لاتفسدوا في الارض

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كرم الله بني آدم، وجعلهم خلفائه في الأرض، ورزقهم من الطيبات؛ شعوبا وأمما؛ ورعية وحكاما، وأمرهم بالمعروف؛ ونهاهم عن المنكر، وسنحاول التعرض لهذا الموضوع؛ بإيجاز وذالك عبر المحاور التالية:

ـ ما هي رسالة الأمة ؟

ـ ما هي رسالة الحاكم؛ وهل هو مالك أو وكيل ؟

ـ هل للحاكم أن يفرط في شبر من بلاد الأمة ؟

ــ منذ أن خلق الله البشر من الأرض؛ وأستعمرهم فيها؛ ليعمروها بكل خير يتناسب مع تكريمه لهم، وهم يرتقون في سلم الحياة، بالفكر المتفاوت في الخيرية، علما واقتداء، أو رأيا واجتهادا، وقد نهاهم جل وعلا عن كل ما هو مذموم، ((هل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ))، في هذه الأرض التي لا يخفى ما بينهم وبينها من رحم، ((منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)) وهذه الشرائع، تنطبق على الأئمة وأتباعهم، وعلى الحكام وشعوبهم في أمة الخيرية: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر و تومنون بالله )).

ــ إن الحاكم منذ أن بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، مؤتمن ووكيل لا يملك، بل خادم للأمة، وراع لمصالحها الدنيوية و الأخروية، رسالته هي النهوض بقيادة العمل في إعمار الأرض، بإقامة الدين والدنيا، يعمل على رقي الحضارة الفكرية والمادية على حد سواء، يقود مجتمعا يرتقي؛ في الثقافة و السلوك والآداب؛ إلى مدارج الإتقان في كل العلوم والأعمال التي يحتاجها، من زراعة وصناعة وتربية روحية وجسمية ومسكن وملبس ومركب وغير ذلك من الحاجيات والكماليات، فتتجلى الحضارة بأحسن صورها وتظهر الثقافة في أبهى حللها في المدن وغيرها، هذا إذا استقام النهج وصلح الأمر فـــ”الرعية على قلب الأمير” وليس أمام الحاكم إلا طريقين، إما أن يعلم أنه خادم مؤتمن ـ مؤخر إلى أجل قريب ـ ويعمل في الإصلاح؛ الذي لا تترتب عليه مفسدة تبقى بعده، فالمصلحة الراجحة تعرف ببقائها، لأن أعمار الأمم لا تقاس بالأعوام بل بالقرون، فهنا يكون مطلق اليد مرخي العنان، يعمل من الإصلاح ما وصل إليه خياله وقدرت عليه يده، ولووصل إلى المريخ ، مستنيرا بهدي الله تعلى((الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلواة وءاتوا الزكواة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)).
وإما أن ينحرف ويظن أنه يملك، فقد جهل نفسه و دوره، وإذا تصرف بمقتضى هذا الظن كان مفسدا وليس له أن يعمل من المفاسد شيئا؛ ولو إنفاق دانق بغير حق.

هل للحاكم أن يفرط في شبر من بلاد الأمة

ليس للحاكم أن يفرط في بلد من بلاد الله، إن كان من بلاد المخالفين ـ وإنما الذي عليه أن ينشر الدين؛ وأن يعمل على أن يكون من بلاد الإسلام بوسائل المرحلة ـ أما إذا كان من بلاد المسلمين التي هو مؤتمن على رعاية مصالحها؛ فليس له ذلك مطلقا، فإن فعل، صار وكيلا عاملا بغير النظر، إن الحاكم راع في أمته ومؤتمن على أرضهم، ولا يجوز له التنازل عن رقعة منها لعدوهم، لأنه لا يملك وهم لا يستحقون، ويعتبر ذلك خيانة، ولا ينظر عندئذ هل كان التنازل مقابل أموال كثيرة؛ أو مقابل جاه عند الأعداء؛ فهما سواء، و ربما تعرض أصحاب هذه التنازلات للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، هذا في البلاد التي يمكن استرجاعها إذا تم إعداد وحشد الوسائل الكفيلة بذلك؛ من قوة ؛ أو أصاب العدو وهن أو ضعف أو هما معا.
أما إذا كان التنازل عن أرض من بلاد المسلمين، إلى عدوهم إهمالا و تفريطا مخجلا، واتُفق مع الأعداء على الوسائل الكفيلة بأن تجعل هذا التفريط إجهازا محكما على الحياة فيها، يضمن أن لا يذكر فيها اسم الله أبدا، وأن لا يؤمر بمعروف؛ وأن لا ينهى عن منكر وأن لا يشرب من مائها أي بشر؛ وان لا يأكل من أعشابها أي حيوان، فليس جزاء الفاعل متخيلا، إلا أن يكون حد الحرابة. وهذا التنازل لم يكن قبل زماننا متصورا، ولم يكن قبل حكامنا منتظرا، فقد احتل المجوس أرض العراق غزوا وخيانة، منذ آلاف السنين، وحررت منهم بعد أمد، وأعيدت لها حضارتها، واحتلها المغول بعد زمن، وأعيدت لها نضارتها ، واحتلها الإنجليز غزوا وخيانة، وأعيد لها ألقها، واحتلوها بعد ذلك وهي الآن تحاول طردهم، وستفعل إن شاء الله ، كما دارت نفس الدوائر وأشدَ وأشدْ، على القدس وحرمها، وستحرر يقينا وتعمر بالدين القويم قبل قيام الساعة .
أما ما ابتليت به أرضنا من تفريط، فهو أشد وأشنع وأقسى وأفظع من كل ما ذكر، إذ أن وسائل التدمير اتفق عليها مسبقا، وتم التسليم لها مطلقا، في أرض تم تسليمها إلى الأجانب، على أن يفعلوا هذه الأفاعيل في مدة قابلة للتجديد، بثمن قابل للتحديد و رقعة قابلة للتوسيع، في بدائل أخرى من الوطن على امتداد مناطق الإستهداف، عند الطلب، وقد استطاعت في التوسعة الماضية الإحتواء على عقلة “ابثينية الدواس”، وما حولها، لتنهي وإلى الأبد معينا ظل منذ قرون غابرة منهلا عذبا، يرتوي منه العلماء و الصلحاء والعظماء، ويعيش في أكنافهم؛ الفقراء والطلاب والضعفاء وغيرهم، بأنعامهم ودوابهم و أموالهم، يؤمر عنده بالمعروف، وينهى عن المنكر، في رقعة مضيئة من بقاع البادية العالمة؛ حتى انتهى ذلك بهذا الإحتواء إلى الأبد. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

أما غيرها من الأرض التي تشترك معها المياه الجوفية والأودية التي تستقبل مياه السيول الآتية عبر مناطق التفجير والتدمير الملوثة بالسموم”اسيانير”، والملح الأجاج ـ المستقدم من المحيط ـ، ونفايات المعادن السامة، فلا أحد إلا الله يعلم ما سيلحقها من دمار وخراب ،حين تتهاطل الأمطار وتجري السيول إلى المنخفضات، في أرض معروفة، بأنها أجود الأرض ماء وأنظفها هواء وأحسنها نباتا، تكتفي بقليل الأمطار سنين عديدة، كثيرة الأنعام من الإبل والأغنام، لا ينبتها بلسك، ولا يعرفها بعوض، حصباؤها أجمل من قشيب الزرابي، ورملها أنعم من الحرير، مميزة عالميا، حتى اختير الجانب الغربي منها أفضل مكان بيئي في شبه المنطقة، واتخذ محمية طبيعية عالمية، وأما الجانب الشرقي، فقد ترك خارج المحمية، لعجز القائمين عليها عن الإحاطة به لاتساعه.

وليس لأحد ـ كائنا من كان ـ أن يفعل هذه الأفاعيل؛ بمثل هذه الأرض، إلا أن يأمن مكر الله، أو يكون من الذين يفسدون في الأرض، ((وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)) أو يتمثل “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.
ـ وهذا كله مناف للعدل، الذي يمكن تجسيده؛ في استخدام الوسائل بما يفيد الحاضر، و لا يضر القادم، مع عزة نفس وتأنف عن الثراء؛ بمآسي وآلام الأجيال المقبلة، الأحسن أداء، والأرقى تقنيا، والأنبل فكرا، والأعلم بعلوم العصر، والأقدر على استخراج الكنوز ـ لو أمهلوا حتى يكملوا استعدادهم، ويتموا تجهيزهم ـ بوسائل تلائم هديهم، ويمكن استخدامها في الدول التي يديرها مواطنون مخلصون، أوفياء لأوطانهم، “كدول أوربا” حيث تقاتل من أجل بيئتها، وتمنع في أرضها وسائل التدمير، إذ لا يسمح باستخدامها، إلا في البلاد التي يديرها مستوطنون وافدون، كما هو الحال في بعض أنحاء العالم الجديد ـ الذي اجتث أغلب سكانه الأصليين ـ لأن استخدامها ظلم صريح، يحمل الأجيال المقبلة، والأمم المتعاقبة، أعباء تثقل كاهلهم، وتفرض عليهم إنفاق أموال طائلة، في معالجة أضرار هائلة، وأمراض كثيرة، قد لا يوفقون في تصنيفها أبدا، بيد أنها ناجمة عن صفقات، تضرهم ولم تنفعهم.

محمد عبد الله بن العتيق

نواكشوط 07/02/2012

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى