عمامة أبي بكر

المعروف عنه أنه ما كان من أهل الولاية ولا الكشف ولا كان في آبائه من ولي ولا مكاشف، ولكنه كوشف يوم ذلك الكشف الذي لا مرية فيه كفلق الصبح لا يستطيع له ردا ولا تكذيبا، كوشف بما تكنه ضمائر القوم الذين كانوا معه في بهو المصرف ينتظرون تصرف البنك أن يتجلى لهم فينبئهم بما في صكوكهم ويدفع إليهم ما تحويه فضة سائلة مسؤولة..

كوشف له يوم ذلك عما عبرت به كل رجل من القوم نفسه كأن يشاهد مكتوبا بحروف واضحة على جبينه لا يتماوى اثنان في محتواها ولا شكلها.

شاهد رجلا في سن الأربعين كث اللحية شديد بياض العمة وكان خاطره مشغولا بالمسجد الذي أوشك بناؤه على الانتهاء في حارتهم هو سيوفق في أن يكون هو المؤذن فيه وإذا تيسر له ذلك هل سيكون له راتب واصب أم أنها ستكون صدقات جزافية ترسلها الدولة إلى المسجد فيذهب الإمام بنصيب الأسد ويعطيه منها هو فتاتات لا تسمن ولا تغني من جوع…

وكوشف عن رجل باد عليه الخشوع فإذا هو يحدث نفسه كيف سينجو من أهوال الموت وكيف سينجح في امتحان سؤال الملكين وكيف سيواجه مواقف الحشر والنشر والحساب وعقبات الصراط وكيف النجاة من كل تلك الأهوال..

وكان بجانب هذا الرجل رجل جل فكره مستغرق في الاستحقاقات البرلمانية والبلدية المقبلة وعن مدى حظه في الفوز فيها وعن التحالفات والاتصالات التي يجب أن يقوم بها من الآن لهذا الغرض وعن أسباب فشله الذريع في الاستحقاقات الماضية..

وبجانبهما شاب قد استحوذ على كل فكره خطبة غانية من غواني زينه تعرف عليها حديثا ولا يدري هل سيسرع شبابه ووسامته حيث أبطأ به جيبه وثقافته…

وأبعد من ذلك ذات اليمين تاجر من تجار السقط وهو مشغول البال بصك دفعه إليه أحد المعلمين من زبنائه وهو مشفق أن لا يكون فيه شيء قل أو كثر وهو يقول: لقد فعلها بي مرة ومرتين فعفوت عنه أما هذه فإن عاد لي بمثلها فلن أعفو فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فأحرى ثلاث.

وأغرب من هؤلاء كلهم وأعجب رجل منعزل في زاوية من البهو يحسبه الناظر غير معني بشيء من أخبار الصكوك، وكان يفكر تفكيرا عميقا في… عمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، نعم أبو بكر الصديق ثاني اثنين رضي الله عنه كان يفكر في لونها وجنس القماش الذي منه صنعت وهل خاطتها له عائشة أو أم رومان وهل كانت تشبه عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل كان يلبسها في غالب أحواله أو يتركها وهل أورثها بنيه من بعده وهل حافظوا عليها أو اعتبروها من سقط المتاع وهل تشبه عمائم قريش الآخرين أم تمتاز عليهم بشيء.

كل هذه الأسئلة كانت تتزاحم في ذهن ذاك الرجل ولم يجد لها حلا إذ يبدو منه أنه لا يريد لها حلا وإنما يريد أن يطرحها لتبقى مطروحة.

ولم يكاشف لصاحبنا عن سبب هذه الأسئلة هل هي حلقة مسلسل فكري فاته أوله أم أنها وليدة وقتها. هذا اللغز محير لم يستطع صاحبنا صبرا عن استكناه سره ولم يستطع له حلا.

لذا أخذ عزمه بيديه واقترب من الرجل المذكور فسلم عليه وقال له بعد الايناس والإبْساس: إني سائلك عن أمر فلا تجد في نفسك علي منه، فإن أجبتني عنه فمشكور وإلا فاكتم علي ما فاء الله، قل لي بربك: لماذا كان جل اهتمامك وحديثك نفسك هو عن عمامة أبي بكر الصديق.

هنالك ضحك الرجل ملء فيه وقال بصوت أعطته القهقهة وقعا منكرا: لقد كذب كشفك يا أخي، وكم فعلها الشيطان بالضعفاء من أمثالك! أحسبتني كنت أفكر في عمامة أبي بكر الصديق؟ كلا والله ما كنت أفكر فيها فعمامة أبي بكر الصديق أجل وأعظم من أن تتناولها شفتاي الصغيرتان الضعيفتان، في الحقيقة إنما كنت أفكر في عمامة أبي لهب وأطرح الأسئلة بشأنها فأراك الشيطان إياي أفكر في عمامة الصديق ولقد كذبك فإنه لكذوب.

بقي أن أنبهك إلى أنني ما كنت أفكر في عمامة أبي لهب الوارد في السورة التي تحمل رقم 111 وهو عبد العزى بن شيبة بن عمرو بن المغيرة بن قصي وإنما عن أبي لهب آخر من أهل القرن الواحد والعشرين لا ندري إلى أي قبائل العرب ينتسب… قال له صاحبنا: هل هو ذلك؟ قال: نعم هو ذلك.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى