إتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين : حين تسقط الأقنعة

استبشر الموريتانيون خيرا وظنوا أن دماء جديدة ضخت في جسم الاتحاد مع تحقيق التغيير الذي أفرزه انتخاب المكتب الجديد منذ عام مضى .

وكغيري من أبناء هذا الوطن الغيورين على مصلحته وبصفتي أحد أقدم الأعضاء المنتسبين لهذا الاتحاد (منذ 1997 ) فقد كنت أتطلع إلى رؤية جديدة تنهض به إلى مصاف الاتحادات في الدول الأخرى التي طالما لعبت دورها على أكمل وجه رافعة من شأن الأدب والأدباء في شتي المجالات من خلال توفير المستلزمات الضرورية ( الضمان الصحي ، التساوي في الفرص ، إقامة ندوات فكرية وأماسي شعرية، وقصصية ، ومسرحية ) بشكل منتظم في صالات عروض مكيفة ومجهزة بآخر تقنيات الإنارة والصوت مما يجعل الأديب يؤدي رسالته وهو في أحسن الظروف المادية والمعنوية .

وبدلا من أن يطالعنا هذا الاتحاد بما كنا نطمح إليه فقد فاجئنا بما هو أدهي وأمر عندما حطم تلك الأحلام المشروعة على صخرة المآرب والأطماع الشخصية التي استنزفت فيها كل موارد الاتحاد ،(ميزانية تقدر بحوالي 30 مليون أوقية ) في ظل غياب الرقابة من طرف الدولة . وأصبح المكتب الجديد يسرح ويمرح وينفق كيف شاء وكأن تلك الأموال تركة خاصة ، أو مال مشاع .

وبعد أن سقطت كل الأقنعة المزيفة التي كان يتخفى خلفها هذا الاتحاد، وعندما أصبح معرى وانكشفت سوءاته للجميع ، وحين علت أصوات التذمر ، وأحس الاتحاد ببداية نهايته لجأ لأسلوب الترضية لاحتواء الغاضبين والمهددين بالانسحاب بإشراكهم في كعكة الاتحاد ليتداعوا مع الأكلة إلى قصعتها.

وحتى نضع القارئ الكريم في الصورة ونطلعه على كواليس هذا الاتحاد بما فيها من العفن الذي يزكم الأنوف ، لا بأس أن نورد بعض النماذج التي بسببها تدهورت الثقافة وأصبحت تسير من سيئ إلى أسوأ :

1- غياب النشر : خلاف منشورات المكتب السابق للإتحاد التي كانت تتجاوز عشرين عنوانا سنويا ما بين دواوين شعرية ، و أعمال نقدية وروائية ودراسات … إضافة إلى مجلة “الأديب ” التي كانت تصدر بشكل منتظم ها هو المكتب الجديد ينهي عامه الأول دون أن يصدر أي ديوان أو عمل قصصي أو نقدي أو روائي كما أخفق حتى الآن في إصدار أي عدد من مجلة “الأديب ” .

2- تقليص مستحقات المهرجان السنوي : قلص المكتب الجديد للإتحاد تلك المستحقات الرمزية للشعراء من 30 ألف أوقية إلى 20 ألف أوقية وتعويضات البحوث من 50 ألف أوقية إلى 40 ألف أوقية ، إضافة إلى الانكماش الفاضح في القيم النقدية للجوائز والمبالغ المرصودة للتكريمات وما خفي كان أعظم .

3- المحاباة : كل المسابقات التي يقيمها الاتحاد أو يشرف على تحكيمها كانت مبنية على المحاباة والزبونية والمحسوبية ، وآخر تلك المسابقات مسابقة المدن القديمة التي جري تحكيمها هذا العام في ظروف غريبة ومريبة من طرف لجنة تحكيم غير مختصة في أغلبها ، وكانت بعيدة كل البعد عن الموضوعية والشفافية والحياد ، دون التشكيك في أحقية بعض الشعراء .

4- سوء تنظيم المهرجان السنوي : لم تكن هناك لجان تنظيمية متخصصة مما جعل المهرجان عرضة للعشوائية والارتجالية ، وأصبح كل شيء يجري في عبثية مطلقة ، إضافة إلى عزل توقيت المحاضرات والندوات عن توقيت الأماسي الشعرية والقصصية (الأولي نهارا والاخري ليلا ) فالمهم عند هؤلاء في كل الأحوال أن ينتهي المهرجان في أسرع وقت ممكن ، ويخلو لهم الجو ليبدأ التقاسم خلف أبواب موصدة .

5- تكريس القبلية : تميزت البعثات الخارجية بالمحسوبية والجهوية حيث لوحظت شخصيتان من نفس القبيلة في الوفد الأخير إلى البحرين الذي يتكون من ثلاثة أشخاص ، كما تم الكذب على بعد الشعراء بإيهامهم أنهم سيكونون ضمن هذه البعثة وتم إقصائهم في آخر لحظة بدعوى عدم الحصول على التأشيرة التي حصل عليها بقية أعضاء الوفد بسهولة ، مع غياب تام للتمثيل النسائي في ذلك الوفد في بلد يزخر بالشاعرات والكاتبات .

وأخيرا ينبغي القول أن القوى الحية الحقيقية من أعضاء الجمعية العمومية المخلصين من شعراء وكتاب ونقاد – دون أدنى شك – لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذا الوضع المتردي الذي يعيشه الإتحاد ، وستتحمل مسؤولياتها التاريخية في الوقت المناسب بكل ديمقراطية ومسؤولية قانونية وأخلاقية حتى يضطلع بدوره المنوط به في ازدهار البلاد وتنمية ثقافتها وحضارتها وقيمها الروحية الراسخة وإحياء تراثها ومجدها .

ولا بأس قبل نهاية هذه السطور بإثارة بعض التساؤلات :

ألا يجب أن يبقى هذا الإتحاد بعيدا عن التجاذبات القبلية والنزعات الطائفية والجهوية ؟ متى سيغلب المصالح العامة على مصالحه الخاصة ؟ ألا يستحق الأدباء والشعراء في هذا البلد أن يكونوا في وضع أفضل ؟ متى سيفتح الإتحاد ذراعيه للجميع دون إقصاء أو تمييز ؟

الشاعر/ محمد سعيد ولد الرباني

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى