وزير الدولة: ورعه وعشقه

أتي نوفل ابن مساحق بابن أخيه وقد أحبل جارية من جيرانه فقال: يا عدو الله لم ابتليت بالفاحشة ألا عزلت عن الجارية، فقال يا عم بلغني أن العزل مكروه، فقال قاتلك الله بلغك أن العزل مكروه ولم يبلغك أن الزنا حرام.

تذكرت هذه القصة وأنا خارج من محاججة وزير الدولة للتهذيب الوطني والتعليم العالي والبحث العلمي، في السبب الذي جعل الحكومة بنفس الأعضاء لم تزدد بوزير ولم تنقص بآخر يضرب في عهدها الأطباء والأساتذة فتقطع رواتب الأساتذة، وتعفي رواتب الأطباء، والقانون المنطبق على القطاعين قانون واحد، فكان جواب الوزير شبيها بجواب ذلك الشاب الذي صرعته الشهوة والشبهة، فلم يعرف من الحق إلا ما أشرب هواه، لقد كان جواب وزير الدولة أنه يطبق القانون على الأساتذة حتى لا يأكلوا الحرام.

وجزى الله معاليه عن الأساتذة خيرا في حرصه على آخرتهم أكثر من حرصه على دنياهم، فهو الدليل العملي الوحيد حتى الآن على دعواه دوما أنه مسكون بحبهم، ذلك الحب الرومانسي المثالي المتصوف، الذي ينسي القارئ حب المجنون لليلى وجميل لبثينة وتوبة للأخيلية وكثير لعزة، ولا غرابة في ذلك فألائك تغزلوا بمحبوباتهن طلبا للمتعة بهن والتلذذ بمناغاتهن، وقد ينجر عن ذلك مفاسد أخروية، أما معالي الوزير فيمنع الأساتذة أرزاقهم وما تجر عليهم من متعة متواضعة، حتى لا تكون حسرة عليهم يوم القيامة، وبهذا الاعتبار فحب الوزير للأساتذة أحر وأسمى وأنبل من حب أولائك العشاق الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس بروائع أشعارهم الخالدة في محبوباتهم.

غير أنه يعكر صفو هذا الحب ويجعله مضروبا في عدد محصور ما بين -1 إلى – ما لا نهاية. أمور من أهمها:

1- كون الوزير لم يمنع نفسه مما يمنع منه الأساتذة، فقد قضى ثلاث سنوات وهو يتقاضى راتبين: راتب كأستاذ تعليم عالي، وكموظف في شركة -والعهدة في هذا على الأستاذ الجامعي والبرلماني الألمعي يعقوب ولد أمين-.

ولا يمكن أن يقال إن الأساتذة أحب إلى الوزير من نفسه لأن الوزير الفقيه الورع يعلم أن الإيثار في الأمور الأخروية لا يجوز، إلا أن يكون معاليه اتخذ هذا القرار وهو في حالة من الشطح وذهاب العقل من خمرة حب الأساتذة، وحينئذ قد يكون معذورا عند أهل الباطن من ذوي الكشف عن خفايا القلوب وحقائق الأحوال، ملوما مذموما عند الحاكمين بظواهر الأعمال.

2- كون الوزير -والعهدة علينا- دفعت وزارته رشاوى كثيرة في شهر مارس الماضي لكثير من المختفين والطواقم الإدارية تمثلت في علاوة الطباشير والساعات الإضافية، تشهد بذلك كشوف الرواتب في ولايات الوطن كانواذيب وآدرار والحوض الغربي وغيرها، لا لشيء إلا لأنهم ساهموا في كسر الإضراب وإن بحبس تلاميذ في فصل بلا دراسة، وقد لعن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي، هذا إذا كان من ماله الخاص فكيف به إذا كان من المال العام؟.

إن أقل ما يقال فيه أنه جود بلفوري ممن لا يملك لمن لا يستحق.

3- كون الوزير سحب عدة امتيازات من جملة من الأساتذة كوظائف الرقابة العامة عقابا على ممارسة الإضراب، دون نص بالعقوبة ولا استشارة من مجلس التأديب، ولا شك أن مستند الوزير من الورع في هذه العقوبات من الخفاء بمكان، إذ لا عقوبة إلا بنص وبعد تمكين المتهم من الدفاع عن نفسه، والقاعدة الذهبية في هذا المجال: أن خطأ الإمام في العفو خير من أن خطئه في العقوبة.

4- كون ورع الوزير لم يمنعه من جعل المعيار الأبرز والأهم -ولا أقول الأوحد- في اختيار أساتذة ثانويات الامتياز وتصحيح الامتحانات الوطنية، هو التخلي عن هموم الأساتذة ونضالاتهم، وترويج دعايات الوزارة عن نقاباتهم الجادة، مقابل علاوات زهيدة.

5- كون ورع الوزير لم يمنعه من كتم ونكران امتيازات متواضعة لأحبته الأساتذة ممثلة في تعهد الحكومة منحهم علاوات التجهيز وتعدد الاختصاصات والازدواجية، وذلك في مراسلات موثقة برسالة بتاريخ 19 مارس 2009 موجهة من وزير التهذيب أحمد ولد اباه إلى الوزير الأول الدكتور مولاي بن محمد الأغطف، ثم رسالة بتاريخ 19 إبريل 2009 موجهة من وزير التهذيب أحمد ولد اباه إلى وزير المالية سيد أحمد ولد الرايس، وهو أمر لم يكن يحتاج سوى أدنى متابعة من معاليه، لكنه أضاع حقوق معشوقيه حرصا على مرضاة ولي نعمته الذي يعلم أنه ينطبق عليه قول القائل:

لا تسألن بني آدم حاجـــــــــة وسل الذي أبوابه لا تحجب
فالله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب

وتتبع الشواهد الدالة على غرابة ورع الوزير وعشقه للأساتذة أمر مستعص لكثرتها وتنوعها.

وخلاصة القول أن الأساتذة يقولون لمعاليه: أربع على نفسك، ولا تهلك شوقا ومحبة، فلن نشق قلبك لنعلم ما به من وله بنا، بل حاول أن تبغضنا قليلا، لتعاملنا كما يعامل وزراء في حكومتك عمال قطاعهم، ولم نسمع منهم ذلك التوله والتعشق، لكنهم حصلوا مكاسب لعمالهم كوزير الداخلية مع الشرطة.

وفاوضوهم وهم مضربون ولم يقطعوا رواتبهم كما فعل وزير الصحة مع الأطباء.

حاول أن تبغضنا قليلا ما دام حبك لم يجلب علينا إلا المعاناة، فقد جاء في بعض الحكم أن عداوة بعض الناس خير من صداقته، وبغضه خير من حبه.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى