نيران صديقة علي المعارضة الموريتانية

لا تندرج هذه الكلمات في سياق التحليل السياسي وما هي في وارد ذلك، ولكنها حقائق تبدت لمواطن موريتاني يعتقد ان الثورة حق كالشمس، وأن سرقتها أو إجهاضها جرم يوازي اغتيال أصحابها ، أو إن شئت قل إن هذه النيران هي من وحي المعادلة الثورية التي تقول إن المعارض السياسي الذي يركب حلم شعبه لتحقيق مآرب شخصية أو يوقف فورة شعب ثائر لان حساباته السياسية قد تغيرت، يعادل الرئيس المتغطرس العابث بدماء شعبه ومصالحه.
إنها نيران لأنها مشربة بلهب الغيظ ولكنها صديقة والرصاص الموريتاني علمنا أنه متى كان صديقا لا يُنفذ المقاتل ولا يستدعي المتابعة والتحقيق.

الطلقة الأولي: جرم التفويت

قسما بإرادة الجياع والمظلومين ما تجمعت أسباب الثورة والتغيير مثل ما اجتمعت في بلاد المقهورين، وهل الثورة إلا نفثة مظلوم أوحشرجة جائع تفترسه الاسعار أو غواية مستبد تزين له الزمرة الكاذبة أفعاله ، فتضاف إليها علل وتراكمات تصنع شبابا يخرج من بين الظلم والقهر مترعا بالتمرد والغليان ولكن جرم التفويت يقضي علي آمال الشعوب أويضعف جذوتها؛ ولعمر الحق لقد ارتكبت المعارضة هذا الجرم فوقفت متفرجة علي الشباب الطامح للتغيير حتى إذا اهتزت الأرض وارتعدت فرائص الحنرال وكادت فسائل الثورة تخرج وحان قطافها ، هرولت المعارضة لتحصد الثورة فحسبنا برق التغيير قد لاح ، فقال قائل المقهورين هذا عارض ممطرنا ولاكن برقها كان خلبا وسحابها كان جهاما ، فاستفرغت جهد الناس في اعتصاماتها التي كانت تجوب مابين دار الشباب ومعهد ابن عباس ، وكنا كل مرة نشرئب إلي جديد فما نلبث ان تمطرنا بخطب عراض طوال يشينها اللحن ، فنصبر حتى إذا هدأ الليل وغلت النفوس عاودها ـ المعارضة ـ الكرى فانفض قادتها منهزمين ،حتى امتصوا روح الثورة وأذابوا رحيقها , صحيح أن بعض أطرافها كان جادا واستنفد كل طاقاته وألقي بكل ثقله ولكن دبيب التردد عم الجميع في النهاية فرجعت أشواق الثورة وبقيت حبيسة الانفس المظلومة.

الطلقة الثانية : لعبة الأجندة الفارغة

ليت الأمر وقف عند ذلك الحد ولاكن المعارضة الموريتانية جاءت إلي ساحة الثورة محملة بشوق المكاسب ومجردة من أجندة واضحة علا صوتها بمطلب الرحيل من غير تدرج سابق ، فقلنا تلك محمدة لأنها انسياب مع مطلب الشباب الطامح ولكن مطلب الرحيل لم يكن سوى غلاف مصطلحي لفهوم تخفيه المعارضة في نفسها واللحام الحاصل بين المصطلح والمفهوم يختزن فراغا مفهوميا على حد تعبير المصطلحيين فالرحيل لفظ أخرج من قاموس لغة الثورة العام ليدل انطلاقا من مضاعفة لغوية وسياسية على انقلاب ، فكانت المعارضة في عكاظياتها تنسج قصائد مديح لا ينقصها إلا أن تسكب في قالب شعري ذا وزن مقفى، تحرض العسكر كأنها لا ترى في تجمعات الشباب ورعونة الجنرال وحماسة الشعب وسياق الربيع العربي، أمورا كافية لتعصف بجنرال اهتز كيانه حتى وقف على شفا جرف هار.

لقد كان مطلب الرحيل مغريا في بداية الامر للجماهير ، ولكنها ملت من مهرجانات الأشداق ، ثم جاءت سانحة عجز الرئيس ـ في سياق نيران صديقة اخرى ـ وقلنا إن بيان تنحي الرئيس قد آن، ولكن لحاف المخابرات الفرنسية كان كفيلا بتغطية وجوه زعماء المعارضة فبدت اجندتها متلعثمة لا تعرف ما تريد وتباينت رؤاها ما بين معلن هدنة ومهرول إلى فرنسا يعرض نفسه كبديل ، وكان أحسنها صنعا من وقف في ساحة التحريض وحيدا ، ونسيت معارضتنا الباسلة أن الثورة فعل لا يحتمل التأرجح وموقف لا بد له من أثمان ، وأقل أثمانه كلفة وضوح البدائل وحاسمية المواقف.

الطلقة المؤجلة

مازال في جسم المعارضة حراك وقابلية حياة ، بل فيها من الاطراف الجادة ما لو تعاقد على حلف ثورة وتغيير لتعافى من أعيرته التي أطلقها على نفسه، وملاك ذلك الحسم في امور عديدة :

أولها الادراك الواعي أن مطلب الرحيل ـ وللأسف ـ قد استنفد أغراضه وآية ذلك أنه أصبح نكتة عند الموريتانيين حتى الذين يكاد الحنق على النظام يقضي عليهم، وليس الحل في السكوت والتراجع فإن نظام الجنرال مستنفد صلاحيته هو الآخر ولكن المعارضة تحتاج لتجديد آليات التحرك وإنتاج خطاب صالح للرواج.

وثانيها: الابتعاد عن اللعب على الحبلين فليس مستساغا أن تمد المعارضة عينا إلى قصر المؤتمرات تحاور مسعود على ما لا يملك وأخرى إلى حلم الثورة ، وإنه ليوشك أن تغتر ثانية فيجرها الجنرال إلى انتخابات غير متكافئة فترجع بخفي حنين.

وثالثها: تحديد أجندة واضحة المعالم مفارقة لمرحلة التعميم.

هوامش

1) سفر الثورة ما زال مفتوحا واسطره لم تكتمل بعد.

2) في نظام الجنرال من عوامل الضعف ما لو دعمته ريح الممانعة لاهتز كرسيه.

3) قضية بوعماتو مشهد جانبي يجب أن لا يلتفت إليه الجادون.

4) حرب مالي: لغز يكاد حله يعصف بالموقف الموحد للمنسقية ولكنه في فقه الثورة سبب من اسباب الثورة .

5) الانقلابات ثورة مضادة وتحت لهيبها تذوب وتساقط أزهار الربيع والثورة التي تعول على انقلاب كالانقلاب الذي يسميه صاحبه تصحيحا سواء بسواء.

6) إذا الشعب يوما اراد الثورة فإن نقاط التتابع مفتوحة ونقطة النهاية لن تكون إلا انتصار الشعوب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى