الانتخابات الأخيرة … رؤية موضوعية

بسم الله الرحمن الرحيم

اعتبر بعض المتابعين للساحة السياسية انتخاب الرئيس محمد ولد عبد العزيز بنسبة فاقت 52 في المائة أمرا مفاجئا وغير طبيعي , بل ذهب بعضهم أبعد من ذلك فردوا الأمر إلى تزوير محقق، واختلفوا في تأويلات هذا الفوز أيما اختلاف، وكثرت الشائعات و الأراجيف التي يريد بها المناوئون عبثا تفنيد ما أثبتته صناديق الاقتراع بكل وضوح وشفافية يوم الاقتراع الماضي. ولعل من أطرف ما راج من تأويل أيام إعلان النتائج كون حرف ” الباء” أصبح يمتلك مهارة الطيران عن طريقة مادة ” كيميائية ” ولكن إلى الأعلى فقط، متجاهلة بذلك قانون الجاذبية الأرضية ، وذلك بمجرد ملامستها هي أو ما ينوب عنها لبطاقة التصويت، كما أنها تحت التأثير نفسه يمكن أن تختفي لتظهر بعد لحظات وبذكاء خارق و تحديدا في الخانة العليا من الورقة كذلك، وهذا أقرب إلى السحر و الشعوذة منه إلى التأثير الكيميائي. وهو تأويل مرفوض بكل بساطة لأن الشركة التي تولت إعداد البطاقات لن تجازف بمصداقيتها وسمعتها العالمية مقابل صفقة متواضعة كهذه إن صح ووجدت مادة كيميائية (سيميائية) تمتلك هذه الخصائص الخارقة.

وقد لجأ المشككون في النتائج إلى هذه التفسيرات الغريبة متجاهلين الكثير من الأسباب والحقائق التي يمكن أن يرجع إليها تحقيق هذا الفوز الكاسح. وفي هذا الإطار يمكن القول إن للجانب الإعلامي دورا كبيرا في مثل هذه المناسبات، وانطلاقا من ذلك فإننا يمكن أن نعتبر أن ثمة نسبة ممن صوتوا للرئيس عزيز إنما دفعهم لذلك جاذبية اسمه و الموسيقى التي يحدثها تجاور حروفه في الأسماع، فالاسم وبصفة عامة وفي جميع ثقافات العالم يؤثر على حامله سلبا أو إيجابا وذلك تبعا لدلالته ومدى قربه من النفوس.

ومن جهة أخرى فإن صور المترشح عزيز و شعاراته المعبرة كان لها وقع كبير في نفوس الناخبين فقد ظهر في إحداها بجانب منشآت طرقية طموحة وناطحات سحاب عملاقة، وقد مثلت هذه الصورة رمزه في بطاقة التصويت، كما ظهر في صور جذابة أخرى لعل أكثرها تأثيرا على الناخب العادي صورته وهو يحنو على شيخ كبير السن ومعها الشعار المعروف ” رئيس الفقراء ” وهو اللقب الذي طغى على جميع شعاراته الدعائية. و سأسوق هنا مثالين للتأكيد على ما ذهبت إليه : ٍأولهما في حملة الرئيس الفرنسي السابق “ميتران” الأولى حينما رفع أحد طواقم حملته صورته الأنيقة مكتوبا بجانبها شعار ” القوة الهادئة ” عندها بدأت الاستطلاعات تظهر صعوده بشكل باهر بفضل عملية دعائية بسيطة كهذه. و المثال الثاني في إحدى الانتخابات الأمريكية في السبعينات كان ترديد جماعات مناوئة لعبارة : ” فلان نائب !” متبوعة بضحكات مليئة بالاستغراب و السخرية ، كفيلا بفقدان المترشح المعني و نائبه شعبيتهما الكبيرة التي كانا يتمتعان بها حسب استطلاعات الرأي.

ولا شك أن الإنسان العادي المكابد لهموم الحياة التي ترهق كاهله يوما بعد يوم ، قد وجد نفسه وحيدا خلف الستار أمام خيارين هما أن يغلب عواطفه ونزعاته العرقية والقبلية والجهوية الممجوجة وعديمة النتائج, أو أن يضع نصب عينيه تكاليف الحياة بكل دقائقها و التي لا تكاد تفارق مخيلته نظرا للمتاعب الجمة التي تطرحها أعباؤها اليوم ، وهنا سيفترق الناخبون بكل شرائحهم قسمين متمايزين : فريق تؤرقه مسؤوليات الأسرة و أعباء الحياة والتفكير في حلول لمشاكله المتفاقمة كخفض أسعار المواد الغذائية الضرورية والحصول على مسكن دائم ولائق وإقامة المنشآت و البنى التحتية الأساسية وكبح جماح المفسدين و تحسين ظروف الحياة بشكل عام ، ولا شك أن هذا الفريق سيضرب عرض الحائط بكل نزعاته وميولاته العاطفية والعرقية وحتى الحزبية ـ إن وجدت ـ ويصوت في لحظة مصارحة مع الذات لما يراه أقرب من غيره لحل مشاكله الآنفة الذكر.

أما الفريق الثاني وهو القلة القليلة من المجتمع والذين لا يلقون بالا للشأن العام و لا يتحملون أية مسؤوليات في مجتمعهم فسيصوتون لمن “يحبونه” أو يرون أنفسهم ميالين نحو خطابه أو شكله أو لونه.

و مما نستحق التهنئة عليه اليوم أن المال السياسي رغم تأثيره في هذه الانتخابات إلا أنه لم يلعب دوره الحاسم والمعروف في السابق، إذ لو كان الأمر كذلك لفاز مرشحون آخرون أو لوجدوا نسبا على الأقل تتناسب مع تلك الإنفاقات المشاهدة هنا وهناك. وتنطبق الملاحظة نفسها على التصويت العرقي، فقد تراجع دوره هو الآخر، مما يبشر بمستقبل ديمقراطي واعد وببداية انتشارواضح للوعي في الطبقات العادية من المجتمع على حساب “المرجعيات القديمة ” التي كانت تملي رغباتها على هذه الطبقات مصادرة بذلك رأيها وأصواتها, فلم يعد المواطنون يصوتون للمال و لا للعرق ولا للجهة ولكنهم يختارون من يتوسمون فيه الكفاءة و الالتزام لقضايا الوطن الكبرى. ومن هنا يمكن القول إن الناخبين هذه المرة قد صوتوا لقطع العلاقات المشينة مع إسرائيل والتي جثمت على صدور الموريتانيين زمنا طويلا من جهة, ومن جهة أخرى فقد صوتوا لإرساء مصالحة وطنية حقيقية و للعمل على تخفيض واضح للأسعار, وهذا ما يكفي لنفي الغرابة عن نتائج هذه الانتخابات.

يعقوب ولد سيد احمد
مفتش تعليم أساسي

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى