معزوفة الشاي

  • كانت من أَبرع النساء في فنون المحبة والهوى، وكانت تعامل حبيبها برقة ومرونة .. فبالغت في الرقة والمرونة. وكانت تعبر عن مشاعرها بأشكال من الرمز البديع، وكان حبيبها -لحسن الحظ- يفهم الرمز والإشارة. الحديث بينهما كان يدور وهما صامتين. فشكل الثياب التي ترتديها يتضمن معنى، ولون الثياب التي ترتديها يتضمن معنى، ولون خديها وشكل ضفائرها يتضمن معنى آخر. وكان عطرها ترجمانا ينوب عن اللسان والصوت الصريح.
  • ***
  • كل نظرة أو حركة لديها تعبر عن شيء معين. وعلى كل زاوية من جسمها قصيدة مكتوبة. في عينيها أسئلة كثيرة، وفي أصابعها إشارات الاستفهام.. تشتم الأجوبة عليها في دخان سجائره، فإذا تناول سيجارة وأشعلها، فذلك يعني أنه تناول الحديث. وإذا نظرت إلى الرمادية التي بجانبه، لوجدت أن عدد البقايا فيها يشكل مقياسا وفيًّا، لمدة الحديث بينهما ودرجة حرارته.
  • نبضات قلبها تكاد تكون مسموعة مرئية، في نبرات صوتها وشاشتي خديها.
  • ***
  • كان إذا زارها تقوم بصنع الشاي.
  • كان إذا زارها تقوم بصنع الشاي دون أن تستأذنه على ذلك، وتشعر بالرغبة في صنعه. تلك أول فقرة في أخلاقيات صنع الشاي.
  • وكانت تحرص أيضا على ألا تستعين على إعداده بأحد.. توقد النار دون أن تعير منه حتى علبة عيدان الثِّـقاب..
  • إن طريقة صنع الشاي لديها معزوفة موسيقية رائعة .. الكؤوس، الصينية، الإبريق، السكرية.. كلها آلات موسيقية.
  • النار تتلظى، والجمر يتشظى، رجم نجوم وألعاب نارية، حفل افتتاح.
  • ***
  • تبدأ المعزوفة بصوت غليان الماء، وتنتهي بتصفيق الكؤوس عند غسلها معًا.
  • جمرات الفحم تنشر الدفء، والحنان، والأشعة الحمراء. المزهرية الخضراء تنشر الرائحة الخفيفة، واللَّون الخفيف.
  • ***
  • ترفع الإبريق مثل الكمان، تسكب منه شلاَّلا من الذهب المصفى، صوت الكمان عذب، ولذيذ طعم الذهب المصفى، وقد ذُوبت فيه قطعّ من السكر الثلجية.
  • ثم تبدأ العزف بالكؤوس على آلة البيانو، طنين اصطدام الكؤوس بالصينية، ورنين ارتجافها تحت تأثير قوة ضغط الشَّلال.
  • تلمس أزراره واحدا واحدا، من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، سبع مرات. كل كأس تحمرُّ، ثم تبيضُّ، ثم تحمر، ثم تبيض ، سبع مرات.
  • تترك البِيانو قليلا، وتأخذ الكَمان قليلا، وتترك الكمان إلى البيانو، ثم تعود إليه ..
  • إنها تحسن العزف على الكمان، وعلى البيانو، مثلما تحسن الحديث بالرمز.
  • ***
  • عندما تحمرُّ جميع الكؤوس في آن واحد، فذلك يعني أنها ترغب في تناول الحديث من جديد، لتطرح سؤالا. تترك العزف، وترفع الوجه إلى رفيقها، تناوله كأسا وقد ذَوَّبت فيها سؤالا، وقطرة من عصير المعاني، وعطَّرتها برحيق الابتسام. يتناول الكأس، وفي تناوُلِه للكأس -من يدها- يكمن الجواب. وتزيد الأحاسيس عمقا وحجما، إذا تصادفت الأصابع.
  • ***
  • قبل أن تبدأ الفصل الثاني، تأخذ قسطا قليلا من الراحة، تدير خلاله الحديث بعينيها. حديث العيون ساحر، وناعم، ومثير. جميع المعاني تفيض عنهما، وتأوي إليهما الأشياء، مركزان لجاذبية المعاني، والألوان، والأشكال.
  • ***
  • تعود الكؤوس بلهفة إلى جوارها، حتى الكؤوس لا ترغب المكوث طويلا إلا بجوارها، كل كأس تحاول أن تسلك أقرب طريق للوصول إليها. منها التي تعود إليها عبر جسر من الأيدي، ومنها التي تمر إليها عن طريق البر، لعلها أقرب. ومنها التي تسرع عن كل هذا، وتمضي عن طريق الجو، فتطير من أيدي الشاربين إليها، لا تخشى مخاطر الهبوط ولا متاعب السفر.
  • ***
  • تستقبل الكؤوس عند عودتها بلطف، وتداعبها، وتجمعها، ثم تنظفها بالماء، وتجففها من الخارج بمنديل أبيض، وتعيدها إلى نظامها نصف الدائري حول الإبريق الذي كان يراقب حفل الاستقبال.
  • ***
  • أما الكأس التي كانت تحمل الشاي- وغيره- إلى رفيقها، فقد خصصت لها استقبالا خاصا، وأحاطتها بعناية خاصة، حتى كادت أن تكون أكثر لمعانا من بقية الكؤوس، وعينتها لوظائف سامية، تليق بها. ترفعها أحيانا إلى فمها، وترتشف منها لتقيس ما إذا كان الشاي بحاجة إلى درجة حرارية أو قطعة من السكر.
  • وكانت تحرض أيضا على أن تجنبها عناء المهام الشاقة، مثل كسرِ السكر أو تحمُّل درجات عالية من الحرارة، أو حمل الشاي إلى بقية الشاربين..
  • أما كفا الكأس إجلالا وتكريما، أنها لامست شفاه مولاتها، ونالت من رضاب ثغرها.
  • ***
  • عندما يحين الوقت المناسب، وبعد أن يكون كل شيء حيث يجب أن يكون، وبعد أن يستتب الهدوء، يبدأ الفصل الثاني من السنفونية الرائعة.
  • يبدأ بزغردة الماء المعدني داخل الإبريق، تتلوها قرعة الغطاء على فوهة الإبريق، قبل رحيله إلى الجمرات ليستقر عليها، وتستعد النفوس عند قرع الجرس.
  • ثم يعود الهدوء من جديد، الوتيرة الأساسية في معزوفتها هي الهدوء.
  • ***
  • يشعر الإبريق بـألم شديد، لا يعود أصله إلى حرارة الجمر بقدر ما يعود إلى الشعور بالبعد، والعزلة، وتَوقِ آماله إلى العودة والغناء.. تتقطع أسبابه فيبكي بصمت.
  • ***
  • العامل الزمني خاضع لإرادتها، الأشكال خاضعة لسلطانها، الأشياء حولها جاءت لتبايعها.
  • إنها تدير مملكتها بكثير من الحكمة وحسن التدبير. الأشياء تبقي حولها في نظام وهدوء، في انتظار أن يؤذن لها في الوقت المناسب..
  • إنها تتحكم في كل شيء، حتى في مرور الزمن. فالوقت لديها لا يمر هكذا، والثواني ليست مُبعثرةً، عليها أن تسير في طابور بنظام وهدوء.
  • لا ثانية تمضي إلا بعد الإدلاء بجوازها السفري وتأشيرة للمرور. وقد أصدرت مرسوما ملكيا، يحدد سرعة مرور الزمن، ويحدد حجم النجوم.
  • ***
  • تمر الدقائق والإبريق يعاني ما يعاني، من حر النار وحر الفراق، ومرارة الحياة في المنفي، فيَجهش بالبكاء، وتسيل منه الدموع ببطء، لتطفئ الجمرات فلا تنطفئ، ويحاول أن يطير فلا يستطيع، لقد أخذ الإنسان حكمة الطيران من الإبريق..
  • كبده تحرق، زفراته تتعالى، ويغلي ما بداخله ويضيق به المكان، فجميع ما بداخله يحاول الفرار منه، لا يقدر إلا على التنهد، والارتجاف والصفير. تنهُّدِ مقهورة، ورجفةِ عصفور، وصفيرِ قيثارة حزين.
  • كلما زاد غليان ما بداخله، كلما زاد صفيره حدة، وفر بخار الماء من ثقبه، ومن جنباته، إلى الخارج، ليعيش مع الأحرار: عطرها، وعطر الشاي، ودخان السجائر، والهواء النقي .. مزيج من الأحرار يعيش في منطقة معفاة من الضرائب والرسوم الجمركية.
  • تعب الإبريق من بكائه وأحزانه فأشفقت عليه وأعادته إلي موطنه، معزوفته ليسمعنا ويسقينا.
  • ***
  • يعود الكمان إلى مسامعنا في مقامه المفضل، وتستجيب الكؤوس لحسن الإيقاع، وتستعد النفوس.
  • المقطع الثاني أحسن مقطع من مقاطع معزوفتها، يأخذ الرمز فيه شكل رنات موسيقية مسموعة بوضوح. حيث يكون طعم الشاي أحلى، ولونه أرق، ومزيج الروائح أشهى إلى النفس، والأميرة أجمل، ورضاب ثغرها أعذب.
  • جعل الله قمة الأشياء دائما في الوسط. قمم الجبال في الوسط. وفي قمة النهار تكون الشمس في وسط السماء. وفي وسط الدورة القمرية عند النساء، يكتمل الخصب، والأنوثة، والبدر.
  • ***
  • عند ما يبلغ الشاي القمة في طيب الرائحة، وحسن اللون، ولذاذة الطعم، تسكبه داخل الكؤوس، فتحمرَّ أنصافها، وتبيضَّ أنصافها، وتشُدُّ الرحال على طبقٍ يطير. تحمل شايا بلغ الغاية في الجودة، بالمقاييس العلمية، والمعادلات الجبرية. شاي خاضع لنظام : كفاية في الإنتاج، عدالة في التوزيع، وروعة في الجمال.
  • ***
  • كانت الأميرة إذا نظرت إلى جوارها وتصادفت عيونهما، تتحرك الأشياء ، تحترق الأعصاب، تحتدم الدماء، يجتاحه سكر، يجتاحها إغماء، يرتفع الضغط الدموي عند كليهما، تحمر خداها على حساب لون بشرتها، تزيد دقات قلبها عنفا، تنكسر الأنظمة، فينهار الجدار، وتحيد عن مواقعها نجوم.
  • يهتز العرش، فيميل التاج، ليترك شعر الأميرة عاريا أكثر مما يسمح به القانون، وتبدو الضفائر السوداء أجمل مما يسمح به القانون. جميع الأشكال والألوان، ثارت على العرش، وعند الثورة يُجهل القانون.
  • ***
  • كلاهُما يشعُر بالدُّوار والارتباك، فهو يحاول ضبط النفس بواسطة التدخين. يتناول سيجارة ويشعلها مقلوبة -عن غير قصد- ويرميها. يشعل أخرى، ويتركها معلقة على شفة ترتجف. يعتريه الظلام ويبقى معلقا تحت مظلة من غيوم الدخان.
  • أنسته النكهة حتى طعم سجائره، وكيف يشعلها وكيف يشعل عيدان الثقاب.
  • ***
  • تُعلن حالة الطوارئ وتُقام الحواجز، تقوم الأميرة بإجراءات طارئة من أجل استرجاع هيبتها، تقضي بتوقيف الزمن، وحذف النجوم، وتثبيت العرش، وتقويم التاج، وعقاب الضمائر المتمردة، على عصيانها بالسجن، ويتم توقيع معاهدة للسلام.
  • ***
  • إنها كانت في الأخير -مهما كانت حدة التوتر والنزاع- تسيطر على الموقف، وتعيد الأمور إلى نصابها. رغم أنها شديدة الانفعال والعنفوان، مع لينها ورقتها.
  • إنها كانت تصارع الإعصار في عنفه -مهما كانت شدته- و تقتحم الإعصار، لا تسمع نهي الرعود، وتعبره إلى داخله لتنعم بالملك في عينيه، في عاصمة بحر الهدوء.
  • عملية العبور صعبة وتم تنفيذها بنجاح.
  • ***
  • وعودة الهدوء عودة إلى الغناء والمشاهد الخلابة. فالهدوء في معزوفتها هو لحنها المميز، ووجه الأميرة مشهد خلاب، ونظام الكؤوس -قبل رحيلها- نظام قلادة ثمينة معروضة على كفة فضية للبيع.
  • الإبريق يتيمتها، وكل حبة منها مقسمة بين مسحوق العاج ومسكوب العقيق، والمسحوق منفِذٌ للمسكوب، ولا يمازحه، ضمانا لصحة لون العاج، وصحة لون العقيق.
  • الكؤوس من البلور، وليست من الذهب. وشرب الشاي في كؤوس البلور أفضل من شربه في كؤوس الذهب. فالبلور منفذ للنور والبصر.
  • ***
  • إنها كانت تحسن صنع الشاي وتكريره، وتبالغ في صنعه. كانت تحيطه بجميع المعادلات الفنية التي تتحكم في كمه، ونوعه، ودرجات تركيز الماء والسكر والمعطرات، وضبط درجات الحرارة، مع الحفاظ -بدقة مذهلة- على اللون والطعم وحتى على شكله الخارجي..
  • ***
  • إنها كانت تمارس فعل الشاي تماما مثلما تمارس شعائر دينها، فليس من الصدفة أنها أدارت الكؤوس سبع مرات، أو أنها سقت رفيقها الشاي ثلاثا، أو أنها تبدأ باليمين وتنتهي باليسار..
  • فجميع الأعداد موجودة عندها في أية ملكها.
  • الوتر وتر، مسلم به، والشفع وتران، والشاي شفع وتر، والصلاة في الأصل أربع ركعات، ومواعيد الصلاة خمسة في اليوم، والله خلق الكون في ستة أيام، وأيام الأسبوع سبعة، وعجائب الدنيا في التاريخ القديم سبع، مثل رؤوس الغول، والسماوات سبع طباق..
  • البقرات سبع، والسنبلات سبع، والسنوات سبع عجاف..
  • المثاني سبع. وفي السبع سر، لا يعلمه إلا الله .
  • سيد احمد ولد مولود
  • أكجوجت تموز 1987م
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى