فاتعظنا وحزنا ولاسيما نحن الشباب. وكانت أهلا لذلك وصلى عليها والدي فانتبهت لطلبه مني الأبيات وكثر المرض في الناس ثم إن الشيخ محمد عنده بنت عندها نجل واحد وأتانا معها تطييبا لخاطرها إلى طبيب معنا لعل الصبي يبرأ على يديه وكان والدنا تلك الليالي يشتكي بعض أعضائه ربما لا يأتي المصلى إلا بجهد ولكن لا نظن به مرض الموت فلما مرت خمس وعشرون ليلة توفيت بنت له نفساء فازداد حزننا فجعلناها مع خليلتها وكانتا خليلتين جدا فصلى عليها الشيخ محمد ووالدي وبعض الناس والشيخ هو الإمام وجعل مرض والدي يتزايد تزايدا بطيئا لا نظن به الموت وكنا نختلف إلى الشيخ محمد ويسألنا عن حال والدي رضي الله عن الجميع فأخبره بحاله فأتيته ليلة فسألني عنه فأخبرته بحاله ثم أنشد :
  • إن يعش مصعب فنحن بخير == قد أتانا من دهرنا ما نرجي
  • ولو كنت من أهل الانتباه في ذلك الزمن لعلمت أنه ينعاه ثم أتيته ليلة أخرى فسألني عن حاله فأخبرته فقال لي اعلموا أني كل وقت أجيء للبخاري خفية من حيث لا تشعرون ولولا ذلك لأتيته عيانا أمامكم فأخبرت والدي بذلك فبشر له وفرح له وسر سرورا شديدا فقال والدي وما يمنع من ذلك وقلبي يعرف قلبه وروحي تعرف روحه وجعل يعد أعضاءه التي تعرفه بإطناب ثم قال والدي رضي الله عن الجميع منذ أربعين سنة ومحمد يرى النبي صلى الله عليه وسلم عيانا يقظة.
  • ثم توفي الصبي المذكور ورجع الشيخ محمد لأهله وليسوا بعيدا فلما فارق البيوت لحقت به أودعه ولأنال منه بركة فلحق بنا أيضا محمد كمال أخي وجعل يقول كلاما كأنه يؤلف بيننا فيه وفي ذلك إشارة أخرى إلى موت والدي لو كنا ننتبه.
  • مع أني رأيت في المنام قبل ذلك بليال أحمد باب أخي طالعا جبلا في موضع من أعلاه وحده وأنا ومحمد كمال في موضع آخر من أعلى الجبل فقصصت الرؤيا على والدي فقال لي ذلك جبل الأولياء ولم يزدني على ذلك وإلى الآن لم أعرف ما معنى جبل الأولياء. إلا أني فهمت من انفراد أحمد باب عنا واجتماعي أنا وكمال ومؤاخاة الشيخ محمد بيننا ما وقع بعد موت والدنا من قيامي أنا و كمال بأمر ما كان عليه والدنا وانفراد أحمد باب عن ذلك زمانا.
  • فلما مضت ليالي قليلات بعد مضي الشيخ محمد اشتد مرض والدي رضي الله عنه فرجع الشيخ محمد إلينا فبنينا له خيمة أمام بيوتنا وجاء الشيخ محمد بن محمد سالم وهو يومئذ في أشد مجاهدة السلوك في ما ظهر لي وحضر وجوه الناس كالعالم أحمد فال والشاعر العالم شيخنا وهو اسم علم عليه ومحمد ابن الطلبه العالم الشاعر المفلق الكاتب وغير و غير وجاء الفتى أحمد باب وكان غالب أمره لم يكن معنا.
  • والحامل على هذا كله كشف الشيخ محمد حينا بتصريح وحينا بما يفهم منه فاشتد مرض والدي رحم الله الجميع حتى أنه إن أصبح يقولون لم يمس وإن أمسى يقولون لم يصبح وربما نعي. واجتمعنا ليلة أنا وامحمد ابن الطلبه وكان أخذ علي والدي في أول شبابه وأول أمر والدي رضي الله عن الجميع أظنه قبل ميلادي أو قريب من ذلك ومحمد البخاري بن محمد بن محمد الديباج وكان من أصدق تلامذة والدي وكان والدي خالا لأبيه وعما لأمه فاجتمعنا عند الشيخ محمد ولا خامس لنا والشيخ كالجبل لا يتزلزل ونحن نتململ على حال ننتظر أن يقال لنا قوموا إلى تجهيز والدي وكان هذا بعد العتمة والليلة شديدة البرد والظلمة وأرسلت ريح أشد من هذا كله.
  • وقال امحمد ابن الطلية يا محمد سل الله أن لا يموت البخاري في هذه الليلة فإنه إن مات فيها لا يلتفت إليه أحد لغسل ولا حفر ولا غيره لشدة ما ترى فقاله الشيخ محمد الأولياء لا يتعبون أحدا ولا يكون من أمرهم ما يتضرر منه الناس وأظنه لا يموت إلا يوم الجمعة.
  • وكانت تلك ليلة الأربعاء ونحن مستيقنون أنه توفي أو لم تمض ساعة إلا توفي وجعل يحدثنا ويسلينا ويصرح لنا ببعض كشفه ومن ذلك أنه قال لنا إن الولي العالم المسمى ألفغ الخطاط الأجل عند المقبرة التي عند عقلة آنتر بين قبره وقبر عمى المسمى محمد النيسابوري أمية صغيرة لم تبلغ يلاعبها أهل الجنة بلعبة معروفة عند الصبيان.
  • فلما توفي والدي رضي الله عن الجميع حفروا قبره في كثير من البلاد ولم يتأت ذلك إلا الموضع الذي فيه قبر صبية قتلها السيل قبل ذلك بجل عام وجدوها فوق شجرة من الطرفه قريبة منه فعلمنا بعد ذلك أن الصبية سعيدة وأنه لا يكون إلا قربها ولم يكن قبل ذلك قبر نعرفه من أهل بلادنا.
  • ولنرجع إلى ما كنا فيه ثم إن الشيخ محمد رضي الله عن الجميع التفت إلى امحمد ابن الطلبة فقال له قم إلى بيتك فإن النساء لا يقبلن ذلك وقال لمحمد البخاري مثل ذلك وبقيت أنا وهو إذ لم تكن لي زوج لحزني ذلك الزمن. ولولا ذلك لأمرني فعجبنا من قوله وشرح صدره من الهموم وكدنا نحن نموت إذ ذاك الوقت إذ لا يخطر ببال أحد أبناء ولا طعام ولا دنيا ولا نساء لحزن الناس كلها وتهيئها لتجهيز والدي في هذه الليلة التي لا يمكن فيها تجهيز فقاما إلى بيتيهما إذ لا يصح ان يخالفاه إذ هو بمنزلة والدي عندهما أو أشد.
  • فبتنا تلك الليلة ويومها وبتنا ليلة الخميس ويومها وهو حي حياة ليست بحياة وكان المزاحم له خواصنا الذين قل أن يفارقوه لما اشتد مرضه كبعض أبنائه وبناته وابن أخيه محمد عبد الرحمن ابن أحمد مسكه وكان زوجا لابنته المتوفاة عن قريب نفساء ولم يشغلنا عن الحزن عليها إلا تيقن موته هو.
  • ثم لما كان آخر ليلة الجمعة وهم يتعاطونه يتململ بين أيديهم وهو يجود بنفسه قال للحاضرين أجلسوني فأجلسوه فنادى محمد كمال ابنه فقال له إياك وذاك الأمر وكان محمد كمال عازما على فعله ونادى محمد عبد الرحمن فأجابه فقال اشهدوا أني زوجت فلانة بنت فلان محمد عبد الرحمن.
  • ولم تكن تلك المرأة حاضرة ولا أبوها لكنهم في الحي وقيل كان محمد عبد الرحمن في بيت قريب منه لكنه سلم لما سمع ذلك فقال محمد عبد الرحمن قبلت ورضيت فتحير الحاضرون ومن سمع هل يبكون لتيقنهم من موته أو يضحكون لشرح صدره وقلة جزعه من الموت حتى انهم كادوا يطمعون في حياته. ثم رجع لحاله فأصبح النهار صاحيا لا ريح فيه ولا برد وأبكر القابرون وهو حي ثم قبروا له في الموضع المتقدم فلما كان الضحى جعل ينازع فأتاه خليله الشيخ محمد فلم يمكنه إلا أن أجلس له ويواجهه فطردا عنهما كل من حضر.
  • فتكلما بكلام عال لم يفهمه أحد إلا أن بعض القريب منهما سمعهما يذكران القطبانية فاستدل بذلك أن الشيخ محمد تحملها وكان والدي قبل ذلك يحدثني عن القطبانية وأن القطبانية حمل ثقيل قل من يتحملها وأن أبا مدين الغوث مع جلالته مكثه فيها قليل وكذلك حدثني الشيخ محمد بهذا الحديث إلا أن أحدهما قال لي إنه لم يمكث فيها إلا ثلاثة أيام والآخر قال لي إنه لم يمكث فيها إلا ثلاث ساعات.
  • وكثيرا ما كان والدي يحكي لي كلام بعضهم كنت كذا وكذا والآن أشكو برد الرضى والتسليم كأنه يشير إلى نفسه بذلك ثم لما قضى والدي رضي الله عنه وليس معه إلا الشيخ محمد بعث إلي وكان بوالدي بعض رمق فقال لي تخط والدك ثلاث مرات فخجلت من ذلك وامتنعت وأنا لا تصح لي مخالفته مع ذلك أخذ بيدي فخطاني له ثلاث مرات ثم قال لمن حضر من إخوتي أن يفعل كذلك. فقال إن شئتم فصدق الله ما قال الشيخ محمد إنه لا يموت إلا يوم الجمعة فشرعوا في تجهيزه وكنا بجانب الكدية التي يقال لها اكويدس على القرب وكان بين وفاته وبين وفاة بنته هند التي تقدم ذكرها ست عشرة ليلة وبينه وبين فاطمة بنت محمد الديباج السابقة لها شهر وكانتا قبرتا بقارة منقطعة عن الرق الأبيض الذي عند نحر الكدية التي تقدم ذكرها وهو الذي ذكرت أنا في أبيات أرثيهما بها قبل أن يمرض والدي مرض الموت :
  • فسقى الرق جنبه عن يمين==بين جلوى والقدس جود جواد
  • ومن غرابة الموافقة أني عربت الجبل بالقدس في هذا البيت واسمه اكويدس ثم بعد ذلك بزمن ظفرنا به في شعر العرب على ما عربته به وقال امحمد بن الطلبه أبياتا يرثي بها هندا خاصة ومنها:
  • إن هندا تضيفتك فأكـرم== بالبشارات وجهها والأماني
  • وهذا البيت مكتوب الآن في حجر عند رأسها فلما جهزوه قال أخي أحمد باب إنا نجعله مع المرأتين لحقهما وهما قريبتان إذ ذاك ولأن المشهور عنده عدم النقل وقلت أنا نحمله الى الحسي المسمى بجلوى وهو على ميلين منا أو أكثر على جهة توسط سهيل في السماء لا طلوعه ولا سقوطه فوافقني الشيخ محمد على نقله إلي البئر المسماة بجلوى. فجعلناه في محمل بين جملين فلما سرنا به قال لنا الشيخ محمد من قدر على عدد من يس فدية فليفعل وكنت أنا محمد بن الطلبه رديفين على جمل وكثير من الرجال راكب وكثير رجلان. والشيخ محمد على جمل وحده والشيخ محمد بن محمد سالم أظنه امتنع من الركوب للأجر وسرنا سيرا سريعا.
  • فلما وقفنا عند القبر سألنا الشيخ محمد عن عدد ما ختمنا من “يس” فقال محمد ابن الطلبه قرأتها مرتين وشيئا من الثالثة وقلت أنا قرأتها مرة وجل الثانية وغيرنا عندي أنه كذلك أو أقل لطي المسافة وقربها وقال الشيخ محمد أنا ختمتها له مائة مرة.
  • وكان الذي تولى غسل والدي ابن أخيه محمد عبد الرحمن ووالدتي تصب له الماء والشيخ محمد بن محمد سالم جالس بقربهم في يده كتاب الجنائز يفتي لهم لئلا يفوتهم مندوب أو غيره.
  • فجئتهم في تلك الحال فقالت والدتي كلمة ارتعت منها واشمأز منها قلبي لصعوبة التجرؤ عليها وهي أنها قالت لا غفر الله لي شيئا خنته به حاضرا ولا غائبا من أمر دنيا أو أخرى عن قصد من يوم جمعني الله معه وأنا صغيرة وعندي أن أكثر النساء في ذلك الزمن مثلها في هذا أو أفضل فلما نظرت أحوال النساء بعد ذلك من قريب أو بعيد أعجبتني تلك الكلمة وحمدت الله عليها بعد تنقيصي لها.
  • ومن شدة اعتقاد تلامذة الشيخ والدي فيه أن محمد عبد الرحمن شرب غسله ولا يستغرب مثل ذلك فكنت أتمعك في غسله زمنا طويلا وكنت أنام مضطجعا وحدي عند قبره مساء وظلاما قبل أن تكثر معه المقابر مع وجلي من هذا كله من غيره.
  • فلما كثرت المقابر صرت أهاب بعض ذلك ثم رجعنا من عنده رائحين وكنا نزوره من ذلك البلد إما كل يوم وإما يوم الجمعة إلى الجمعة ما قدرنا عليه من ذلك. فلما كان يوم الجمعة الثاني من وفاته أتى جل الحي يزوره فجمعنا الله بالشيخ محمد أتى راكبا يزوره من عند أهله فوقفنا وراء ظهره ووكلنا إليه زيارتنا لأنه لا فرق عندنا بينه وبينه وغير ذلك من الأشياخ لا نلتفت إليه ذلك الزمن ولو جل وبلغ ما بلغ.
  • فلما فرغ من الزيارة قال لنا امشوا عني أقول كلمة للبخاري فمشينا عنه وقعدنا جانبا فمن التلامذة من ادعى أنه سمع كلام الشيخ محمد وكلام الشيخ والدي وهو في قبره وأما أنا وكنت من أقصاهم فلم أميز كلامهما ولكن سمعت كلاما أعلى وأجزل من كلام إنسان واحد. ثم قام الشيخ محمد وصليت معه الظهر تحت الشجرة التي لا جنس لها في ذلك الشجر المسماة جلوي وهي التي سمي ذلك البئر جلوى باسمها فكان موضعه ذلك عندي متعبد.
  • فلما مر الشيخ محمد راجعا من الزيارة لأهله خاض معه بعض القوم في شأن المرأة التي عقد والدي لمحمد عبد الرحمن هل يصح ذلك دون عقد آخر لأن الرضى بعده هو فقال ما أبركه من عرس ولكن جددوا العقد خوف ألسنة الخلق ففعلوا وكل هذا مستطرد في خبر الشيخ محمد وأما خبر الشيخ والدي فسيذكر إن شاء الله تعالى.
  • ومما سمعته بعد موت والدي رضي الله عن الجميع من الشيخ مشافهة أني كنت معه يوم الجمعة وحدنا فقال لي هذا وقت ساعة الجمعة أرتنيه عائشة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم عشاء وإن أمكنك أن تذكر بـ لا إله إلا الله من وقته إلى غروب الشمس فافعل كنت أفعل ما لم يعق عن ذلك عائق وأغرب شيء أني رأيته وقتها ساعة العشاء ورأيت في المنام أن بيدي دلائل الخيرات وكتابا آخر وشيء اسمه مذكر قصصته عليه فقال لي هما نجلان ذكران وكنت ذلك الزمن لا زوج لي إلا زوجة لم يشعر بها إلا هو وإنسان غيره. ونفسي ممتنعة عن زوجة تكون ظاهرا لأمور إلا من امرأة متعلق مثلي بها دونها عوائق فلما مضت سنون أتيته أزوره وصلى بنا الصبح ثم وادعني وقال لي تزوج تزويجا ظاهرا فلم يسعني ولم يمكني إلا أن أفعل ولو من من لم يخطر ببالي ولم تحدثني به نفسي لمظنتي أنه نعتها له نفسه ففعلت بعجلة.
  • فلما سمعها هو في مرضه الذي مات فيه قال اللهم بالرفا والبنين فاشتد مرضه وهو مسيرة يوم منا وزيادة فركبت أودعه فسلمت عليه ودعا لي بدعاء آخر ومات رحمه الله قبل أن أدخل بها لصغرها. فلما مضت سنون كان لنا بنون وبنات ومات من الذكور اثنان وسلم اثنان والحمد لله رب العالمين واليوم عشرون في شهر عاشوراء عام شرف وست سنين.
  • والمقصود من هذا كله أني لم أدر هل مراده بالنجلين اللذين ذكر أنه يعيش من أبنائنا اثنان فقط أو هو تفسير لقدر ما ذكر في الرؤيا. أما الكبير من السالمين فأتيت الشيخ محمد بن محمد سالم أزوره يوما وقد مضت له من ميلاده ست وعشرون ليلة فسلم علي ببسطة وقال لي لا بأس عند ذلك الفتى جعله الله نفعا للمسلمين وأما الصغير فأنسني عليه شيء آخر.
  • وإنما ذكرت هذا لأن ما أتى من الأولياء عفوا وانبساطا ليس كغيره رزقنا الله من البنين وغيرهم ما يكون لله قل أو كثر مع طول العمر على طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأن يجعل البركة في رزقنا قبل وبعد.
  • وقال لي الشيخ محمد ليلة إذا حدثك شيخ التربية بشيء فلا تسأله عما لم تفهم فإنك لا تفهمه ولو فسر لك ذلك وأما الشيخ الظاهر فجائز لك أن تجعل موسى على حلقومه كأنك تذبحه ليبين لك ما لم تفهم وطلبه عزاه إلي سيد زروق .
  • ومما كوشف له عنه أني كنت معه ليلة بعد وفاة والدي بسنين قبل أن أشتغل بالنظر في كتب التوحيد ففكرت فيما ينسبه الناس إلى والدي من المسائل التي خالفت مشهور ما عند الناس حتى أنه كاد أن يقع فى خاطري أنه ليس على ضعيف فضلا عن المشهور وأنه اخترع هذا من نفسه. فالتفت إلي وقال لي أعلم أن البخاري لم يقل قولا في العلوم إلا وقد قاله عالم قبله فسرى عني بعض ما أنا فيه ولكن لم يطمئن قلبي حتى بحثت في تلك المسائل التي سيجيء تبيينها إن شاء الله تعالى والحمد لله على ذلك.
  • ورأيت في المنام ليلة وليا من أولياء الله الكمل وإلى الأبد وأنا ضابط اسمه جالسا بين يدي ربه ساكتا لا يتكلم إلا بمناجاة ربه ساكنا ففرحت به فرحا شديدا ولم يسرني شيء أراه في المنام مثله. ثم رأيت بعد ذلك وقبله بقليل شيخنا محمد بن حب الله المجيدري في المنام أيضا فقال لي هلا اشتغلت بالحديث فقلت له لا طاقة لي بذلك لأن أهل بلادنا أهل فقه وإن اشتغلت به جعلوني هزؤا ولعبا والحديث ليست عندي شروحه ولست من أهل الحفظ ولا من أهل الفهم الموثوق به وذلك الزمن لم أحفظ من العلم إلا شيئا غير كثير من أشعار العرب لكنى أقول الشعر ولا نحو عندي أقيمه به ولكن قل أن ألحن فيه مع ذلك لقوة القريحة حتى أني لم أعرف حل القاموس لكن اشتغلت بعد هذه الرؤيا بإضاءة الادموس.
  • فلما قلت له ذلك غضب وجعل فمه في أذني اليسرى ونفخ فيها كما ينفخ الإنسان القربة فلما بلغ نفخه ركبتي قلت في نفسي روحه تزهق ويموت من شدة نفخه وطوله فنفخ أشد من ذلك حتى أحسست به بلغ أصابع رجلي فاستيقظت. فلما أصبح الصبح فكرت هل هذا أضغاث أحلام لأني وإلى الآن لم أر من الرؤيا إلا واحدة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيها وأنا ابن ثمان سنوات أو قريب من ذلك لأن الرؤيا التي هي من الله والحلم الذي هو من الشيطان لا يميز بينهم إلا الأولياء بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثم بعثت للقسطلاني عند بيت ليس ببعيد منا فنظرت فإذا فيه ألقاب الحديث فنظمت بعضها ونظمت بيتا واحدا من بدء الوحي فقلت :
  • أول ما ابتدي به الرسول == أن جاءه وسط حرا جبريل
  • فتركته إذ لم يفتح علي فاشتغل وأما الدرس فلست من أهله في كل فن لعسر الحفظ والأشغال الأخرى وإنما بعثت للكتاب برورا بوالدي وشيخنا محمذ بن حب الله لحبهما للحديث واشتغالهما فيه مع أن والدي في حياته قهرني حتى حفظت أحاديث من كتاب العلم. ورأيت في ذلك الموضع قبل ذلك وبعده بقليل جدي عبد الله الفلالي وأخاه الحاج بن مسكه وعندهما عباءة جيدة فكلمتهما وكلماني بأشياء لم أضبطها ثم قمت من عِندهما فقلت لهما ادعوا الله لي دعاء صالحا فقال أحدهما للآخر ادع له الله فقال اكماك يكرن اتماك يبن .
  • ووقع في نفسي أن هذه الكلمات من كلام بعض الأعاجم وأنه من الكلام المسمى بكلام أزناك لأن أمهما فاطمة بنت أبي بكر الديماني وهم يتكلمون بذلك وضبطت الكلمات الأولى اكماك بكاف ساكنة غير معقودة وميم ممدودة بألف وكاف ساكن غير معقود والثانية بياء تحتية مضمومة وكاف معقودة مفتوحة وراء مهملة ساكنة ونون مفتوحة والثالثة كالأولى إلا أن الأولى منها تاء فوقية ساكنة والرابعة بياء فوقية مضمومة وباء مفتوحة ونون مفتوحة مشددة. فسكت ولم أقصص كل هذا على أحد.
  • فمكثت شهرين أو أكثر ثم نزل علينا الشيخ محمد وكان في بلاد بعيدة فجئته وقصصت عليه رؤياي بالولي الذي ذكرت لك وكان غيره عندي أضغاث أحلام. فقال لي أما الولي الذي رأيت فأضغاث أحلام ليس عليه عرض الأولياء فكدت أموت وأما الذي نفخ في أذنك فأبوك البخاري وليس لمجيدري واما الكلام الذي دعاك به جدك وأخوه فهو السريانية ولم يفسر لي معنى شيء من هذا غير هذا.
  • لكن معنى دعائهم عندي في المنام يسر الله لك أمورك فعلمت من تفسيره أن خبر الولي أضغاث أحلام وأن غير ذلك رؤيا صادقة وأرجو الله تعالى أن يمن علينا بالنافع من ذلك بجاه سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
  • ثم لما قرب الليل وكانت تلك الليلة ليلة الأربعاء الأخيرة من صفر علمني الركعتين والدعاء الذي يفعل للأمراض التي ترسل في تلك الليلة ولم يزل في قلبي ذكر تلك الأمراض والوجل منها مع ظني أنها لا تدخل في بلاد البادية التي نحن من أهلها. فلما كان يوم الأربعاء الأخير من ذلك الشهر عام خمس وثمانين ومائتين وألف قلت لمن معي من الناس تصدقوا في هذا اليوم فظنوا أنه أنذرهم من عدو يغير عليهم أو مثل ذلك لأنهم كانوا لا يخافون إلا من عدوهم.
  • فلم نلبث إلا أياما فجاء بعض الناس فقال إن الوباء فشا في أهل البحر وانجـر إلى بعض من أهل البادية أعاذنا الله من البلاء و الوباء والطاعون وكثرت الحمى في جهة أخرى أعاذنا الله من كل فعلمت أن للأمراض لشأنا وقلت قصيدة استغيث بالله بها من هذه الأمراض وغيرها مما أفسدت به البغاة الدين :
  • فالمن فالمن ياللهم دان لكـم == بعد اعتراف بعجز كل مختـال
  • وانقل لعابد غير الله كل وبا == وكل حمى وما يخشى من أوجال
  • والحفظ للنفس مع أهل ودينهم == والمال مع نعم لم تحص بالقـال
  • ولنرجع إلى ما كنا فيه ثم لما صلينا المغرب وعلمني الركعات والدعاء أتانا احمد ابن الشيخ محمد فقال للشيخ : أنا البارحة بت في بيت قريب من بيت فيه بلال وأقام الليل أو جله ومن جل دعائه أن يقول يا رب بعظمتي عندك فافعل كذا وكذا فقال الشيخ لعله جمالي المقام فقلت للشيخ وما جمالي المقام فقال هو الذي لا يشاهد من الله إلا البسطة.
  • ثم لما كان أيام وفاة الشيخ لقيت الشيخ محمد بن محمد سالم فقلت له دلني على القطب بعد الشيخ محمد وقصدي بذلك أن يكون هو القطب بعده لأتأنس به كما تآنست بالشيخ محمد بعد الشيخ والدي رضي الله عنه فامتنع لي من ذلك وقال لي إنه لم يتحرك عن ورد الشيخ محمد يوما واحدا فزادني ذلك فيه مع أني لم أزدد لقول الشيخ محمد لي ذلك قبل ذلك.
  • ثم توفي محمد بعد سؤالي له بليلة أو ليلتين فجعلت الشيخ محمد بن محمد سالم بعد ذلك بين أخ ناصح وشيخ صالح أدام الله بقاءنا وبقاءه وبقاء من يحب له ذلك على طاعة الله ورسوله، وكشوفات محمد ومناقبه لا يفي بها إلا كتاب منفرد لها.
  • من كتاب العمران لمحمد عبد الله ولد البخاري ولد الفلالي
  • تحقيق مريم بنت آد الملقبة (اسويعيدو)
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى