يوميات شخص عادي جدا/ رواية في حلقات (1)

تتعدد الروايات وتختلف كثيرا حول تحديد تاريخ ميلادي، وإن كانت تتفق في مجملها بأني ولدت قطعا في النصف الثاني من عقد الستينات، دون الاتفاق على عام محدد. وتقول الوثائق الرسمية ـ وكثيرا ما تكذب تلك الوثائق ـ بأني ولدت في عام 1968، وتحديدا في اليوم الذي وُلِد فيه أغلب سكان هذا البلد، أي في يوم 31 من شهر دجمبر. مساكين هم أولئك الذين ولدوا فعلا في هذا اليوم، فهم سيحسب أنهم من أغلبية هذا الشعب التي تجهل تاريخ ميلادها.


بسم الله الرحمن الرحيم

لم أنزعج بسبب عدم ضبط تاريخ ميلادي، إلا مرة واحدة، وكنت ساعتها طفلا صغيرا، وذلك عندما دعاني صديق، وهو ابن والي الولاية حينها، لحضور وليمة أعدها لي بمناسبة يوم ميلاده. حينها فكرت في أن أُزَوِّر يوم ميلاد لي، أدعو فيه بدوري ابن الوالي. ولكن سرعان ما عدلت عن تلك الفكرة الساذجة، ولم أحاول بعد ذلك أن أبحث أو أفتش أو أزَوِّر تاريخ ميلاد.
فتحديد تاريخ للميلاد لا يعني بالنسبة لي الشيء الكثير، فمادام لا يمكن لأي واحد منا أن يحدد ما تبقى من عمره، فما أهمية أن يحدد ما مضى منه.

وبعد أن كبرت، وجدت أن اختلاف الأهل حول تاريخ ميلادي، قد ربطني أكثر ببلدي، وعزز من انتمائي له. فالبلد حاله كحالي قد اختلف مواطنوه على تحديد تاريخ موحد لميلاده، اختلافا كبيرا، وتفرقوا في ذلك طرائق قددا.

فمنهم من يقول بأن موريتانيا ولدت في يوم 28 من نوفمبر 1960، ومنهم من يدعي بأنها ولدت في 10 يوليو 1978، في حين يؤكد البعض أنها تم اغتيالها في ذلك اليوم، عن عمر يناهز 18 سنة. وهناك من يعتبر بأن تاريخ الميلاد الحقيقي هو 12ـ 12 ـ 84، وهناك من يجزم بأنه كان يوم 3 أغسطس 2005، في حين ترى طائفة أخرى بأن ميلاد موريتانيا، كان في صبيحة يوم الأربعاء، الموافق 6 أغسطس 2008. أما شباب “الفيس بوك” فيفندون كل تلك الروايات والمزاعم، ويقولون بأن موريتانيا لم تولد بعد، وأنهم يبذلون قصارى جهدهم، على الانترنت طبعا، لتهيئة الظروف المناسبة التي يجب أن تسبق عملية ميلادها المنتظرة منذ أمد بعيد.

وإذا كان البعض يعتبر بأن موريتانيا لم تولد بعد، نظرا لغياب الانجازات، فأنا أيضا، ومن هذه الزاوية، يمكنني القول بأنني أتشابه مع بلدي، وبأني لم أولد بعد، لأني لم أنجز حتى الآن شيئا مذكورا، رغم أني حي أرزق منذ أواخر عقد الستينات.

وغياب الانجاز في حياتي، هو الذي دفعني لأن أتعاقد للمرة الثانية مع كاتب مغمور، ليكتب لي سيرة حياتي هذه، والتي سأحاول أن أثبت لكم من خلالها، وعلى صفحات أوراقها، بأني مولود منذ نهاية الستينات، بعد أن فشلت في إثبات ذلك على صفحات الواقع الشاحب والبائس دائما وأبدا.

ويؤسفني أن أقول لكم في بداية هذه السيرة، بأن فكرة كتابتها إنما هي مؤامرة وخدعة كبرى، دبرتها أنا وكاتبها، من أجل أن نعلن عن ميلادنا بهذه الطريقة العجيبة، بعد أن فشلنا في إعلان ميلادنا بأي طريقة أخرى.

فنحن نعتقد بأن نشر هذه اليوميات، سيمنحنا الفرصة لأن نولد من جديد. وسيكون بإمكاني بعد نشرها، أن أدعي بأني رجل عظيم، فالعظماء وحدهم هم الذين تكتب سيرهم، رغم أني لم أكن عظيما في أي يوم من أيام حياتي، منذ أن ولدت على صفحات هذه الرواية، في أواخر الستينات من القرن الماضي. وسيكون بإمكان كاتبها أن يدعي كذلك بأنه رجل عظيم، فمؤلفو الكتب هم عادة رجال عظام، رغم أن هذا الكاتب، عاش ما مضى من حياته، متنقلا بين هوامش المكان وفواصل الزمن. وقد يعيش ما تبقى من عمره وهو كذلك.

ولأنه لا زالت في قلوبنا بقايا أخلاق، فقد اتفقت أنا وهو، أن نشعركم في بداية هذه اليوميات بما نحيك من مؤامرات بحثا عن شهرة شاردة، تفلتت من أمامنا كثيرا، وذلك حتى تكونوا على بينة من أمركم. والخيار في النهاية لكم، فإما أن تتوقفوا من الآن عن قراءة حلقات هذه الرواية، ولن تخسروا شيئا، إذا ما توقفتم. وإما أن تواصلوا قراءتها، وقد لا تكسبوا شيئا كثيرا، إذا ما واصلتم قراءتها.

وإذا ما قررتم مواصلة قراءة هذه اليوميات، وهذا ما نتمناه حقا، فسيكون من اللازم أن أحدثكم في بدايتها، عن نشوب خلاف حاد، بيني وبين الكاتب، كاد أن يؤجل هذه الحلقة عن موعدها. لقد دار بيننا نقاش ساخن حول البداية المناسبة لهذه الرواية. فالكاتب ولأنه من طينة قديمة، ولا يملك الجرأة للخروج من القوالب البالية، كان يريد لهذه اليوميات بداية تقليدية. وكان يحتج بأن الشعراء يبدؤون سيرهم، بالكشف عن مواهبهم الشعرية، والتي يقولون بأنها ظهرت في وقت مبكر من طفولتهم. والممثلون يبدؤونها بالادعاء بأنهم كانوا يقلدون الكبار، ويحاكونهم، وأنهم كانوا يمثلون وهم صغار. والرسامون يقولون في بداية سيرهم بأنهم كانوا يرسمون من قبل أن يتعلموا النطق. والقادة يقولون في مطلعها بأنهم كانوا يقودون أطفال الحي. ولذلك فعلى الأشخاص العاديين جدا، من أمثالي، أن يقولوا في بداية سيرهم بأنهم كانوا عاديين في طفولتهم، وأن بوادر “الشخصية العادية” قد ظهرت ملامحها، وبشكل مبكر، في المراحل الأولى من طفولتهم العادية.

وكان من الواجب عليَّ ـ حسب النظرية البائسة لكاتب هذه السيرة ـ أن أفتش عن كل الأشياء العادية في طفولتي، وأن أسردها في الحلقة الأولى من هذه السيرة، وذلك لكي يكون بإمكان كل من يقرأ ذكريات طفولتي، أن يستنتج ـ وبلا مشقة ـ بأني سأصبح شخصا عاديا جدا.
أما أنا فكنت أرى أنه من الأفضل، أن نصدم القارئ، وأن نتعامل معه بشكل عنيف. وأن نقدم له في بداية هذه الرواية طفولة غير عادية، ثم نختمها له، بشخصية عادية جدا. وكنت اعتقد ـ ولا زلت ـ بأنه كل ما كانت صدمة القارئ أكبر، وخيبته أفظع، فإن ذلك إما أن يؤدي إلى نجاح هذا العمل نجاحا باهرا، أو فشله فشلا ذريعا. وكلا الأمرين بالنسبة لي يعتبر إنجازا عظيما.

فأنا من الذين يخافون أن تضيع أعمارهم، وهم يتنقلون بشكل عبثي بين نجاح صغير، وفشل صغير.فلا النجاحات الصغيرة قادرة على أن تخرجني من زحام القاع، وأن تصعد بي إلى القمة، ولا الانتكاسات الصغيرة كافية لأن تجعلني أتذمر من العيش وسط زحام الفاشلين الذين تحجب عنهم نجاحاتهم الصغيرة رؤية القاع الذي يهوون إليه. ولذلك فأنا أميل دائما إلى المخاطرة التي لابد أن يعقبها نجاح كبير، أو فشل ذريع. أما الكاتب فهو أقل طموحا مني، وأقل مخاطرة. وهو يريد أن يكتب هذه الرواية بطريقة هادئة جدا، وتقليدية جدا، تجعلها إن فشلت تفشل فشلا عاديا، وإن نجحت تنجح نجاحا عاديا. فهو يحلم بقليل من النجاح، مخافة أن يقع في فشل كبير.
ولحسم الخلاف، حول البداية المناسبة لهذه السيرة، طلبت من الكاتب ـ وبطريقة مفاجئة ـ أن يحدد لي ما هي الأشياء العادية، التي إذا ظهرت بشكل مبكر في حياة طفل ما، كان بالإمكان القول بأن ذلك الطفل سيصبح في المستقبل شخصا عاديا. وقلت له بأنه إن لم يستطع أن يحدد لي تلك الأشياء العادية، فإني لن أكون ملزما بالتقيد بنظريته البالية في كتابة السير.

وإذا كان الكاتب أمينا في نقل ما يدور بيننا من نقاشات، فسيقول لكم بأنه لم يتمكن من تحديد الأشياء العادية، التي يمكن من خلالها التنبؤ بأن الطفل الذي يتصف بها سيصبح شخصا عاديا.
ولأنه فشل في ذلك، كما فشل من قبل في أشياء أخرى، فقد وجدت أن ذلك يعطيني الحق الكامل في أن أسرد ذكريات طفولتي بالطريقة التي أشاء، مع التركيز على الذكريات الأكثر غرابة، والتي لا توحي بأن صاحبها سينتهي به المطاف، لأن يصبح شخصية عادية جدا، كما حدث معي.

ولعل من أغرب ذكرياتي، هواية عجيبة، كان يشاركني فيها طفل آخر. وكانت تدفعنا لأن ننقب عن العقارب بجنب أو بداخل جذوع الشجر الساقط، أو تحت ما جف من فضلات البقر. وكنا نجمع عددا منها، ونضعه على رؤوسنا وصدورنا العارية، ثم نتركه يتجول بحرية على أجسادنا. وكنا ندخل على بعض الأسر، ونحن في تلك الحالة، فنخيف الجميع: الأطفال، والنساء، وحتى الرجال الكبار.

وظلت علاقتي بالعقارب طيبة، لسنوات عديدة، إلى أن أخل عقرب طائش بالاتفاق غير المعلن بيننا، فلسعني لسعة قوية تألمت منها كثيرا. وأصبحت منذ ذلك الوقت أكره العقارب كرها شديدا.

أما علاقتي بالأفاعي والحيات، فلم تكن في أي يوم من الأيام علاقة طيبة. وكنت أفرح كثيرا عندما أتمكن من قتل حية أو أفعى، خاصة عندما يتقاعس بعض الرجال الكبار، ممن يخافون خوفا شديدا من الأفاعي، ويتركون لي دور البطولة في عملية قتل الأفعى.

وأتذكر بعدما أصبحت شابا، أني كنت في ليلة مظلمة، أتوسط مجلسا من مجالس شباب الحي، وكان يحيط بي عدد كبير من الشباب. وكان من بينهم صديق لي، كثيرا ما كنت أخيفه ببعض الحيل والمكائد. وكان صديقي ذلك، يحاول في تلك الليلة، أن يخيفني من خلال إدخال حبل قصير بيني وبين ثيابي، لكي أتوهم بأنه حية تسعى.

والغريب حقا، أن أفعى حقيقية، اختارت ذلك التوقيت بالذات، لتتجاوز كل المحيطين بي، قاصدة رجلي اليسرى، ولتبدأ بعد ذلك رحلة الصعود إلى أعلى. تجاهلت في البداية الأفعى، فكنت أعتقد بأنها مجرد حبل يحركه صديقي، وأن أفضل طريقة للتعامل مع صديقي ومع حبله السخيف، هي أن أستمر في تجاهل ما يدور فوق رجلي اليسرى من تحركات مشبوهة.
عندما وصلت الأفعى إلى أعلى الرجل، بدأت أشعر بأن ما يتحرك على رجلي، قد لا يكون حبلا يحركه صديق، فلا يوجد حبل بتلك البرودة، ولا بذلك السطح الأملس الناعم الذي كنت أحس به.

وما كان مني، بعد أن تأكدت بأن الحبل قد تحول حقيقة إلى أفعى، إلا أن أدخلت يدي اليمنى بسرعة داخل رجل سروالي الواسعة، وقبضت على الأفعى، ورميتها من فوق رؤوس المحيطين بي، ثم أخذت شمعة وعصا، واتجهت إلى حيث سقطت الأفعى، ثم وجهت لها ضربات قوية بالعصا حتى قتلتها.

بعد ذلك أخبرت الجميع بأن الأفعى المقتولة، كانت تسير على رجلي اليسرى منذ لحظات قليلة.

صفقوا من فضلكم، فهذه لحظة مناسبة للتصفيق.

صدقني البعض، وكذبني البعض الآخر. ولقد اضطر الفريق المكذب، أن يصدقني في صباح اليوم التالي، بعد أن انتفخ خط مسار الأفعى انتفاخا شديدا، محددا بذلك، وبدقة متناهية، الطريق الذي سلكته الأفعى على رجلي اليسرى.

ومن هواياتي الغريبة أيضا، أذكر أني كنت أذهب وحيدا إلى مقبرة المدينة، في أوقات الذروة المحتملة لظهور عفاريت الجن، وذلك لكي “أحظي” برؤية عفريت جن، من العفاريت الذين كانوا يظهرون هناك، في مثل تلك الأوقات، حسب روايات الأهالي.

ولقد دفعتني للبحث عن الجان، قصص غريبة، كانت تتكرر على مسمعي كثيرا، أبطالها رجال وشباب، بعضهم أعرفه بشكل مباشر، والبعض الآخر لا أعرفه.

كانت القصص تتشابه كثيرا، إلا أنها كانت مع ذلك مثيرة كلها، وكان أغلبها يتحدث عن رجل ضل طريقه، في ليلة مقمرة، فسمع نباح كلب، أو نهيق حمار، أو صياح ديك، أو أبصر نارا، عن بعد، فاتجه إليها، فوجدا خياما مضروبة، أمامها قطعان حيوان: إبل وأبقار وأغنام، وحمير وكلاب.

وتتوسطها خيمة تحلقت أمامها فتيات كن يضربن دُفاً بمهارة عجيبة، ويغنين بصوت ساحر.

وهذه المقدمة توجد تقريبا في كل تلك القصص، التي كانت تُحكَى كثيرا في فترة طفولتي. وإذا كان راوي القصة شابا، ادعي بأنه اتجه إلى الخيمة التي تتحلق أمامها فتيات الحي، وإذا كان رجلا كبيرا اتجه إلى إحدى الخيام الأخرى.

ويتفق الرواة، في نهاية كل هذه القصص، على أن الخيام وقطعان الحيوان والنيران والدف والفتيات وكل مظاهر الحياة الجميلة المحيطة بالخيام، من خضرة تكسو الأرض، ومن وديان تتخلل تلك الخضرة، أن كل ذلك تحول فجأة إلى أرض قاحلة جرداء، لا يرضى بها ضب الكدى، ولا توجد فيها إلا مغارات وجحور، حفرتها بعض الحيوانات المفترسة.

كنت أندهش من هذا التحول الهائل، الذي يحدث في طرفة عين. وكان يبهرني الرواة وهم يتحدثون عن عملية التحول تلك، والتي كانت تحدث دائما، وفي كل تلك القصص، في لحظتين اثنتين. فإذا كان الراوي حاذقا فطنا، فإنه يفطن في وقت مبكر إلى أن أصابع أيادي سكان الحي، لا تتجاوز أربعة أصابع، فيعلم بأنه في حي من أحياء الجن، فيسمي، فتختفي كل مظاهر الحياة من حوله، وتتحول إلى مغارات وجحور. أما إذا كان غير فطن، فإن عملية التحول تتأخر قليلا، في انتظار اللحظة التي سيفتح فيها الراوي إحدى عينيه، بعد نوم طويل أعقب ليلة رائعة، في حي من أحياء الجن.

أحد أصدقائي، جاءنا في إحدى الليالي، بقصة أكثر غرابة، وتشكل ثورة في أنماط قصص الجن التي كانت تروى لنا في ذلك الوقت. صديقي يقسم بأنه شاهد ثلاثة قطط على جبل من جبال مدينة لعيون الفاتنة. وكان أحد القطط الثلاثة، يعزف على قيثارة، والثاني يغني، أما الثالث فكان يرقص. صديقي وحتى بعد أن كبر لا يزال يصر على أن قصة القطط الثلاثة، ليست من نسج خياله، بل إنها قصة حقيقية، لا يقبل من أي أحد أن يشكك فيها.

أما أنا فلم يحدث أن شاهدت جنيا واحدا في حياتي ، رغم بحثي الدؤوب عن الجان. ولم أشاهد إلا أشجارا، كان يخيل لي في بعض الأحيان أنها ربما تكون جنيا ينتصب في ذلك المكان. ولكني كنت كلما اقتربت من الجني المحتمل، اكتشف أنه مجرد شجرة. والمؤكد أني لو لم اقترب من تلك الأشجار، لكان بإمكاني أن ادعي بأني رأيت بعض الجان، ينتصبون في أمكنة متفرقة من ضواحي المدينة الفاتنة.

تصبحون على الحلقة الثانية من الرواية…

محمد الأمين ولد الفاظل

رئيس مركز ” الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية

هاتف 46821727

elvadel@gmail.com

www.elvadel.blogspot.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى