الورطة

بسم الله الرحمن الرحيم

قصة قصيرة

اعتكف الأهالي في “أكواخ الدجاج” التي يسكنونها، استجابة لحظر التجوال الإجباري الذي تفرضه ـ عادة ـ شمس يونيو الحارقة، في أغلب أيام هذا الشهر، من منتصف النهار وحتى الساعة الرابعة مساءً.

لم يتعود الأهالي أن يخالفوا حظر التجوال الشمسي، رغم أنهم جُبِلوا على مخالفة القوانين، وحُبِّبَ إليهم كسر الأوامر. ولم يكن من المتوقع أن يخالف البعض ذلك الحظر في خامس أيام يونيو، والذي بلغت فيه درجة الحرارة رقما قياسيا جديدا.

في البداية كانت الأمور طبيعية جدا، فقد خلت الشوارع من المارة تقريبا، باستثناء بعض الحالات المحدودة جدا، والتي لا يمكن اعتبارها كسرا لحظر التجوال: أطفال يبحثون ـ عبثا ـ عن قطعة ثلج في دكاكين الحي، رجل يخطو مسرعا إلى كوخه بعد أن دفع ـ على غير عادته ـ مائة أوقية إضافية، لكي تنعرج به سيارة الأجرة لتوصله إلى أقصى مكان في الحي يمكن أن تصل إليه سيارة، سيدة أجبرتها ظروف قاهرة للخروج.

كانت النساء أكثر استجابة للحظر من الرجال، وكانت القليلات منهن اللاتي تفرض عليهن الظروف كسر الحظر، يخرجن ملثمات منقبات، لكنهن كن يكشفن عن رؤوسهن وصدورهن، في أول لحظة يلجن فيها مساكنهن المكشوفة للمارة وللجيران. فشمس يونيو لا تكتفي بحظر التجوال, وإنما تفرض على النساء اللواتي يكسرن الحظر, أن يلبسن زيا محتشما في الشارع، في حين أنها كانت تبيح للملتزمات بالحظر التبرج في أكواخ الصفيح المكشوفة.

ظلت الأمور شبه طبيعية، إلا في حي سكني واحد, من أفقر الأحياء السكنية في مقاطعة الميناء. فقد لوحظت في ذلك الحي حركة غير مألوفة.

لقد كانت حركة الناس في ذلك اليوم مثيرة للدهشة وللاستغراب…

وكان اتجاه الحركة أكثر إثارة للدهشة وللاستغراب, حيث كانت أفواج الرجال والنساء والشباب والفتيات, تتجه فرادى وجماعات, إلى محل الخياطة الوحيد في ذلك القطاع السكني الذي تكثر فيه أكواخ وأعرشة الخشب والصفيح.

وكان الأغرب من ذلك كله، أن تلك الحركة كانت تزداد كثافتها كلما اقتربت عقارب الساعة من الثانية ظهرا, وكلما زادت حرارة الشمس، ودنت أشعتها الحارقة من رؤوس المارة.
لقد شكل محل الخياطة في ذلك القطاع السكني قبلة لتلك الأفواج التي كسرت الحظر، وخرجت بشكل استثنائي، في وقت استثنائي، ولغاية استثنائية.

ولقد كان أول شيء يقوم به القادم لمحل الخياطة، هو إخراج ثلاثة آلاف أوقية، وتقديمها للخياط.

أخذت الأصوات ترتفع شيئا فشيئا في محل الخياطة، وكان كل واحد من الوافدين يدعي بأنه أولى من غيره بمرافقة واستضافة الخياط الخمسيني لدقائق معدودة.

قالت سيدة عجوز: عليكم أن تحترموا سني، فالشيب تحترمه الملائكة، وأنا أحق منكم بمرافقة الخياط.

قاطعها شيخ بلغ من العمر عتيا: الرجال قوامون على النساء.

تدخل شاب في مقتبل العمر وقال: إن الزبون الأكثر وفاء والتزاما بأوقات التسديد، هو الأجدر بأن يُبدأ به.

رد عسكري غاضب : أنا أولى منكم جميعا، لأني اشتغل في الليل، والفرصة الوحيدة المتاحة لي هي فرصة الثانية ظهرا.

اختلطت الأصوات وتداخلت، ولم يعد من الممكن تمييز بعضها عن بعضها الآخر. كانت الأصوات تزداد ارتفاعا وحدة، كلما اقتربت عقارب الساعة من إعلان تمام الساعة الثانية ظهرا.

وكان الارتفاع المتصاعد للأصوات ينبئ بأن الصراخ لن يكون لوحده كافيا لحسم الصراع الدائر بين تلك الجموع، للفوز بمرافقة الخياط. لذلك فقد أخذت الأيادي تتحرك. في البداية كانت تتحرك بهدوء وبحياء، لكنها سرعان ما أخذت تتحرك بخشونة وباستهتار.

بدا الناس في داخل محل الخياطة في ذلك اليوم الحار، وكأن ضربات شمس يونيو قد أصابتهم بمس من الجنون، أو بمرض نفسي نادر: كسر جماعي للحظر، صراخ جماعي، غضب جماعي، وحركات وتراشق جماعي بالأيادي.

حاولت السيدة العجوز ـ من جديد ـ أن تحسم الأمور لصالحها، واستخدمت هذه المرة يدها، بعد يئست من الفوز بالخياط عن طريق لسانها. أدخلت يدها في كم دراعة الخياط، وأخذت تسحبه خارج محل الخياطة. وهنا أيضا تدخل الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا، وشد إليه الكم الآخر، وأخذ يسحبه بقوة مساوية لقوة العجوز، لكنها معاكسة لها في الاتجاه.

أصابت العدوى بقية الأيادي الأخرى، فامتدت كل يد لتنال نصيبها من ثوب الخياط.

أشارت الساعة المتهالكة المعلقة بأحد جدران محل الخياطة المتهالك، إلى تمام الساعة الثانية ظهرا، ولم يستطع الخياط ـ في هذه المرة ـ أن يفتح جهازه الإذاعي المتهالك، ليتأكد من أن ساعة ” بيكبن” لا زالت تحتفظ بتوقيتها الصحيح.

كان دليل الخياط الوحيد لدقة توقيت تلك الساعة الشهيرة، هو أن يتوافق توقيتها مع توقيت ساعته الجدارية المتهالكة. أما إذا حدث وأن خالفت ” بيكبن” ساعته الجدارية ـ ولو بثوان قليلة ـ فذلك يعني أنه على “بيكبن” السلام ، وعلى التوقيت العالمي الموحد السلام، وعلى العالم أجمع السلام.

في ذلك اليوم ـ وعلى غير عادته ـ لم يستطع الخياط أن يتأكد بأن “بيكبن” لا زالت بخير، وأن العالم لازال بخير. بل إنه لم يعد قادرا على أن يتأكد في تلك اللحظة بأنه هو بنفسه لا زال بخير. لقد كان يخاف في تلك اللحظة بالذات، من أن يموت بسبب الاختناق بفعل ضغط الأكوام البشرية المحيطة به، أو أن يموت شنقا بدراعته، لذلك فقد كان يعمل جاهدا من أجل شق دراعته، من قبل أو من دير، حتى يتخلص منها، ويهرب بعيدا عن تلك الجموع المجنونة، إلى أي مكان آخر من أرض الله الواسعة.

أيقن الخياط ـ الذي هو أيضا مؤسسة صغيرة لتوزيع الكهرباء في الحي ـ بعد أن فشل في التحرر من دراعته، بأنه قد أوقع نفسه في ورطة كبيرة، عندما قطع الكهرباء عن زبائنه قبل حلقة حرجة جدا من مسلسل “مراد”، وذلك لإجبارهم على تسديد الفواتير، التي تأخرت بخمسة أيام كاملة عن موعد تسديدها.

تصبحون على اهتمامات أخرى…

محمد الأمين ولد الفاظل

رئيس مركز ” الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية

هاتف 6821727

www.elvadel.blogspot.com

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى