الأسبقية لليسار

من بين مزايا كثيرة للسكن في الأحياء الفقيرة أن زحمة السير فيها قليلة على عكس الأحياء الراقية التي يصعب الدخول إليها والخروج منها في أوقات الذروة، لكن هذه الميزة التي استمتع بها مع ميزات السكن مع الفقراء حقا لا ادعاء فقدتها فجأة قبل أيام عندما فوجئت بزحمة شديدة قرب أول ملتقى طرق على الطريق الرابط بين الحي الفقير حيث أسكن ووسط العاصمة حيث أعمل.


توقعت بداية أن حادث سير صباحي حصل وأن شرطة الحوادث تأخرت كعادتها فانسد الطريق وتجمع الناس يسألون “بفضولنا الوطني ” المعتاد عن أسباب الحادث وعن ضحاياه وعن غير ذلك من الأسئلة التي تتكاثر في تجمعاتنا العشوائية.. فلكل قادم سؤال ولكل سابق إجابة تجمع بين المعلومة والتحليل والتخيل أحيانا.

اغتنمت الفرصة لمطالعة صفحات من الكتاب الرائع الذى أصدره صديقي وأخي الأستاذ محمدسالم ولد محمدو عن الرق في موريتانيا، وصبرت على الطريق أتقدم رويدا رويدا نحو الدوار لأعرف سر هذه الزحمة الطارئة على طريقنا الذى يصطف على جنباته من المنتظرين لسيارات الأجرة والباصات المهددة بالانقراض أكثر مما يمر من السيارات.. طالت الزحمة كثيرا وبدأت شمس نواكشوط الصائفة في الارتفاع لترتفع معها درجة حرارة ركاب السيارات غير المتعودين على الزحمة في طريق الأحياء الفقيرة..

وبعد انتظار عصيب وصلنا أخيرا للدوار لنجد هناك فرقة من أمن الطرق أو شرطة مسغارو كما يعرفهم أغلب الناس، أوقفتنا الفرقة وأدي أحد أفرادها التحية.. خطر ببالي أن أشكره كما شكر الرئيس المصري محمد مرسي قادة الجيش وأقول له كما قال لهم إن تحيتهم للمدنيين تعني أنهم يدركون أن هناك سلطة فوقهم هي سلطة الشعب.. لكني انتبهت إلى أن هناك فارقا ما في التوقيت بين نواكشوط والقاهرة وبيني وبين مرسي وبكل تأكيد بين الشاب المتعب الذى أوقفنا والمشير حسين طنطاوي، لم تكد هذه الخاطرة الغريبة تغرب عن بالي حتى بدأ صاحبنا في تقديم التفسير الغريب لكل هذه الزحمة قائلا أو قفناكم اليوم لنقول لكم إن هناك قانونا جديدا.. نعم قانونا جديدا ينص على أن الأسبقية لليسار.. رجوته أن يعيد الكلام فلم أفهم ما ذا يقصد واقتحمت على خاطرة جديدة تقول إنه ربما يكون حصل تحول ما في التوجهات السياسية لقادة موريتانيا الجديدة تقرر بموجبها التصالح مع اليسار بعد أن كان منذ انقلاب السادس من اغسطس 2005 في طليعة محور الشر… أعاد الشاب الشرح قائلا هناك قانون جديد للسير ينص على أن الأسبقية لليسار بعد أن كانت في السابق لليمين ونحن هنا اليوم لنطلب منكم التطبيق الفوري لهذا القانون حتى لا نضطر لتغريمكم وفق ما ينص عليه القانون أيضا.

قاطعته أهذا كلما في الأمر أيها الشاب المحترم.. ألهذا السبب تعطلون حركة المرور كل هذا الوقت.. أنا اعتقد يا صديقي المحترم أن هناك أسبقية غير الأسبقية التي قلت قاطعني أقول لك القانون تقول لي عندي أسبقية أخرى قلت له نعم هناك أسبقية أخرى وأولوية أخرى هي أن تحرر موريتانيا من الحاكم العسكري الغبي الذي يحكمها اليوم.. هذا الحاكم الذى يطبق فينا كل يوم “بنات حماقاته “.. لم يتمالك الشاب نفسه فضحك متوارياعني فاتحا الطريق ومتوجها إلى سيارة أخرى ليبلغها ” القرار التاريخي “الصادر عن القيادة التاريخية والقاضي بأسبقية اليسار.

واصلت طريقي إلى المكتب فتذكرت قصة حصلت معي قبل أشهر عندما كنت عائدا من المغرب في ساعة متأخرة من الليل وعندما وصلت مطار نواكشوط الدولي، وبينما أنا في حالة ذهول عادية تصيب كل من يعود من خارج موريتانيا ويرى مطارنا الدولي وشرطتنا الدولية ودركنا الدولي وشكليات مطارنا الدولية، بينما أنا في حالة الذهول تلك أنتظر إكمال الإجراءات لأخرج من ضائقة المطار إلى سعة الوطن الفسيح الجميل بأهله وعبقة وذكرياته خاطبني الشرطي المشرف على تسجيل البيانات أريد منك رقم المنزل حسبته يوجه السؤال بطريقة غير دقيقة إلى مسافر غير موريتاني كان يقف بجانبي قلت له من تقصد قال أقصدك لدينا قرار جديد بأخذ عناوين منازل جميع القادمين.. اجبته ليس معي رقم المنزل ،معك رقم جواز السفر وعنوان العمل ورقم الهاتف فما ذا تريد أكثر قال لي الشرطي المسكين لكن التعليمات لدينا واضحة أن لايدخلنها اليوم عليكم من لايعرف رقم منزله.. قلت له أنا لا أعرف رقم المنزل.. قال لي اتصل على أهل البيت لتعرف منهم رقم المنزل قلت له لن أفعل لن أزعجهم في هذا الوقت نزولا عند مقتضيات قرار مرتجل تتخذونه أنتم أو سيدكم الارتجالي في وقت متأخر من الليل وتشرعون في تطبيقه..

لم يعرف المسكين ما ذا يفعل في مواجهة الموقف قال لي إذا ما العمل، قلت له الحل أن تعيدني على متن نفس الطائرة إلى الدار البيضاء ما دام أن القرار واضح أن لايدخل من ليس لديه رقم منزل.. استدعي الشرطي المشرف على المداومة وطرح عليه المعضلة وأعدت عليه حجتي فحاول معي أن أعطيه أي رقم لكني رفضت ما جعله في النهاية يسمح لي بالدخول دون رقم منزلي مخالفا التعليمات الصارمة التي صدرت في الهزيع الأخير من الليل.

هكذا نحن في موريتانيا ” الجديدة” في كل يوم فكرة مرتجلة تعطل حركة السير أو تهدد بمنع مواطن من دخول بلده، أو تفرض عليه رسوما مجحفة حتى يستطيع الحصول على أوراقه المدنية.. تلك هي الحالة المزرية التي وصلنا إليها بعد أربع وثلاثين سنة من حكم العسكر؛ حال تعتقد شرطة مسغارو أن الأسبقية فيها لليسار، وتعتقد شرطة مطار نواكشوط الدولي أنها لرقم المنزل، وتجتهد وكالة أمربيه لتحصيل المليارات من بيع الهوية أما أنا ومعي الكثير من شباب موريتانيا فنعتقد أن الأولوية والأسبقية هي للانتهاء من حكم العسكر حكم الارتجال والعنف والاستخفاف بالمواطنين وكرامتهم ووحدتهم وحريتهم تلك هي الأسبقية أيها السادة الإرتجاليون.. أربع وثلاثون وسنة من حكم الاستغباء والاستخفاف والاستحماق تكفي وأكثر.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى