.الشرعية والمشروعية والمصداقية..

إذا كان لهذه الأمة من شباب يحق لها الاعتزاز به، ويمكن التعويل عليه في خضم المعركة الحضارية الشرسة التي تخوضها أمتنا الإسلامية ضد العدو الكافر المتغطرس المتصهين، لكن المتفوق علميا وتكنولوجيا، تماما كما تخوضها ضد الفقر والجهل والمرض، قبل أن تخوضها شعوبنا العربية والإسلامية هذه ضد الطغيان والاستبداد والقهر،كل شعب علي حدة، حسب مقتضيات الظرف والخصوصيات والمميزات…، إذا كان..

إذا كان لهذه الأمة من شباب يعي في تعاطيه مع المستجدات والمتغيرات، يعي الثوابت، فيعضّ عليها بالنواجذ، كالقابض علي الجمر، في الوقت نفسه الذي يعي فيه تمام الوعي، المتغير، فيغير من ظروفه الشخصية، وأسلوب تعاطيه، تبعا لذلك، كما تمليه حكمة الدين الإسلامي الحنيف، وتقتضيه سنن الله في الحياة ونواميسها…، إذا كان..

إذا كان لهذه الأمة من شباب يحمل هم الأمة كلها، وعلي وجه الخصوص قضية الأمة الأولي والأهم، ألا وهي القضية الفلسطينية، وواجب استرجاع الأقصى المبارك، أولي القبلتين وثالث الحرمين ومسري الرسول الأعظم، صلوات الله وسلامه عليه وعلي آله، تماما كما يحمل الهم اليومي لقطره ووطنه، هم بلاده السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فتراه يتحرك علي هذه المستويات كلها، علي قدر المستطاع من التأثير والتأثر والتفاعل المبدع والخلاق… ، إذا كان..

إذا كان لهذه الأمة من شباب بهذه المواصفات، وعلي هذا القدر من الوعي الحضاري، والتجذر القيمي، والولاء للأمة ودينها وقيمها وثوابتها، ..فهو بالقطع والجزم ،شباب التيار الإسلامي، من المحيط إلي الخليج، وعلي اختلاف أطيافه وتنوع تنظيماته، الشباب المتوضأ، المتسلح بالعلم والإيمان وسماحة الإسلام، المتحفز والمتوثب، المتطلع دائما إلي الأفضل والأصلح، المتأهب عدة وعتادا للذود عن حوزة الأمة وثوابتها…

تلك حقيقة أصبح يعيها القاصي والداني، ولا يكابر بها إلا كل متوهم، متواني، من عبدة الدينار والدرهم، من المنبهرين بالتفوق المادي للحضارة الغربية.. المنسلخين بسبب الألينة والاستلاب الفكري البغيض، في أبشع صوره وأسخفها تارة، الدائرين مع البلاط والسلطان تارة أخري، والراضين بالفتات علي موائد الجاثمين علي صدور الشعوب الإسلامية من طغاة ومتغطرسين، همهم الأكبر بطونهم، ومناصبهم وملذاتهم في الحياة الدنيوية..

فأيهم أجدر وأحق بتقديرنا واحترامنا؟ لعمري إن الجواب لبين وصريح..

نعم، لقد كانت مستويات تجاوب المجتمعات في الدول الإسلامية المختلفة مع الطرح الفكري والسياسي والاقتصادي والثقافي للأحزاب السياسية الإسلامية تختلف من قطر لآخر، ليس كما قد يتبادر إلي الذهن، علي قدر تدين هذه المجتمعات، وإنما علي العكس من ذلك تماما..علي قدر ابتعادها عن الدين، يكون رجوعها إليه، قويا..

فنجد المجتمعات الإسلامية، كلما ابتعدت وأبعدت عن دينها وقيمها وهويتها الحضارية، كلما كانت استجابتها أسرع إلي الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، و في المقابل،كلما كان قربها إلي التدين التقليدي والموروث الديني العام أكثر حضورا واستئثارا ،كلما كان التشويش أكثر، وبالتالي تأتي الاستجابة اقل وأصعب تحققا في الأفراد والمجموعات، نظرا لوجود ذلك التشويش المتمثل في التدين التقليدي والموروث، الذي هو المعول الهادم للدين علي مر السنين، كما يروي عن الفاروق تأكيده لذلك بقوله :” إنما يقطع عري الإسلام عروة بعد عروة، الرجل ينشأ في الإسلام لا يعرف الجاهلية “…

ويشكل هذا المستوي من التدين التقليدي، الأعمى، خطرا أكبر وأدهى، عندما تفطن الأنظمة الشمولية والدكتاتوريات المتغطرسة، والدائرين في فلكها، إلي أهميته كمبرر ومسوغ لدي السواد الأعظم من الشعوب لغطرستها واستبدادها وتسلطها وإحكام سيطرتها علي مقاليد الأمور. مما يجعل مهمة النهوض بواقع الشعوب الإسلامية من القهر الحضاري، والتخلف والجهل والفقر،عبر فكر تنظيري إسلامي حداثي تجديدي، يستلهم الماضي لينهض بالحاضر،ويضمن المستقبل المجيد لأمة عليها واجب الريادة، واستحقاق وصف خير أمة أخرجت للناس…،مهمة شبه مستحيلة..

أجل، لقد جعلت هذه الوضعية التي سادت عقودا ولا زالت تسود في كثير من دول العالم الإسلامي، جعلت الأحزاب السياسية الإسلامية، تبدو وكأنها تواجه مشكلة شرعية ومشروعية في قعر ديارها، وتعاني نظرا لذلك من صعوبات جمة في استقطاب و اجتذاب الجماهير،ذات الفكر المشوش والوعي المستلب، التي هي في الحقيقة جماهيرها، والحاضن الطبيعي لخطابها السياسي، المرتكز إلي تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، الذي هو دين الجميع ومرجعيته..

ولكن، ما إن تصمد الحركات الإسلامية في بلدانها، وتبرهن علي براعتها في استرجاع جماهيرها، عبر العمل الميداني والتحرك الواعي، المستوعب لفقه الأولويات، والمتبني للقضايا العادلة للشعوب، والمناضل من أجل حريتها وكرامتها..حتى يدرك الجميع أن المشروعية والشرعية والمصداقية في الأقوال و الأفعال، هي لمن يؤمن بالله ربا، و يتخذ محمدا صلي الله عليه وسلم قائدا، والقرآن دستورا، فيصبح الاستشهاد في سبيل الله أسمي أمانيه..

قلا يؤتمن علي مصير هذه الأمة، ومصالحها العليا، في السياسة، والاقتصاد، والثقافة إلا الذين يتقيدون بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، ويلتزمون بتلك التعاليم في كل صغيرة وكبيرة، هؤلاء وحدهم يحق للمسلمين أن ينتخبوهم، لتولي شؤونهم العامة، ولينهضوا بواقع الأمة المتخلف، للحاق بمصاف الشعوب والأمم التي كسبت، أو توشك أن تكسب معركة النهوض والتقدم والنمو والازدهار..

لذلك أقول ببساطة إن كل كثيب في هذه الأرض المباركة، أرض المنارة والرباط، كل واد، وكل تل، أو شاهق، أو جبل…، كل مئذنة، ومحراب، ولوح، ومداد…، كل بئر، وحبل، سانية…، كل شجر، ووبر، ومدر.. كل شيء..، كل شيء.. في موريتانيا يشهد بشرعية و مشروعية ومصداقية التيار الإسلامي…وذلك قبل الدساتير وقبل القوانين… ولربما كان الأولي و الأجدر أن نقول : لقد كان خطأ أن يمنح أي حزب سياسي غير إسلامي ترخيصا في الجمهورية الإسلامية الموريتانية!

فكل من آمن بالله حق الإيمان، وكان القرآن دستوره قبل كل دستور، ومحمد صلي الله عليه وسلم قائده قبل كل قائد، والشريعة المحمدية قانونه قبل كل قانون، فهو إسلامي، لا ينقصه سوي السعي والجهد والبذل والتحرك في سبيل تكريس هذه المنظومة القيمية، والمرجعية الحضارية السامية…في السياسة والاقتصاد، والثقافة، والسلوك الجماعي والفردي…

فإلى كل من يسعى اليوم، وبشكل متجاوز في الحقيقة، إلي التشكيك في شرعية ومشروعية حزب سياسي إسلامي في موريتانيا أقول: الشرعية والمشروعية والمصداقية يمنحها الشعب الموريتاني أولا وأخيرا. فلا يوجد خطاب سياسي، أكثر من خطاب التيار الإسلامي ، يستجيب بحق لتطلعات الشعب الموريتاني، ويصغي له الشعب الموريتاني بإعجاب، يوم يتحرر هذا الشعب من غفلته، ويتخلص من الأباطيل والافتراءات علي حملة قيم هذا الدين ورموزه، وطليعته ونخبته، الصادقة في ولائها لقيمه، الناصحة للأمة، التيار السياسي الحامل لهمومها، المسلح بالفكر الإسلامي المعتدل، المستمسك بالثوابت.. والصامد في وجه الباطل وغطرسته..

وليس هذا من باب الإطراء ولا الثناء المجاني، وإنما هو تذكير للجاهلين والمتجاهلين لحقيقة الإسلاميين، وإفحام للأعداء المتحاملين، وقبل هذا وذاك، كلمة حق، في ظل حملة إعلامية ضارية، ودعاية مغرضة يشنها أعداء الإسلاميين في موريتانيا، يريدون بها النيل من زخم هذا التيار، وشدة تأثيره في كل أوساط المجتمع، وشرائح عريضة من الشعب الموريتاني، خصوصا الشباب المثقف والواعي لدوره الريادي في الأمة..

محمد يسلم ولد يرب ولد ابيهات
نواكشوط07/06/2012

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى