دبلوماسية الفرد ..!

لقد أثبتت المواقف الدبلوماسية للحكومة الموريتانية منذ اعتلاء “رئيس الفقراء” عرش الجمهورية الميمون أنها لاتخدم إلا المصالح الفردية والذاتية لشخصه الموقر. ورغم أن مواقف الدول تدور حيث تدور مصالحها أو هكذا ينبغي لها أن تكون وهو مايوصف بالدهاء السياسي إذ لا وجود لمصلح النفاق في المعجم السياسي، لم تجن موريتانيا من مواقفها الدبلوماسية إلا تضرر مصالحها متمثلا في تضرر مصالح جاليتها ـ في مختلف البلدان المجاورة وغير المجاورة أحيانا ـ من تجارة ووظائف وتكوين أكادمي أو مهني ….

ولا تزال موريتانيا دولة في طور النشأة لايمكنها الاستغناء عن علاقات دبلوماسية تتسم بالمرونه دون خنوع تحقق من خلالها اهدافها. ولا عن حكنة سياسية تخولها مسك العصا من الوسط إن اضطرت إلى ذالك في بعض الحالات (مالي والسنغال، المغرب والجزائر، السعودية وإيران أو فرنسا والولايات المتحدة الامريكية مثلا …).

إن من يعتقد أن موريتانيا بوضعها الحالي دولة بمقاييس العالم اليوم واهم ورائد يكذب اهله أو محلل تهيمن عليه العاطفة.. نعم كانت موريتانيا حاضرة علمية وأشتهرت وذاع صيتها أيام كان رجال تسري دماء الوطنية في عروقهم هم من يمثلها في المحافل الدولية وكان هم التعريف بها وموقعتها في الخارطة الدولية مايؤرق مضاجعهم فالف بن الأمين الشنقيطي كتابه الوسيط ليبقى شاهدا على الثقافة العالمة والذاكرة الشنقيطية الحافظة .. وألف ولد حامدن موسوعته ردا على استهزاء أولئك التجار اللبنانيون … واللائحة تطول وليس هذا موضع سردها وفي ماذكر كفاية. وكانت سمعة موريتانيا الدبلوماسية تكبر حجمها الجغرافي والسياسي في سنوات الاستقلال الأولى عندما ضحى جيل الاستقلال من أجلها وقارع بها في الققم والمؤتمرات الإقليمية والدولية. أما محاولة اعتبار موريتانيا بطلة بتأزيمها لعلاقاتها مع السنغال أو المغرب أو الإمارات … فهو تكلف بارد وعلى صاحبه ان لا ينسى أن موريتانيا لاتمتلك مصنع يمدها بحاجتها من أعواد الثقاب أحرى مافوقها، وأن مئات إن لم نقل آلاف الافواج من طلبتها يهاجرون سنويا بحثا عن تكوين أكادمي لاتتوفر ابجدياته في جامعــــــــــــــــــــــ”ات”نـــا (بصيغة الجمع) الوطنية.

المقصود أن المتتبع لبعض مواقف الحكومة الدبلوماسية يحير ويتيه في بحثه عن مببراتها ودوافعها وإجابيتها على الجاليات التي ينبغي أن تكون مراعاة مصالحها أحد المعايير المعتبرة في اتخاذ المواقف. ولو قمنا باستقراء سريع لمجمل علاقاتنا بدول الجوار مؤخرا لوجدنا أن المتضرر الأكبر منها هو الجاليات الموريتانية في الخارج ومصالحها وسمعة موريتانيا وصيتها.

***

وكانت البداية من السنغال حيث عرفت علاقاتنا الجوية معها تأزما بلغ درجة إغلاق المطارات في وجه رحلات كل من البلدين وتعطلت الرحلات المنطلقة من انواكشوط لعدة أيام حتى اسعفتنا بعض الدول الاخرى بمهابط “لأسطولنا الجوي” .. !!! هذه الخطوة وإن جاءت نوعا من الرد على السياسة السنغالية تجاه موريتانيا حينها إلا أنها لم تأخد بعين الاعتبار عشرات الطلبة الموريتانيين في الجامعات السنغالية وعشرات المرضى الموريتانيين الذين يتعالجون في مستشفياتها ومصالح التجار وقطعان المنمين ووشائج العائلات التي تجمعها أواصر اجتماعية مع الشعب السنغالي … وغير بعيد من السنغال ذبح موريتانيون ونهبت اموالهم في ساحل العاج وشردوا تحت تهديد السلاح بسبب مواقف الحكومة الموريتانية المتشبثة برئيس اسقطه شعبه من خلال صناديق الاقتراع قبل أن تسقطه الشرعية الدولية على حساب رئيس مسلم معترف به. فلماذا أصرت الحكومة على موقفها يومها رغم صرخات الاستغاثة التي اطلقتها الجالية الموريتانية في تلك البلاد ؟؟؟ الله أعلم .!!

موقف مشابه هو ذاك الذي تبنته الحكومة تجاه الثورة في ليبيا. وقد يتجاهل المتابع جرائم القذافي ونكرائه ويتفهم ولو مبدئيا الموقف قبل نجاح الثورة؛ بل ويتأول له ويلتمس له أحسن المخارج فليبيا تؤوي الكثير من الموريتانيين والقذافي مستبد وطاغية قد يحرق جميع الموريتانيين أو يدفنهم في قبور جماعية على عادته في حالة اعتراف موريتانيا بالثوار… إلى آخره من التأويلات. ولكن مالا أفهمه ولا أخال غيري يفهمه هو تمسك الحكومة بنفس الموقف حتى بعد نجاح الثورة وموت القذافي وانتفاء أي مصلحة للبلد “بالوفاء” لشخص القذافي. وقد تراجعت في المقابل أسهم صيت الموريتانيين في البورصات الشعبية الليبية ولا أرى لهم حظا في ليبيا مابعد الثورة وقد استأثر به أقوام آخرون كالمصريين والتونسيين …. وقد حرم الموريتانيين موقفهم الدبلوماسي وتأخر اعترافهم بالمجلس الانتقالي الليبي وظائف شاغرة لاتتوفر لهم في وطنهم. فمالذي جعل الحكومة الموريتانية تتجاهل المصالح الآنية والمستقبلية للشعب الموريتاني ؟؟؟؟؟؟؟؟ الله أعلم !! …. كدت أنسى … للأمانة القذافي كان من كبار المدافعين عن انقلاب 6 أغسطس … والجزائر تؤوي أفرادا من أسرة القذافي ..!!

كذالك الموقف المتردد من الثورة في سوريا وانعدام وضوح الرؤية في كيفية التعامل معها والذي تمثل في زيارة وزير من الحكومة المبجلة إلى حيث يعبث حزب العبث (بالباء في الوسط) بدماء الشعب السوري الأبي … ونهمس هنا في أذن صاحب الموافق الدبلوماسية ناصحين ونذكره بأن الشعوب أبقى من الحكام ونلتمس عنده مراعاة ماتبقى من سمعة البلاد ومصالح شعبها الوديع وهي فرصة سانحة للتكفير عن الخطيئة الليبية فهل من مدكر؟ ولم تحرم الجالية الموريتانية في دولة الإمارات حصتها من بركات دبلوماسيتنا الحكيمة ولم يتأخر رد الفعل الإيماراتي على بدعة اعترافنا بالشيعة وتقربنا من إيران. وقامت الإمارات بتسريح افراد شرطتها الموريتانيين فرادا (وهو مارفضت بعض الدول ان يفعل بمواطنيها من شرطة الإمارات) وجماعات وتقلص اهتمامهم بالائمة الموريتانيين وكذالك الكوادر العلمية على حساب نظرائهم من دول المغرب العربي الاخرى. أما على المستوى الوطني فكان من نتائج صفقة “كيران (حافلات) عزيز” مع الحكومة الشيعية الايرانية زرع السرطان الشيعي في الجسم الموريتاني والأحتفال بالحسينيات جهارا نهارا في بعض مناطق العاصمة انواكشوط … وهو فيروس قد يهبط منحناه ولكنه لاينعدم (بلغة الرياضيات) ورفضه من أصله اسهل من استأصاله بعد زرعه. وقريبا تسب عائشة وابوها وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم في ارض شنقيط إن لم نبادر ونضع حدا للمد الشيعي.

وفي المملكة المغربية وهي من أكثر الدول استقبالا للبعثات الطلابية الموريتانية بحكم وجود مقر الوكالة المغربية للتعاون الدولي بها وكثرة الجامعات نسبيا (15 جامعة تقريبا)، لم تمر إجراءات الطلاب هذا العام بنفس السلاسة المعهودة الاعوام الماضية. ولم يسجل أي طالب دكتوراه ـ حسب علمي ـ بعد الشهر الحادي عشر من العام المنصرم على عموم التراب المغربي. وقد رجع العشرات من طلبة الماستر إلى الوطن والغموض يلف مستقبلهم الاكادمي والتكويني في حين تتشاغل الحكومة بمنع امرأة وابنائها من زيارة صهر مريض..! وينضاف ـ في الحالة المغربية بالإضافة إلى ماتنبأت به بعض المواقع الإخبارية الموريتانية كموقع الأخبار والمغربية كهس برس ـ التلاعب بالملف الطلابي على مستوى السفارة الموريتانية في الرباط وما يكرسه بعض موظفيها من محسوبية وزبونية مما جعل بعض الطلاب يرى حل المشكل الراهن في فصل القائمين على الشؤون الطلابية وخاصة الملحق الثقافي السبب المباشر في كل ما يعاني منه الطلبة. ما لا أفهمه ولا يفهمه المتابع للشأن الموريتاني هو وجود ما تسميه الصحافة ببوادر ازمة دبلوماسية بين المغرب وموريتانيا … لماذا ؟؟؟ اللهم إلا حاجة في نفس عزيز لم يقضها بعد !!!

* * *

وهكذا حق للمواطن الموريتاني أن يتسائل : إلى أي وجهة ستزج به دبلوماسية حكومته ؟ ولا أريد هنا ان يفهم من كلامي دعوة للخنوع أو الانهزامية … لا. بل إن موريتانيا دولة لها كامل الحق في أن تصل من شاءت وتقطع من تشاء، ولكنها دعوة إلى بناء ذالك الوصل أو القطع على أسس من المواطنة تظهر إيجابياتها على المواطن الموريتاني وقد فرحنا كثيرا واستبشرنا خيرا بموقف الحكومة من العلاقات من الكيان الصهيوني ـ وإن كان الشذوذ الذي يثبت القاعدة ـ إذ كان طرد السفارة الإسرائيلية مطلبا شعبيا. والناظر اليوم بموضوعية إلى الوضع في موريتانيا يعلم يقينا أننا في حاجة إلى الوظيفة الخليجية والجامعة (الاكادمية) العربية والمستهلك الافريقي … ولا مجال للمزايدات عند الحديث عن مصالح المواطن.

زيدان ولد ابراهيم

طالب باحث يحضر رساله ماستر في الدراسات الثقافية والادبية باللغة الانكليزية

فاس – المغر

Zeid121@yahoo.fr

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى