أسئلة على الطاولة

بسم الله الرحمن الرحيم

يبدو أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن كبير في هذا البلد، ويبدو أننا سنشاهد كثيرا تلك الطاولة في بيت الشعوذة المرئي (التلفزيون).

وسنسمع عنها كثيرا في بيت الشعوذة المسموع (الإذاعة). وسنقرأ عنها في بيت الشعوذة المقروء (يومية الشعب). وربما نسمع قريبا من يدعو إلى إبدال النجمة في العلم الوطني بطاولة مدرسية، أو إبدال الهلال بمقعد دراسي (مذكر الطاولة). وربما يبدع أحد شعرائنا قصيدة رائعة عن الطاولة تكون بديلا لكلمات نشيدنا الوطني الذي يبدو أن كلماته ـ بالنسبة للبعض ـ قد شاخت كثيرا.

ومن يدري فربما تتفتق مواهب فنانينا عن أغنية للطاولة؟ كما تفتقت مواهبهم ذات يوم عن أغنية الكتاب، في زمن عز الكتاب، الذي بزغ نجمه على حساب أفران المصلحة بعد أن تآمر الجميع عليها، ولم يعد أحد يتحدث عنها، رغم أنها كانت في يوم من الأيام هي الشغل الشاغل لكثير من أهل هذا البلد بنخبهم وعامتهم.

ولأن عاصمتنا التي تم اختيارها لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية، لا تحوي من المعالم الثقافية إلا معلمة الكتاب، التي تم تشييدها في وسط “كارفور مدريد”. ولأننا لم نعد نعيش في العهد البائد، عهد الكتاب، فإننا اليوم بحاجة ماسة لأن يتطوع أحد رجال أعمالنا بهدم تلك المعلمة، وإبدالها بصفوف متراصة من الطاولات المدرسية الكبيرة التي يمكن رؤيتها من مكان بعيد، وذلك لكي تكون الطاولة المدرسية هي أول شيء يشاهده زائر عاصمة الثقافية الإسلامية لعام 2011.

ونحن اليوم بحاجة ماسة لجمع التبرعات، من أجل تصنيع الطاولات، كما تبرعنا في الماضي للكتاب. ونحن بحاجة لأن نُحَوِّل المخابز ـ لا أتحدث إلا عن المخابز ـ إلى معامل لتصنيع الطاولات. ونحن بحاجة أيضا إلى تحويل وزارة التكوين المهني إلى وزارة للطاولة المدرسية، حتى نحقق وعد الرئيس، ونوفر مقعدا دراسيا لكل تلميذ، ثم بعد ذلك نفكر في توفير طاولة لكل موريتاني، ثم بعد ذلك يمكن لنا أن نفكر في توفير ثلاث طاولات لكل موريتاني، طاولة يولد عليها، وثانية يعيش عليها، وثالثة يموت عليها.

وسيتحول بيت الشعوذة المرئي في الأيام القادمة إلى طاولة منوعة، وستنظم طاولات مستديرة وأخرى مستطيلة عن الطاولة المدرسية. سنتعرف على آخر أخبار الطاولات والمقاعد في الأعماق، وسنسمع الرأي الطبي عن خطورة عدم الجلوس على الطاولة المدرسية، وستنظم لقاءات خاصة ومنتديات عن الطاولة، وسيتمتع المشاهد بعناصر وتقارير عجيبة وغريبة عن الطاولة المدرسية وعن المقعد الدراسي.

إنه عهد الطاولة المدرسية الذي ستستعيد فيه كل طاولات البلد ومقاعده المدرسية المكانة اللائقة ، وهو عهد يمكن التأريخ له مع الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الجمهورية للثانوية التجارية، مباشرة بعد عودته من إيران. لا أدري ما العلاقة بين إيران والطاولة ؟ وإذا كان فيكم من يعرف شيئا في التراث الفارسي يمجد الطاولة المدرسية المصنعة في الثانوية التجارية الإيرانية فليغثنا به.

لقد كانت الضربة القاضية التي شكلت السقوط الحقيقي لدولة الكتاب، هي قرار الحكومة بإغلاق جميع دور الكتاب، ودفن كل الكتب الموجودة في البلد ـ بطريقة استفزازية ـ في مخازن الحالة المدنية.

لم يكن الكتاب محظوظا في هذا البلد، لقد ولد في وزارة الداخلية، وعاش في دور الكتاب السيئة الصيت، ومات عندما تم اختيار نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية، ثم دفن في مخازن الحالة المدنية.

بالمختصر المفيد، لقد انهارت دولة الكتاب، كما انهارت قبل ذلك دولة أفران المصلحة، وهانحن اليوم نشهد ميلاد دولة الطاولة المدرسية والتي من أبرز سماتها أنها دولة ذات ثلاثة أوجه : وجه يُشَرِّع نقدها للمعارضة، ووجه ثان يشرع مدحها للموالاة، ووجه ثالث يربك كل الموريتانيين الذين ليسوا من المعارضة ولا من الموالاة ، لأنهم في حيرة من أمرهم. فهم لا يعرفون إن كان عليهم أن ينتقدوا هذه الدولة التي حدثت فيها أخطاء شنيعة، لم يعرفوها من قبل، أم يمدحوها لأنها تحققت فيها أشياء لم تكن تخطر لهم على بال؟

فمن حق المعارضة أن تصف دولة الطاولة بأنها دولة دكتاتورية لأنها ترفض محاورة شريكها الأساسي أي المعارضة، ولأنها تسجن وتغرم الصحافة المستقلة. ومن حق الموالاة أن تصفها بأنها جمهورية حوار وتشاور، فهي تحاورت مع الشباب ومع الناقلين، ومع العلماء، وحتى مع السجناء الذي لم يكن أحد يتخيل أن تتم محاورتهم.

ومن حق الفئة الثالثة أن تحتار لأنها لا تستطيع أن تجزم بدكتاتورية الحكم، ولا تستطيع أن تجزم كذلك برغبته بشكل جدي في الحوار والتشاور.

ومن حق المعارضة أن تصف هذا الحكم بأنه لا يشجع العلم، لأنه تعامل مع الكتاب بشكل غير لائق. ومن حق الأغلبية أن تدعي بأن هذه الحكومة تشجع العلم، لأنها أول حكومة تلتزم بمقعد لكل تلميذ. ومن حقنا نحن أهل الفئة الثالثة أن نحتار لأننا لا نعرف إن كان هذا النظام يشجع العلم أم لا؟

ومن حق المعارضة أن تقول بأننا نعيش في فساد كبير بعد أن تم تعيين كبار المفسدين، في وظائف حساسة. وبعد أن تمت تعيينات، وترقيات، وتوشيحات كثيرة، لا يمكن القول بأنه قد تمت فيها مراعاة الاستقامة والنزاهة . ومن حق الأغلبية أن تقول بأننا نعيش أول حرب جدية ضد الفساد. والدليل هو تجريد الكثير من المفسدين، وتجفيف الكثير من منابع الفساد، من خلال تحديد علاوات السكن، والنقل، وعدم تحمل تسديد فواتير الكهرباء، والماء، والبنزين، وإيقاف السيارات الحكومية. ومن حق الرأي الثالث أن يحتار لأنه لا يستطيع أن يجزم بأن الحكومة جادة في محاربتها للفساد، ولا يستطيع كذلك أن يقول بأنها ليست جادة في حربها على الفساد.

ومن حق المعارضة أن تقول بأن علاقاتنا الخارجية ليست بخير، وبأن دبلوماسيتنا وقعت في أخطاء كثيرة، من بينها ترك الحياد في قضية شائكة. ومن حق الموالاة أن تقول بأن البلد قد حقق انتصارا كبيرا بطرده لسفير العدو الصهيوني، وباستعادته لعلاقات طبيعية مع كل المحاور، مما سينعكس على البلد إيجابيا. ومن حق أهل الفريق الثالث أن يحتاروا من هذه الخلطة العجيبة التي جمعتها دبلوماسيتنا، وهل ستتمكن من استخدامها في مصلحة البلد؟ أم أن تلك الخلطة لن يكون بالإمكان ابتلاعها بشكل سلس وستنعكس سلبا علينا.

الشيء المؤكد ـ وهذه ليست نبوءة ـ هو أن أمور هذا البلد ستتحسن كثيرا في المستقبل القريب، أو تسوء كثيرا، لن تكون هناك حالة وسطى، وهذا هو الجديد في جمهورية الطاولة المدرسية. وسيكون عمر تلك الحيرة ـ التي نعاني منها الآن ـ قصيرا جدا. فمن خصال رئيسنا الحالي أن له قدرة كبيرة على تجسيد أفكاره ميدانيا. وتلك الميزة رفع بها قادة دولا كثيرة، ودمر بها قادة آخرون دولا كثيرة أخرى، والأمثلة لا حصر لها. والمشكلة هنا هي أننا لا نعرف ـ بالضبط ـ ما يفكر به الرئيس. ويتساوى الجميع في ذلك، يتساوى البعيد مع القريب، والأمي مع المتعلم، ويتساوى المعارض مع الموالي، ويتساوى العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال، مع كل مستشاري رئيس الجمهورية ومقربيه. فنحن جميعا حكومة وشعبا، معارضة وأغلبية، نخبا وعامة، لم نكن نعلم أن الطاولة المدرسية سيكون لها شأن مذكور إلا بعد أن علمنا وفي وقت واحد بزيارة الرئيس للثانوية التجارية.

والدليل على هذا الكلام، هو أنه لو علم أي واحد من الموريتانيين، أو الموريتانيات، بأن الرئيس سيرفع من شأن الطاولة المدرسية لشهدتم رجالا يتحولون إلى مقاعد مدرسية أمام الثانوية التجارية، ولشهدتم ـ كذلك ـ نساء يتحولن إلى طاولات مدرسية.

والرئيس ـ وهذه معضلة قديمة جديدة ـ ليست لديه أغلبية تفكر معه وتوجهه وتنصحه، وتحول بينه وبين أخطاء القرار الفردي. إن الأغلبية الداعمة للرئيس الحالي لا تختلف عن الأغلبية الداعمة للرؤساء السابقين، إنها أغلبية تصفق إلى أبعد الحدود لمن يحكم، وتدير ظهرها له بشكل عنيف عندما يفقد الحكم. لقد فشلت وساطة الأغلبية في ملف رجال الأعمال. كما أنها فشلت في إطلاق سراح حنفي، رغم توصيتها بذلك في الأيام التشاورية للحكامة. وبالعربي الصريح والفصيح : إن الأغلبية غائبة ميدانيا ـ لا يعني ذلك حضور المعارضة ـ ولا تؤثر على الرئيس إلا كما يؤثر عليه العبد الفقير إلى رحمة ربه، كاتب هذا المقال.والرئيس يعلم بأن الأغلبية ليست جادة في وساطتها، و لا في مطلبها بإطلاق سراح الصحفي حنفي. وهو يعلم كذلك بأنه عندما يرفض طلبا أجمعت عليه أغلبيته، فإن ذلك لن يتسبب في أي شيء، أقول أي شيء.

وهنا سأطرح أسئلة على الطاولة وسأترك الإجابة عليها لكل من يريد الإجابة، وخطوط الاتصال ستبقى مفتوحة لكل من يريد أن يقول كلاما ينسجم مع التوجهات النيرة والتعليمات السامية.

هل من الأفضل أن نحاسب الصحافة المستقلة على “صغائرها” أم نحاسب الصحافة الرسمية على ” كبائرها”؟ ألم تتوقف خدمة التعليقات التي كان ينتقد بها البعض موقع تقدمي؟ وفي المقابل ألم تتراجع بيوت الشعوذة كثيرا إلى الوراء؟ أليس التلفزيون أسوأ اليوم من التلفزيون في العهد المؤتمن والذي كان فيه التلفزيون أسوأ مما كان عليه في المرحلة الانتقالية الأولى؟ ألم يطرد التلفزيون كل أوجهه المتميزة؟ ألا تتحكم فيه اليوم وفي كل برامجه الأساسية نفس الأوجه التي عرفناها وهي تشغل الناس ببرامج السمنة وأفران المصلحة وكتب الطبخ؟ وهل أن حنفي هو الصحفي الذي أضر بأخلاق هذا البلد؟ وهل أنه هو الذي علمنا النفاق والتزلف لكل حكام هذا البلد؟ وهل هو من كان يمارس الشعوذة ليقنعنا بأن الجحيم الذي عشناه كان جنانا عظيمة ؟ أم أنه هو الذي كان يكتب حروفا من النار تحرق جنان بيوت الشعوذة، سواء المرئي منها أم المسموع أو المقروء؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يأتينا بعجائز يقلن بأن الرئيس حقق كل أحلامهن الدنيوية ولم يعد لديهن ما يطلبنه إلا أمور الآخرة. وأستغفر الله من هذا الكلام ؟ وهل أن حنفي هو الذي بشر الموريتانيين بأن الأمية سيقضى عليها في ستة أشهر؟ وهل أنه هو الذي استضاف صاحب منظمة غير حكومية وعدت بتنفيذ تلك البشرى ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من الشيخ الذي بلغ من العمر عتيا أن يكذب كذبة تمتد في الآفاق وأن يقول بأن دفتر ولده هو دفتره؟ وأن يقول بأن كل ما في ذلك الدفتر من كلمات قد خطها بيمينه في فصل محو الأمية الذي لا يعرف أين يقع ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول لنا بأن النساء الأميات المنخرطات في تعاونيات ريفية نائية يسوقن منتجاتهن عن طريق الانترنت ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يبشر الجوعى بأنه لن يجوع جائع في غرب إفريقيا بعد حصاد العشب الذي أنبته الله على هذه الأرض وصوره وقدمه بيت الشعوذة المرئي على أنه أرز؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن الانجازات الكبرى في العهود “المباركة” حتى يخيل لكل فقير في غرب إفريقيا بأنه سيصبح غنيا، وحتى يخيل لكل حالم في شمال إفريقيا بأن كل أحلامه ستتحقق؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يطلب من حامل الشهادة الذي يشتغل في مؤسسة كبيرة أن يكذب ويدعي بأنه مالك تلك المؤسسة وأنه أنشأها بمبادرة شخصية بعد تخرجه من الجامعة؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن القمامة نعمة كبرى لأنها مؤشر على الطفرة الاستهلاكية التي عرفها البلد في العهد “المبارك” ؟ وهل أن حنفي هو الذي شغل الجوعى بالحديث عن السمنة حتى يتناسوا الجوع والفقر والجهل والمرض؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يعتبر كل عهد عهدا مباركا ما دام يحكم، ويعتبره عهدا مشؤوما بعد الدقيقة الأولى من إذاعة البيان الأول؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يقول بأن عمال البلد هم أكثر عمال العالم حظوظا لأن أجورهم تزداد دون أن يحتاجوا للإضرابات ؟ وهل أن حنفي هو الذي لم يستطع أن يكتشف خطأ واحدا لمعاوية خلال عقدين من الحكم مليئة بالأخطاء ؟ وهل أن حنفي هو الذي حُجبَت عنه كل أخطاء معاوية حتى صبيحة الثالث من أغسطس ؟ وهل أن حنفي لم يتحدث عن ” الموبقات ” الكبرى للرئيس المؤتمن إلا بعد الدقيقة السادسة من الساعة السادسة من صبيحة السادس من أغسطس؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يشجع الناس على الكذب والنفاق والتزلف والتصفيق بالأيادي والأرجل لكل سلاطين البد؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي وهو يمدح الرئيس معاوية بنفس الكلمات التي مدح بها الرئيس أعل والرئيس سيدي ؟ وهل أن حنفي هو الذي كنا نشاهده يصف الرئيس السابق سيدي بأقبح الأوصاف بعد سقوطه، تماما كما فعل قبل ذلك مع الرئيس أعل وكما فعل مع الرئيس معاوية؟ وهل أن حنفي هو ذلك الشخص الذي كنا نشاهده في بيت الشعوذة المرئي في عهد ولد الطايع ولا نزال نشاهده حتى أيامنا هذه، يتكلم بنفس اللغة وبنفس الأسلوب وبنفس العقلية التي أضرت كثيرا بهذا البلد ؟ وهل أن حنفي هو الذي كان يتحدث عن كل معارض وكأنه خطر كبير ومخلوق عجيب ليس في قلبه مثقال ذرة من وطنية ؟ وهل أن حنفي هو الذي أهان زعيم المعارضة الدستورية منذ أشهر قليلة ؟ لا أدري لماذا لا تكون المعارضة ذكية ولو لمرة واحدة وتشكو بدورها ممن أهانها وأساء إليها من باب إزعاج القضاء وإحراجه على الأقل.

إذا كان حنفي قد فعل تلك الأشياء فإنه قد أضر كثيرا بأخلاق البلد، ولذلك فإننا نستنكر ونشجب ونندد ونستغرب ذلك الحكم المخفف الذي حكم عليه به القاضي، ونطالب بمحاكمته للمرة الثالثة والحكم عليه بالمؤبد مع الأعمال الشاقة..

تصبحون على قليل من الحياء…

محمد الأمين ولد الفاظل

رئيس مركز ” الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية

هاتف 6821727

Email :elvadel@gmail.com
www .autodev.org

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى