أحزاب الموالاة: ائتلاف البخلاء!!!

أحمد الله تعالى أنني –رغم ولوجي حقل الصحافة المستقلة مبكرا، أي منذ العام 1991 رئيس تحرير لصحيفة “الوعي البديل”- إلا أنني (رغم ذلك) أستطيع الجزم بأني لو قمت اليوم بجولة تقودني لزيارة جميع مسؤولي هذا البلد ومتنفذيه وميسوريه؛ فإنه لن يتسنى لي التعرف على أحد منهم، كما لن يستطيع أي منهم التعرف علي؛ اللهم إلا إذا تعلق الأمر بمن عرفته أو عرفني عفوا، أو من ربطتني به علاقة عمل أو رابطة خاصة لا صلة لها بميدان الصحافة وممارسة مهنتها..

لم يتسن لي –على مدى 21 سنة من ممارسة المهنة- أن أحتك بأي من أولئك الذين يصعب على أي صحفي في هذه البلاد أن يتجنب الارتباط بهم، والالتجاء إليهم، والاتكاء عليهم للنهوض بمسؤولية عظيمة تنوء بثقلها الجبال؛ ولذلك أسباب بعضها موضوعي والآخر ذاتي:

من هذه الأسباب الموضوعية أنني لم أكن (باستثناء فترة وجيزة) مديرا ناشرا لصحيفة أو موقع تترتب علي مسؤولية الوفاء بحقوق العاملين فيه وتوفير الشروط المادية للحفاظ على استمراريته وتطويره.. إضافة للنظرة الخاطئة والظالمة التي ظل وما زال كثير من المسؤولين يحملونها عن الصحافة المستقلة والتي شجعتهم عليها ممارسات كثير من مرتزقة القطاع، تلك الممارسات المخزية التي دفع ثمنها العديد من أعلام صحافتنا العصاميين النبلاء دون أن تمنعهم من شق طريقهم الصعب نحو بناء صروح إعلامية شامخة رغم شح الموارد، وصعوبة الظروف، وعداء المحيط، وتخلف القادرين عن دعم قطاع يستحيل الحديث عن دولة مدنية لا يحتل فيها مكانة “السلطة الرابعة” حقيقة؛ لا وهما أو خديعة…

والواقع أنني كنت قد حصلت على رخصة لإصدار صحيفة باسم “حريات”، نشرت منها ثلاثة أعداد توقفت بعدها نهائيا عن مواصلة الإصدار، بعد أن اتضح لي حجم المتطلبات المادية لضمان الاستمرار، وبعد أن آنست في نفسي فقرا مدقعا في مجال “الجرأة” على تسول دعم القادرين.. وذلك بعض ما قصدته بالأسباب الذاتية..

مناسبة هذا الحديث ملاحظة لفتت نظري وأنا أحاول تغطية المهرجان الكبير الذي نظمته نساء الأغلبية ؛ بعيد مهرجان “الحشد الكبير” الذي نظمته المعارضة المطالبة برحيل النظام؛ حيث اتضحت لي أكثر حقيقة كنت أتأملها وأحاول فهمها منذ وقت غير قصير وتتعلق ب”القيمة” التي تمنحها السلطة (بشكل خاص) وحزبها الحاكم وموالاتها (بشكل عام) للصحافة المستقلة ودورها وأهميتها.

إن ثمة ما يشبه إجماعا داخل حقل الصحافة المستقلة بموريتانيا على حسن استغلال المعارضة لهذا الفضاء، والاستثمار فيه، والاستفادة منه على أوسع نطاق؛ مقابل ما يشبه التجاهل والاستخفاف التام الذي يلقاه هذا القطاع من السلطة بكل مشتقاتها وزوائدها والمتسلقين على جسدها!!

ويكفي أن نحاول عد المواقع والجرائد المحسوبة على المعارضة، وتلك المستغَلة من طرفها للدعاية لأنشطتها ونشر أخبارها وتغطية فعالياتها.. ولعلنا نجد أقرب الأمثلة في المهرجانين الأخيرين للمعارضة والموالاة؛ حين استبقت بعض المواقع الإعلامية “مهرجان الحشد الكبير” بتسريب “معلومة” دعائية تقول إن ذلك المهرجان سيتضمن عرضا لشريط فيديو يظهر فيه الرئيس محمد ولد عبد العزيز وهو يبرم “صفقة تبييض أموال ويتكلم الدارجة المغربية”؛ واتضح في ما بعد أن الأمر يتعلق بدعاية تستهدف جر غير المعارضين إلى المهرجان بدافع الفضول!

ورغم أن مثل هذه الدعاية يضر مسربها ولا ينفعه؛ إلا أنه يكشف عن مدى قدرة المعارضة على التأثير في بعض المواقع الإعلامية لحد دفعها لنشر ما قد يسبب موتا أكيدا لمصداقيتها؛ وهو ما لا يتصور حدوثه دون تصور الثمن الكبير المدفوع لأجل تحقيقه.. أضف إلى ذلك الدعاية الكبيرة والإشهارات مدفوعة الأجر (ولا عيب في هذا) التي كانت تمتلئ بها المواقع والصحف الوطنية قبل كل نشاط ذي بال تقوم به منسقية المعارضة، ناهيك عن التغطية المباشرة للحدث والتي جعلت بعض هذه المواقع ينقل وقائع أنشطة المعارضة لحظة بلحظة وببعض التفاصيل “المملة”؛ وبالإضافة من عند نفسه؛ مثلما “تكرم” به بعضها حين ذهب للتأكيد على أن “مهرجان الحشد الكبير” بلغ عدد المشاركين فيه 150.000 نسمة!!.

ورغم نجاح الموالاة في حشد ما قد يكون ضعف ما حشده “الحشد الكبير”، فإن الذي يحاول تقييم ذلك الحشد انطلاقا من المعطيات المتوفرة في أغلب المصادر الإعلامية “المستقلة” قد ينتهي للحكم بفشل ذلك المهرجان نظرا لضعف مستوى الاهتمام الإعلامي الذي حظي به مقارنة مع ما تستقطبه نشاطات المعارضة عادة من اهتمام تحليلي وتقويمي..

قد يقول الموالون إن تلك مسألة تخص الإعلاميين الذين لا نملك المقدرة على دفعهم للاهتمام بما لا يريدون الاهتمام به! غير أن ذلك رد يخفي تهربا واضحا من مسؤولية فهم حقيقة سلاح الإعلام والاعتراف بدوره، واحترام القائمين عليه، والوعي بحقيقة الظروف القاسية التي يعملون تحت تأثير سطوتها..

كما قد يقول هؤلاء الموالون إنهم يكفيهم أن نشاطهم يغطيه التلفزيون الوطني ويفسح له مساحة لا يحلم خصومهم السياسيون بالحصول على ثلثها؛ وتلك إجابة لا تعني سوى التأكيد على أن الموالاة تريد الاكتفاء بمخاطبة نفسها ومحاولة إيصال رسالتها لذاتها وكأنها لم تؤمن بعد بما تعتقد!!!

على كل حال؛ إنهم أدرى بمصالحهم؛ لكننا مهتمون بمصالح الجميع، ونعتقد أن وجود إعلام مستقل قوي ومدعوم من الجميع (بتوفير المعلومة، والإشهار، والدعاية، ومختلف شروط الدعم غير المشروط) هو في صالح الجميع: الدولة والمجتمع والمؤسسات.. ولقد علمنا يقينا أن أي دعم يقدم لهذا القطاع لن ينال منه صاحب هذا المقال؛ لأنه غير معني به أساسا؛ ولكن ستنال منه عصبة طيبة من أعلام صحافتنا المستقلة ما زالت تبذل من جهدها ما تطيق وفوق ما تطيق لتقيم في هذا البلد “سلطة حق رابعة”، نحن أحوج ما نكون إليها، وأكثر من أي وقت مضى..

أما عنوان هذا المقال؛ فقد علمنا أنه واخز وجارح، ولكن عذرنا فيه أننا لم نقصد المعنى الأخلاقي أو الذاتي لكلمة “بخلاء”، وإنما قصدنا الدلالة السياسية، والاستفزاز الذي يستدعي قراءة أشخاص لمقال يخبرهم عنوانه أن فيه إساءة لهم؛ عساهم ينتبهوا لخطأ لا يخدمهم الاستمرار في الثبات عليه، كما لا يخدم مشروع خلق صحافة مستقلة قادرة على المساهمة في رفع التحديات الوطنية.. وما أكثرها..

“والله من وراء القصد”، “وهو يهدي السبيل”.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى