الباكلوريا … موسم الهجرة إلى الوراقات

المقالات الجاهزة المفتوحة أو المغلقة ، أو صواريخ اكروز … مواد أولية يصنع منها أغلب طلاب الباكلوريا في الشعب الأدبية نجاحهم ، في زمن وصلت فيه المستويات إلى درجة الألفين تحت الصفر ،

في البداية هناك مدرسة عمومية متهالكة ، لم يعد يرتادها إلا أبناء الفقراء وهنالك مدرسة خصوصية على خلاف الأولى ولا يجمع بينهما سوى أن الأستاذ الذي يدرس في المدرسة العمومية هو – في الغالب – نفسه الذي يدرس في الأخرى الخصوصية ، ولا عيب في هذا لو أن الأمر لم يتجاوزه ، فالمدرسة العمومية تتعرض – إلى جانب السياسات التعليمية الفاشلة – إلى عملية تهجير قسري ممنهج يشارك فيها – إلى جانب الدولة – بعض الأساتذة ، وتتمثل هذه العملية في السعي خلف كل ما من شأنه أن يرفع من شأن المدرسة الخصوصية و يحط من شأن الأخرى ، فأصبح الدرس الواحد يتأثر بالمكان ويتغير تبعا له ، فالرومانسية على سبورة عمومية ليست هي عينها على سبورة خصوصية ، وهكذا الأمر بالنسبة لباقي المواد ، كما أن مشهد التلاميذ وهم يغادرون حجرات الدرس قبل انتهاء الوقت – في المدرسة العمومية – بات أمرا مألوفا ، هذا فضلا عن أن لا يدخلوها منذ البداية ، وكل تقاعس عن أداء الواجب هو بالضرورة مشاركة في عملية التهجير القسري هذه ، والأدهى والأمر من ذلك كله مقالات جاهزة متناثرة هنا وهناك ، تنقسم – حسب من يتعاطونها – إلى قسمين قسم خاص و آخر عام ، وكلا القسمين يغطيان المواضيع التي تدرس في الأقسام النهائية ، غير أن القسم الخاص من هذه المقالات يحظر تداوله ، فهو عبارة عن مقالة جاهزة خاصة بطلاب مدرسة (كذا) الخاصة ، ( أرجو أن لا تكون التراكيب أو الألفاظ في هذا النوع من المقالات شفرات سرية ) ، أما القسم الثاني فهو متوافر عند الوراقات ، وما عليك إلا الذهاب إليها ، وهذه المقالات عموما إما أن تكون عامة أو مفتوحة أو مقارنة بين اتجاهين أدبيين فأكثر في صفة فأكثر ، أو”دراسة مستوفية ” لاتجاه أدبي معين ، وعندها لا يبقى أمام التلميذ إلا حفظ هذه المقالات أو إدخالها بطريقة أو بأخرى إلى قاعة الامتحان ، ومباشرة بعد “تأطير” المقالة المطروحة يختار التلميذ “أنسب” المقالات الجاهزة و”أقربها” إليها ، فمهمة التلميذ هي – فقط – الحفظ والقدرة على الاسترجاع ، وإياك والسؤال عن أي شيء من قبيل ذاتية التلميذ وتنمية قدراته الذهنية ، إنه قتل متعمد لأي أمل في الإبداع ، وظلم لآخرين بذلوا الغالي والنفيس وانتظروا طويلا هذه اللحظة التاريخية

كل هذا يجري بمرأى ومسمع من الدولة ، ولا أحد يستنكر ، بل إن الدولة شريك في الجريمة بتغاضيها وعدم توفيرها مستوى معيشيا للأساتذة يليق بأستاذ ويحفظ له كرامته
وبعد فإن الهروب إلى الأمام ليس من الحكمة في شيء ، والتمادي على الذنب من أعظم الذنوب ، وليس من المقبول أو المعقول أن نظل نتفرج ، فهذه الظاهرة ليست إلا مظهرا من مظاهر موت الضمير و التغلبُ عليها – إذا توافرت الإرادة – من أسهل ما يكون حيث إنه من المستحيل أن تتطابق المقالة المطروحة للنقاش مع تلك الجاهزة و أيُّ محاولة من التلميذ لإيجاد أي نوع من التطابق بينهما – حتى ولو كان من الذين حصلوا على مقالات الصواريخ الخاصة ذات الأقواس الفارغة – فلن تكون محاولته هذه إلا شاهدا عليه ، وذلك نظرا لعوامل الوقت والارتباك والاتكال في زمن البذر على هذه الوسيلة ، ويمكن أيضا ربط المقالة بالنص الذي تحتها وعمَلُ أي خطوة أخرى تُمكن من خلالها المحافظةُ على ذاتية التلميذ ، وإذا تعذر هذا كله فإن إلغاء المقالة نهائيا أمر ضروري لاسيما وأنه يتماشى مع روح الارتجالية المجيدة والقرارات الشجاعة التي نرزح تحت وطأتها منذ عقود خلت ، والتي لولاها ما مات الضمير.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى