(KINROSS Tasiast) تنتهك حرمة مقابر الأجلة الأعلام
طالعتنا الأخبار بنبش وإخراج وتحويل قبور في ضاحية أكجوجت من طرف شركة (أم سي أمMCM ) وذلك لأغراض تتعلق بعمليات استغلال المعادن ( الذهب والنحاس )، المعلومات المتوفرة أن العملية كانت محدودة جدا وأنها تضمنت مستوى معتبرا من الاحتياطات، شكلت ضمانا لتمرير القضية بسلام،
طبعا هذه العملية (النبش والإخراج والتحويل) شاركت في التمهيد لها، القرار، التنفيذ، والتمرير بعض أهل المسألة ( وفق التعبير المستخدم الشهير)،
تفيد تلك المعلومات أيضا أن ساكني القبور التي اعتبرت رميما (بالية، مندرسة) ليست لأعلام علمية ولا ثقافية ولا جهادية، وليست مصدر إلهام أو إقتداء، بل وأضافت إن بعضها مشكوك في كونه قبورا، إذ لم يعرفها أحد من السكان ولا توجد عليها أية كتابة وإن كانت ردما على هيئة القبر.
وتضيف التبريرات التي سيقت في الإطار العام للنازلة أن القبور واقعة في قلب منطقة الاستغلال التي تغمرها بحيرة غسيل المعادن ونفاياتها مما يلحق أضرارا فادحة ومؤكدة بالرفات، وأن القبور الآن في وضع استثنائي بحيث أصبح الوصول إليها مستحيلا من الناحية العملية دون التعرض لصعوبات جمة بسبب المستنقعات حولها،
للأسف الشديد لست مفوضا فقهيا للبحث من الناحية الشرعية في تحقيق صحة الحكم أو الحجة في تنفيذ العملية، إلا أنني مع تسليمي وانصياعي المطلق وتوقفي التام عند أحكام الله لاحظت من خلال مطالعاتي أن المذهب المالكي السني (المهيمن والوحيد في الجمهورية الإسلامية الموريتانية) متشدد جدا فيما يتعلق بحرمة القبور، ولا أجد ضرورة إلى اللجوء لغيره من المذاهب، خصوصا أننا نشهد اليوم دعوات وافدة تحرم بل وتكفر بزيارة القبور وتعظيمها، فضلا عن دول هدمت وطمست معالم قبور ومقابر ضمت شخصيات إسلامية من الرعيل الأول مصدر الإلهام والاقتداء، مما يجعل استنساخ تجاربها، تطبيق استنتاجاتها، القياس على أحكامها، خارج السياق وليس حجة والله أعلم.
على كل حال يقول الشيخ محمد المامي:
وللنوازل أحــــــــــــوال وأزمنة تنوعت مثل الاحوال الأزاميــــن
فيكشف الغم تنزيل الخلاف على حالين أو زمني ما هو مفتـــــون
ولا أريد اجتهـــادا لكن إن نفذت قبلي لمجتهد والاه تضميـــــــــن
بشرط إن وافقت قـــولا لمذهبنا ومذهب الغير إذ لا نص ماعون
صحيح أنه يمكن الاستئناس بالحوادث المشابهة، والاستنارة بالآراء الواضحة مع مراعاة الخصوصية المحلية عموما والخصوصية المميزة لكل حالة منفردة، والظروف التي تعبر عن كل حالة،
لأكون أكثر دقة فهناك فرق كبير بين حماية حرمة وكرامة الميت من المساس بها أو الإيذاء الواقع عليها حال وقوعه أو خشيته (كما تم تكييف الحالة في أكجوجت)، وبين استرخاص تلك الحرمة والكرامة في حال إمكانية تجنب ما يؤدي إليها ضمن استغلال الإمكانيات الضخمة والهائلة ماديا وتكنلوجيا المتوفرة لتحقيق تلك المنافع والمقاصد الشرعية طبقا لقواعد المذهب المالكي.
ثم طالعتنا الأخبار بنية شركة تازيازت بعد توسعتها: نبش وإخراج وتحويل مقابر وقبور أجلة أعلام على غرار ما فعلته أختها الأصغر، معتبرة ذلك هو المنهج السليم المقبول والشرعي أيضا، بل ويتجاوز الإباحة لحد الوجوب، باعتبار تلك الممارسة السابقة (السابقة) لأختها، متجاهلتين (على الأقل من وجهة نظري) ما تمثله القبور عند المسلمين عامة، والمالكيين خاصة، والموريتانيين بشكل أخص.
لهذه المقابر والقبور في نفوسنا منازل عامرة من الموعظة والإلهام والإقتداء والرمزية التاريخية، والهوية، بل وحتى الملكية، فضلا عن المعالم الثابتة والمستقرة في الأرض والمنظومة القيمية لمجتمعنا، وكونها الذخر الزاخر من معادن الحكمة وسداد الرأي والأسرار المتصرفة، والواجبة الكتم، التي من خلالها حفروا الآبار، مهدوا طرق الخير للسالكين بالزاد والأمان، نشروا الدين وحفظوه ونصروه، لم يغيروا ولم يبدلوا.
فهذا مثلا محمد عبد الله ولد البخاري ولد الفلالي، العالم العلم الجهبذ، سيد عصره، نادرة زمانه، الفهامة العلامة الموسوعة، الشاعر المؤلف، كتابه (العمران) واسع الانتشار والذي تناوله الباحثون من كل أصقاع الأرض، الذي قبره رمز من رموز وعلم من أعلام هذه البادية العالمة، الذي تنبغي رعايته والمحافظة عليه مثل ما هو، كجزء من التراث الانساني وإدراجه في خارطة للسياحة الثقافية والعلمية للبلاد.
وهذا محمد ولد محمود ولد عبد الله، السيد الزعيم، جمع العلم والصلاح والزعامة ورجاحة العقل، ووفرة الحاشية والبذل في رضى الله، مسموع الكلمة، نافذ البصيرة، ناصر الملة، محارب البدعة، سديد الرأي، قبلة أهل الحوائج، صاحب السر والجهر، الجبل الذي أنار الدرب.
وهذا مسكة بن باركلل ولد أحمد بزيد، لديه العلم والعمل، أمسكت عنه السلاطين، حافر الآبار، صاحب الإنشاء والإخبار، الجنة الدنيوية، به أضحك الله الورى وبه أبكى، خبره سابق، ذكره سامق، مجده شاهق.
وهذا باركلل (أب قبيلة أهل باركلله)، نغضب لغضبه، نعجز عن حلمه، نقف عند أمره ونهيه، نعيش بظله، نحتمي بكمه، ننهل من علمه، نهتدي بهديه، نقتبس من أثره.
وهذا محمد نوح ولد محمد لمين ولد أبوه، الحبر البر، النابغة التقي، السيد المهاب، الموسوي، الذين فاقوا كل العلماء، وسلمت أحكامهم كل السلاطين، وسارت الركبان بمراتبهم في كل الأقاليم، أهل الزهد والحلم والعلم والخلق الحسن، بذكرهم نتبرك، وعلى معروفهم نتطفل، نعم آمين.
وهذا سيد ولد الشيخ ولد لعروسي، المجاهد قائد معركة أم التونسي، البطل الذي لا يشق له غبار، عبق التاريخ، حام الحمى، الملهم المُلهمُ، السيد في الدنيا والآخرة، الشهيد، من (أولاد أدليم) القبيلة العربية العريقة الحافلة بالإنجازات والأرقام القياسية في مختلف الميادين الحربية والعلمية والأدبية في هذه البلاد.
وهذا محمد ولد أحمد مرحب، الفارس الفتى، تعرف الناس أشعاره كما يعرف النصارى نكايته وبأسه، نتعلم من حكمته، نتغنى بشعره ووجده، نتشبه بطهره وصدقه، من (أولاد اللب)، اهل الصبر والصدق في الحرب، ضيفهم لا يشبع، عدوهم لا يأمن، مصاحبهم لا يخاف، لا يخذلون بالجريرة، قليلون عند الطمع، كثيرون عند الجزع.
وهذا الطالب ولد خيرات ولد أحمد ولد المكناس، الشهم السيد ابن السادة من اهل لغزال، ويضرب بهم المثل في الشجاعة ونكاية العدو، حتى قيل أن خمستهم لا تهزم، في حقهم محمد ولد هدار : (خمسايتكم بيه يغي يالكرع أ لاينشاف أذكر …).
وهذا سيدأمحمد ولد أدميس (جد الدميسات)، اسمه واسم أبيه على اسم جده سيد أمحمد أدميس الجامع (الجامع لقبيلة أولاد بسباع)، الشريف العالم المنفق التقي النقي، ابو الفوارس، طارد الهواجس، جالب المدارس، المبسوط له في رزقه، والمنسوء له في أثره.
وهذا الشيخ سيد محمد ولد الشيخ سيد المختار الكنتي (شيخ المشايخ)، مؤخر في مرتبة التقديم، (امرابط فصك)، استسقى به وبضريحه وباسمه الشيخ محمد المامي، فمطر الناس، وانبتت الأرض من كل زوج بهيج، من قبيلة كنته، أهل العلم والحلم، والشدة في اللين، واللين في الشدة.
وهذا.. وهذه..وهذه… والقائمة تطول من القبور في منطقة الذهب والذهب قليل في حقهم؟ّ ولولا الإطالة لذكرتهم جميعا، ولعددت جميع خصالهم فهي دواء لكل داء.
يقول الشيخ محمد المامي:
بلاد العامري لنا اصطفاها فبارك ربه فيها وفيــــنا
نزور بها مقابر دارســات على قدم العهود مخلدينا
معادن حكمة و سداد رأي وأسرار بها متصرفيــنا
هل يعقل أن تغفل الشركة عن التزاماتها في الاتفاقية مع الجمهورية الإسلامية الموريتانية، مدونة الاستثمار، والمدونة المعدنية، والتي لا تتضمن جميعها أي إلزام بنبش أو إخراج أو تحويل القبور.
هل نسيت الشركة أن تلك الاتفاقية المبرمة مع الجمهورية الإسلامية الموريتانية تقيد حريتها في استغلال الأرض إذا تعلق الأمر بانتهاك للقانون، الأضرار البيئية، أو الإخلال بالأمن العام، وهنا مربط الفرس فهذه المرة لن يمر الأمر بسلام حال التعرض لهذه الأضرحة (رياض الجنة)،
قد تثير هذه القضية إن لم يتم ترك هذه المقابر كما هي غضب هذه المجموعات التي تعتبر نفسها أصلا محرومة من منافع ثروات الأرض التي استوطنتها أحياء وأموات وعمرتها بالآبار والزاد والحمى، والمعبئة والمستثارة حميتها في رموزها مصدر عزتها وكرامتها، والمستعدى على دمها.
عندما تغضب هذه المجموعات لا حي إلا الله يعلم ما قد يفعل الغيظ فيها حين يشتعل، وبالنتيجة تكون الشركة قد أخلت بالأمن العام، مما يترتب عليه الإخلال بالإتفاقية الموقعة بينها والجمهورية الإسلامية الموريتانية، فيكون للدولة الحق في سحب رخصتها وفرض شروط قاسية على الشركة، وطرح اتفاقية جديدة مختلفة للحصول على الترخيص من جديد، ولا يخفى هنا ما يمكن أن تخسره الشركة من أرباح جراء التوقيف من ناحية والعقد الجديد من ناحية أكبر.
نظرا لكل ما تقدم أقول إن على الشركة (تازيازتTasiasit ) أن تتجنب التعرض لهذه القبور الآمنة والمخلدة من أمد بعيد، وأن تعمل على خلق حلول فنية هندسية وعلمية تضمن لها تحقيق الاستغلال الأمثل لمناجمها دون المساس أو حتى الاقتراب من هذه القبور، التي ضمنت جميع الشرائع (الإسلام – المسيحية – اليهودية) حرمتها وكرامتها، وأن لا تغتر ببعض ما قد يقدمه البعض لها على أنه فتوى شرعية أو عادة عملية أو ضمانة قانونية، بل انه يتوجب عليها (على الأقل) حسن مجاورة هذه المقابر، ورعايتها قدر الإمكان والمتاح، وإلا فالكف عن الاعتداء على حرمة قبور المسلمين، والتهاون بأعلام الأمة ومزارات الشهداء والصالحين.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين والموالين في الزمان والمكان والمنهج المستقيم المستنير العزيز المتين، وأستغفر الله العظيم.. أستغفر الله العظيم.
وقد أعذر من أنذر:
لأن للبيت ربا سوف يمنعه طيرا أبايبل إن جاح الغرابين
ملاحظة:
– للحصول على نسخة من هذا المقال باللغة الانكليزية ترجى المراسلة على البريد الالكتروني.
Batta122000@yahoo.fr


