خلاصة الأصول والميزابية مقارنة في ليالي الحجر الرمضانية (1)

07-45.jpgربما يوافقني بعض الشناقطة الأعلام على ضعف المقارنة خاصة المكتوب منها بين مقرراتنا المحظرية، وهذه مسألة حاضرة في أوائل أسئلة طلبة العلم المشارقة لأعلام علماء شنقيط، فقد كنت واسطة اللقاءات التي جرت بين المورد العذب رمز شنقيط العلامة الشيخ محمد سالم بن عدود، الذي تمر هذه الأيام ذكرى مصيبة وفاته الأليمة – رحمه الله تعلى- وجوهرة أساتذتنا بالجامعة الإسلامية، المصان بالعلم المحظري والأدب المدني، إمام المسجد النبوي العالم الشاب الموسوعي الذي شق طريق توأمة صنعت شخصيته العلمية الفذة القائمة على ركني:

– حفظ المتون المحظرية ودراستها على علماء شنقيط بالمدينة المنورة من رسم الطالب عبد الله إلى الموثق في نظم الموفق للشيخ محمد سالم عدود – رحمه الله تعلى-،

– والدراسة الأكاديمية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كما صرح به علامة التفسير الدكتور: عبد الله بن محمد الأمين الشنقيطي – حفظه الله تعلى -، خلال نقاشه لرسالة الدكتوراه تحت عنوان: حاشية الملا القاري على الجلالين، للأستاذ المعيد يومها الإمام العلم أحمد بن علي عبد الرحمن الحذيفي متيم علماء شنقيط، الذي سأل لمرابط المسوعي بحق محمد سالم بن عدود: أيهما أفضل الكوكب أم المراقي؟

وهنا ينتابني شعور الصغير بين يدي شيخي علمه وقد صار أحدهما تلميذا للآخر، يكتفي بالكلمة الأقل حروفا استمطارا لغمامة شنقيط المبارك: محمد سالم بن عدود، فيرفع أستاذي أحمد الحذيفي مسجله الصغير، ليلتقط قول شيخ علمائنا محمد سالم بن عدود: هذا سؤال موقف عقل؛ فلا أستطيع أن أقول المراقي أفضل لما أعرفه من شمول الكوكب، ووضوح عبارته، ولا أستطيع أن أقول: الكوكب أفضل، لما أعلمه في الكوكب من الجموع التي لا توجد في غيره، يأتي بجموع لا تعرفها لغة العرب، وتستمر المقارنة بعد الابتسامة المليحة المدهشة لشيخنا، ليزداد طرب أستاذي أحمد فيقرب لاقط الصوت من فم الشيخ ويستمر العطاء..

وما لا يعلمه ربما من غاب عن تلك المجالس، أن أستاذي إمام مسجد قباء يومها والأستاذ المعيد بالجامعة الإسلامية: طلب إلى الشيخ لمرابط محمد سالم بن عدود بالبقاء معهم في المدينة المنورة، وأفصح عن استعدادهم للازم، وأكد الأمر لمرافقه، وعلى طريقة الشيخ المعهودة تمر العروض دون تعليق، والله الغني وأنتم الفراء.

تلك الأيام الجامعة في عرصات الحج المباركة، خلال حظ المدينة المنورة، من الرحلة الإيمانية والإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها، مدينة أسسها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على التقوى من أول يوم، بقيت تجبى إليها كما مكة ثمرات كل شيء، فكم اصطاد أهلهما من ثمار العلم النافع والعمل الصالح.

عقلت من تلك المجالس – الشنقيطية المدنية المنورة بالعلم والإيمان- التي قوم فيها د. أحمد الحذيفي الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع، على الشيخ عدود، ذوقَ المقارنة بين المتون العلمية تعميقا للحس النقدي، ووفاء لمن خدموا العلم وعونا لمن يأتي من بعدي، من طلبت العلم، وتناغما مع الظاهرة وإسهاما في الثورة الأصولية الشنقيطية المعاصرة التي أطلق شَرارتها وأسس قواعدها، من خرجا على حدود القطر الشنقيطي والقرن الثالث عشر الذي حوى أعمارهما فكانا مع أقرانهما بذلك العصر والقطر لا سواء، في فن الأصول على الأقل، وفي الموسوعية العلمية الضاربة في العمق التخصصي لفنون أو مراجع أو مواقف تميزا بها وربما فاق في بعضها أحدهما الآخر..

ولا زالت شنقيط على دربهما تحيي ما اندرس من غوامض وتصطفي من نوادر مصادر العلم ومراجعه ما ند عن بيئتهما البدوية أو المنقطعة عن الحضارة، بعد الاتصال بحواضر العلم والانفتاح على المكتبات العالمية، وأقرب ما طالعته من مؤلفات القرن 15هـ في نظري ليتيمتي القرن 13 هـ، المراقي والميزابية، خلاصة الأصول، لابنهما البر، ووالدنا العلم الشيخ محمد سعيد بن بدي حفظه الله ورعاه وأدامه شخصية جامعة بين:

التميز في ميدان الدرس الأصولي وفيه بذ أقرانه،

دخول نطاق التأليف المحظري الأصولي بأسلوبه الباعث لعطاء رجال ق13هـ، وربط حاضر شنقيط بماضيها العِلمي الذي جعلها عنوان العلم، لمن درى.

ورغبة مني في مجالسة هؤلاء الأفذاذ وقد فرق بيني وبينهم التاريخ أو الجغرافيا، أهرعت إلى كتب القوم:

لنا جلساء ما يمل حديثهمْ _ ألباء مأمونون غيبا ومشهدا

يفيدوننا من علمهم علم ما مضى _ وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا

فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة _ ولا نتقي منهم لسانا ولا يدا

فإن قلت أموات فلا أنت كاذب_ وإن قلت أحياء فلست مفندا

يفكر قلبي دائبا في حديثهمْ _ كأن فؤادي ضافه سمُّ أسودا.

بناء على ما تقدم فقد حاولت إمعان النظر مقارنا:

بين “القصيدة الميزابية في مصاب ظواهر الظنون الميزابية” للشيخ محمد المام، مستعينا على فهمها بطرة مؤلفها وشرحها المؤصِّل لألفاظها “رشف الرضاب من ذات الميزاب”، لشيخنا عبد الرحمن بن حمدي– حفظه الله-.

وبين نظم “خلاصة الأصول”، للشيخ محمد سعيد بن بدي، مستعينا على فهمها بشرح المؤلف: “تيسير الحصول على خلاصة الأصول”.

وقد قادني الشغف بالمقارنة بين التأليفين الأصوليين إلى الاطلاع على أصلهما الذي بلغ الغاية عندهما، مختصر منتهى الأصول، للإمام أبي عمرو عثمان بن الحاجب المالكي (ت: 646هـ)، وشرحه للعلامة القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي، (ت: 756هـ)، وبعض حواشيهما، إضافة لما يقتضيه المقام من الرجوع إلى مراجع معتبرة عندهما أو عند أحدهما مثل ابن السبكي والمراقي وشروحهما، مع كتاب مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، للإمام الشريف التلمساني (771)، الذي ظهرت بصمات ما يشبهه لحد تطابق الألفاظ في بعض المواضع في الميزابية.

هذا وتأتي المقارنة في نقاط تدريجية متسلسلة…

النقطة الأولى: المراقي والميزابية وخلاصة الأصول:

لو حاولنا جمع قواسم مشتركة بين الكتب الثلاثة، (مراقي السعود لمبتغي الرقي والصعود والقصيدة الميزابية في مصاب ظواهر الظنون الميزانية، وخلاصة الأصول) لقلنا تتميز الكتب الثلاثة بما يلي:

أولا- يجمع بينها تخصصها فهي كتب أصولية.

ثانيا- كما يجمع بينها قطرها فهي كتب شنقيطية، إفريقية، مغربية عربية، ولا يقال موريتاني في نظري لمن سبق الاستقلال.

ثالثا- كما أنها كتب ضمنت في قالب شعري، أي أنها غير منثورة.

رابعا- تؤلف بينها جزالة اللغة ورصانة الأسلوب، والقدرة الشعرية المتدفقة مع اختلاف ما لمن تعقل.

خامسا- ازدانت كل واحدة من الثلاث، بتعليق أو شرح أو طرة تقرب قصد المؤلف من تأليفه، وتقرب ما ند من عباراته، وإيحاءاته، على تفاوت في التعليق حسب ما يراه المؤلف مستحقا أو غامضا، أو منسبا.

النقطة الثانية: المراقي والميزابية مدرسة الأصول الشنقيطية:

وفيه وقفتان:

الوقفة الأولى: معالم الاتفاق بين الكتابين

أولا- يعتبر علامتا القرن 13 هـ، الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج ابراهيم، والشيخ محمد المام بن البخاري، رحمهما الله تعلى، نادرا عصر ملكا ناصية التأثير والأستذة على ما بعده في قطره، بل خارج قطره، بإشعاع حضاري تجديدي، علمي عالمي موسوعي..

ثانيا- ثناء العلماء على المراقي والميزابية وصداهما:

وغني عن قولنا أن المراقي تجاوزت إلى ما فوق العالمية، إذ صارت أهم مقررات الأصول في المسجد النبوي والجامعات الإسلامية عبر العالم، ومن أبرز الذين أحالوا على الميزابية واحتفوا بها العلامة زين بن اجمد اليدالي، قال في كتابه المواهب الربانية (وقال أعجوبة الزمان الشيخ محمد المام بن البخاري في قصيدة له في الجدل سماها الميزابية:

جادل بحق ليس يبرح ذابها _ حقا كهو وباطلا قد شابها

وهي طويلة وعجيبة)[1]

ويقول العلامة زيد بن اجمد أيضا في سياق كلامه عن الظاهر وأنه ظاهر (إما بنفسه أو بأمر خارج وهو المؤول تأويلا صحيحا قال الشيخ محمد المامي في ميزابيته:

ذات الظهور بنفسها أو خارج_ كل تشاكه جنة أبوابها)[2]

وممن أعطى للميزابية بعدا عالميا، ومكانة علمية فائقة، العلامة الشيخ عبد الله بن بية في أمالي الدلالات، الذي رصع بها مواضع من كتابه، مثل:

قوله (وراجع أمثلة حسنة ذكرها العلامة الشيخ محمد المام بن البخاري في شرحه لقصيدته الجدلية الرائعة عند قوله: بانت حقيقة مستقل مفرد…) ثم وصف العلامة ابن بية هذه الأبيات بأنها اشتملت على معان جليلة من الترجيح.[3]

وقوله (وللإجمال ستة أسباب أجملها العلامة الشيخ محمد المامي في قوله:

أجمل بلفظ والتصرف لاحق_ شرك وتركيب وضد شابها

كالقرء مع ضر وفضل قلادة_ في البيع مهما تستبح إكسابها

وكعفو ذي عقد وتمر منبذ _ مسح العامة فافتحن أكوابها)[4].

وقال بعد إيراده قول الشاطبي (والعمومات إذا اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال) إلى أن قال الشاطبي (فأعملت العلماء المعنى في مجاري عمومه)، وبعد استيفاء كلام الشاطبي قال الشيخ ابن بية (قال الشيخ محمد المامي في معنى ما قاله الشاطبي:

وإذا الظواهر عارضتك فلاتكن_ غرض الأسنة تتخذك نهابها

وامنع تضافرها بصولة قلب_ تحمي الحقائق واغتنم أسلابها

واصبر لها ذا نية وبصيرة_ إن كنت تحسن في الوغى تلعابها)

ثالثا- هل يمكن أن تكون الميزابية تكملة للمراقي؟:

فقد انطلق الشيخان من حاجة بلاد شنقيط – وربما غيرها- للتجديد في الأصول من جهة وإدخال علم الجدل ساحتها العلمية من جهة أخرى، كما صرح بذلك صاحب نشر البنود في أول الشرح، وردده الشيخ محمد المام تصريحا وتلميحا في تآليف متناهية كثرة، كانت الميزابية أبرزها.

وكأنهما واقعيا سدا مسدا في هذا الباب بما يشبه عمل الفريق، أو التكامل بين المبرِّزَين، كان ذلك عن إرادة منهما أو من أحدهما، أو كان من حسن تدبيرٍ لهما ممن له الخلق والأمر، دون تقدير منهما ولا تدبير.

إذ نجزم أنهما اتفقا على حاجة الأصول للتجديد وإعادة التأصيل والتيسير، مع معرفتهما بالمدرسة الأصولية المعتمدة وملاحظة جوانب النقص أو الخلل الظاهر فيها.

وبما أن الشيخ محمد المام صرح بأنه ألف 100 تاليف في الأصول، كما في السلطانية: (مكمل المائة في الأصول)، وبما أن الشيخ محمد المام وجد بعض كتب الشيخ سيد عبد الله مثل طرد الضوال، الذي سجل إعجابه به وبمؤلفه، وعليه ألف كتابه “رد الضوال”، فإن السؤال يبقى مطروحا: هل كانت الميزابية تكملة للمراقي؟ أم أنها تكملة لأحد تلك المائة التي ربما زادت في الأصول؟ وذلك ما يعني أن الشيخ محمد المام ألف كتابا على منوال المراقي في عداد كتبه الأصولية المفقودة؟

أو أنه ألف في أبواب أصول الفقه تآليف متخصصة كما ألف الميزابية في باب الجدل، فتكون الميزابية تكملة لمجموع تلك الكتب المفقودة لا لكتاب منها؟

أم أنه ألف تكملة للنقص في المدرسة التي تعتمد جمع الجوامع، ومحل نقصها صنفه بأنه باب الجدل الذي هو محل نقص عند جمع الجوامع نفسه؟

الوقفة الثانية: خصائص كلا الكتابين:

يمكن أن نتتبع بعض الفروق بين الكتابين:

أولها- يتميز كتاب المراقي، بكونه كتاب جامع لأبواب الأصول، بينما ركزت الميزابية على باب الجدل، وما تتطلبه تلك المعركة مثل القوادح التي ينبني عليها الصراع الجدلي، لحظة المعركة.

ثانيها- اختارت المراقي بحر العلوم الموسوم بالرجز، بينما جاءت الميزابية شعرا في بحر الكامل.

ثالثها- اعتمدت المراقي مدرسة جمع الجوامع، دون مواربة، كما دل عليه قوله:

مما أفادنيه درس البرره _ مما انطوت عليه كتب المهرة

كالشرح للتنقيح والتنقيح _ والجمع والآيات والتلويح.

مقابل الثورة التجديدية للميزابية على (المدرسة الكلاسيكية) مدرسة جمع الجوامع المعتمد، كما قال:

جمع الجوامع عندهم أقصى المنى_ هيهات سايرت المنى أربابها.

النقطة الثالثة: الميزابية وخلاصة الأصول، وفيه وقفتان:

الوقفة الأولى: يمكن أن نلاحظ قواسم مشتركة بين الميزابية وخلاصة الأصول:

أولا- كلتاهما ألفت لتكون تكملة أصولية من حيث المبدأ لما هو متدارس من الأصول، على ما صرحت به الخلاصة وجسدته الميزابية.

ثانيا- كلتاهما ألفت لتكتشف “المختصر الأصلي لابن الحاجب”، وشرحه للعضد الإيجي، كما صرح بذلك المؤلفان، دون مواربة.

ثالثا- كلتاهما تباهي بكثرة المراجع الأصولية وأصالتها وتأصيلها.

رابعا- كلتاهما صرحت بأمهات مراجعها الأصولية.

خامسا- كلتاهما تضرب صفحا عما لا يعرف له تطبيق فقهي، كما صرحت به خلاصة الأصول، وجسدته الميزابية، فقد قال الشيخ ابن بدي:

ولم يكن من مقصدي ذكر لما _ لا ينبني فقه عليه علما.

الوقفة الثانية: يمكن اسكتشاف بعض الفروق العامة بين الكتابين:

ألفت الميزابية حوالي منتصف ق 13 هـ، ثم جددت “خلاصة الأصول” طريقها حوالي منتصف ق 15 هـ.

جاءت الميزابية قصيدة شعرية من بحر الكامل، بينما قرب عبارةَ خلاصةِ الأصول بحرُ الرجز.

جاءت مصادر الميزابية في مقدمتها، بينما جاءت مصادر خلاصة الأصول في خاتمتها، ويمكن ملاحظة ذلك شبها لها بالمراقي.

ولا يخفى أن لكلا الكتابين زيادات في المصادر على الآخر، وأهمها ما كان له تأثير أو تأكيد للمنهج العلمي، مثل تفرد الشيخ محمد المام، وانجذابه نحو مدرسته التي ينشد تيسيرا وتأصيلا، كأخذه من مفتاح الوصول للتلمساني، (ت: 771 هـ)، وابن الخطيب (776)، و فرج بن قاسم ابن لب (ت : 782)، ويمكن في المقابل أن يفترض لخلاصة الأصول، فضل الرجوع للبرماوي (ت: 831) صاحب الفوائد السنية على ألفيته، وإن كنا لا نجزم بعدم رجوع صاحب الميزابية له.

تميزت الميزابية بما يعرف أكاديميا بنقد المصادر والمراجع، بل نقد رجال التخصص أو العلماء والباحثين من خلال تعاملهم مع المصادر والمراجع، بنبرة لا تخلوا من حدة، بينما اختارت خلاصة الأصول التنويه ببعضها دون بعض.

ولك أن تقارن بين قول الميزابية:

ويتيمة ابن الحاجب احتجبت به[5]_ وبه الفتى البكري فض حجابها.

إذ كان من حَلي الجدال جدارها _ فأباح من فتح الجدار قبابَها.

ثم قال:

ولينشأنْ في الحلية القوم الألى_ وكلوا الخصام لمن سبت خطابها.

سبعون تاليفا بفن أخطأت_ ما خص طائفة به أصحابها.

ثم قال:

إن البصير إذا يكون مهبجا_ سوى البلاد سرابها وشرابها.

وأصار مشخلبا جمانا رائقا _ والقشر من عود النصوص لبابها.

إلى آخر تلك المواقف الميدانية التي عاشها صاحب الميزابية مع رجال عصره ومراجعهم المعتمدة.

ثم قول خلاصة الأصول:

كان اعتمادي في الكثير الغالب _ فيه على مختصر ابن الحاجب.

وشرحه للعضد الذي بهر _ …

وقد أخذت من رجال مهره _ كالتاج في كتبه المشتهره.

وشارحي الجمع الوعاة البرره_مع بحوث شيخنا المحرره.

في شرحه الكبير للمراقي_ إذ كان حقا حلية التراقي.

لم تصرح مقدمة الميزابية، بأكثر من المرجعين محل التنويه، والمفاخرة في باب الجدل الذي قل رجاله، بينما سردت خاتمة الخلاصة أكثر من 20 مرجعا أصوليا.

لم يكن تبويب الميزابية عاما ولا كافيا في نظر المبتدئ مثلي، بينما تميزت خلاصة الأصول بكثرة العناوين، وحسن تفصيل الأبواب إجمالا.

تميزت خلاصة الأصول بسلاسة العبارة، وقرب الدلالة، بينما اختارت الميزابية جزالة الألفاظ لحد الصعوبة، ولعلها أخذت ذلك من موضوعها ومقصدها، إذ ليست مجرد تأليف نظري بل هي عمل ميداني أو”رسالة قاصر”، كما سماها تواضعا، لإدخال علم الجدل لعقول قوم ما ألفوه، كما صريح به الشيخ في الدلفينية:

وربما حسبت حربا مذاكرة_ذاك الطعان الذي فيه الكتاتين

لكنها بعد ذاك الطعن قد عقلت_سلما يصاحبها للحق تبيين

إياي أن يسبق الرمي الطعان أو الض_ ــرب العناق أو التسهيل تلحين.

بقيت الميزابية بحاجة لفهرس علمي تفصيلي، حتى بعد شرحها رشف الرضاب، بينما تميزت خلاصة الأصول مع شرحها تيسير الحصول، بجمال الفهرس وحسن ترتيبه وكثرة عناوينه.

وسع الميزابية 163 بيتا تقريبا، بينما كملت الخلاصة 1139. بيتا تحديدا.

احتلت الميزابية مع طرتها…. مقابل 560 صفحة لخلاصة الأصول مع شرحها، .

أجمعت الميزابية أمرها نحو هدف محدد هو شق طريق التأطير على دخول معركة الجدل بكل أهلية واستمتاع، بينما سلكت الخلاصة مسلك مراجعة عامة للأصول دون التركيز على باب من أبوابه بشكل خاص.

اختارت الميزابية مطلعا شعريا بعيدا عن التأطير المعهود في الأنظام العلمية من الحمد والصلاة والتسليم، ليكون ذلك ميزة علمية لخلاصة الأصول.

تميتزت الميزابية بكثرة النكت والاستعارات، بينما اعتمدت خلاصة الأصول الطريق العلمي الأصولي الجاد والصريح مبدأ.

تميزت الميزابية بالربط المتجدد بعصرها، والحس النقدي الإصلاحي المصطدم بواقع مجتمع معرض متنهد، بينما لم ألاحظ ذلك باهرا في خلاصة الأصول.

تعتبر الميزابية ثورة على المدرسة المستحكمة في العقول المفتونة بجمع الجوامع، ولم تصل الخلاصة لتلك النبرة التجديدية الحاسمة.

يكاد القارئ يجزم أن للميزابية مقصدا غزليا أو جهاديا، بعيدا عن الضغط العلمي المتخصص لموضوعها الأصولي، الذي كرست له خلاصة الأصول قلبا وقالبا.

يمكن أن يلاحظ القارئ تميزا للميزابية في باب الاستفادة من “يتيمة ابن الحجاب التي احتجبت بالجدل”، والبكري الذي فض حجابها، خاصة في باب القوادح، مقارنة مع خلاصة الأصول.

ولا تبعد عندي دعوى أن الميزابية توقفت مع ضبط العلاقة بين الفنون، حتى لا يبغي بعضها على بعض أو بالأحرى لا يحصل ظلم باسمها، لأصل العلوم المهيمن أصول الفقه، يفهم ذلك من قوله:

أما قواعد في المذاهب حجرت _ فضل الأصول وعطلت أسبابها.

فعسى الحليب يفي ويغني الله عن_ بقرات زيد أن يمن حلابها.

ومن المستحق الوقوف عند شعور الميزابية بأزمة مصطلحات ضربت العلم في أوكاره، وأضلت العلماء عن مظانه، مثل قوله:

وإذا يقول (انظر) فليس بمعزل_ عن رتبة ما زال يهتك غابها.

ثم قال:

وإذا نسلم وقفكم هرولتمُ _ كل المسائل تكشفون حجابها.

والنص عز وجوده مَن قبلنا_ وفرضتموه بكل فرع شابها.

فركبتم التخريج دون شروطه_ إن كان ذاك من الأمور صوابها.

نصف المسائل في خليل قلتمُ_ والنصف الآخر في المتون تشابها.

وإذا يقول الشرح: ظاهره كذا_ كان المفازة والفقيه ضبابَها.

ثم قال:

والنص قابل مجملا وظواهرا _ ومبينا مجموعها فأذابها.

ورواية المعنى يقابل إذ خلا_ من مجمل ومن احتمال اَغابها.

ك (ونص قائله كذا) فيعمها _ نظرا لمحكي يعم خطابها.

ثم قال:

وإذا عرفت الطعن فاعرف وجهه _ واصحب لكل ثنية جوَّابها.


المراجع:

[1]- المواهب الربانية في اعتقاد أحسن المذاهب بالتيجانية، مخطوط، ص 90، بواسطة رشف الرضاب، ص 59.

[2]- المجموعة الكبرى للدكتور يحي البراء، ط: 1، م: 12، ص 5960، بواسطة “رشف الرضاب”، ص 60.

[3]- أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات، دار المنهاج، ص 640، بواسطة رشف الرضاب، ص 62.

[4]- أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات، دار المنهاج، ص 174، بواسطة رشف الرضاب، ص 62.

[5] -يعني به الجدل، فهو عطف على قوله (إجماع الامة في الجدال مسلم)


أنس أحمد بزيد أحمد ديدي – باحث في الدراسات الإسلامية – جامعة الزيتونة- تخصص الشريعة والقانون.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى