موريتانيا وأزواد

حزب المجموع

سواء كانت النتيجة متولدة عن “حذر” “أو طمع” أو قناعة، أو كلها مجتمعة، فليس ذلك مهما بالنسبة لصناديق الاقترع ، إنما المهم العدد والنسبة المعبرة عن الواقع، مهما كانت طبيعة المخالفات فلم تكن مؤثرة على النتيجة الاجمالية.

في نهاية الحملة الرئاسية 2003 كانت إدارة حملة محمد خونا ولد هيدالة تقدر حظوظها بثلث الناخبين.


لكن النتائج تضررت كثيرا بسبب اعتقال المترشح قبل التصويت بأقل من ثمان وأربعين ساعة.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

خبر هذا الاعتقال انتشر كسحابة الدخان في البلد، فارتأى كثير من أنصاره أن لا داعي للتصويت.

فضلا عن ذلك، وبما أنه المنافس الجدي لمعاوية فإن جهود الإدارة والجهاز السياسي غير الرسمي تركزت ضد المرشح وحيثما أمكن التأثير عليه بصورة غير فاضحة حصل ذلك.

قيل في ذلك الوقت أن النظام الحاكم كان يتمنى – إذا لم يكن عمل من أجل ذلك- أن يبقى نتيجة المنافسين الثلاثة المنافسون متقاربة ومتواضعة، وفوق ذلك أن لا يجذب هيدالة قواعد المترشحيْن الآخرَيْن، ويخلق بذلك تيارا طاغيا يسحب في عنفوانه، ليس فقط المترددين، بل أيضا أطرافا من الناخبين التقليديين للأغلبية، لا تريد – وهذه ردة فعل كلاسيكية – المشاركة في الانتحار الجماعي، إذا استحال إنقاذ النظام من الغرق.

حتى لو سلمنا جدلا أن محمد خونا ولد هيدالة حصل في الواقع على 33% وأضفنا إليها نتيجة المرشحيْن الآخريْن الذين لم يكونا في ذلك الحين موسومَيْن ولا يمثلان مصدر قلق للنظام ، سنحصل في المجموع على 45% لأن المرشحيْن معا وبصعوبة حصلا على 12%.

هذه هي الوقائع. لكن الوقائع عندما لا تؤكد رأينا لا تعود براهين، ولا مقنعة، ولا موضوعية.. ذلك حالنا. وسنبقى كذلك، طالما أن محتوى وتوجه تعليمنا باقيين في مسار 82-84، عندما استُبعِد من البرنامج ما كان من شأنه تنمية وتدعيم القدرات التفكيرية.

نحن لم نتمثل في حياتنا بعد التصرف المنطقي الذي يمكننا من التعامل مع ذلك المعطى المتميز المسمى: الواقعة.

إن الانتخابات الأخيرة هي الأخرى: انتخابات 2009 هناك من لم يعترف بها، وبإمكان من اعترف بها أن يتخلى عن الاعتراف حسب المزاج والضرورة، ومن غير حرج وفي كل وقت، والانتخابات المقبلة كذلك لن يُعترف بها أيا كان الفائز، ولماذا يعترف بها، هي كسابقاتها.

الناس لا يقبلون إلا ما ينسجم مع آرائهم وأذواقهم، ولتذهب الديمقراطية إلى الجحيم.

إنها مسألة دائرية، كجمل منت الوناس.

ماركيز قال إنه حصل من افريد على هذه الملاحظة: مرض المريض أحيانا هو ردة فعل احتجاجية ضد الوسط المريض الذي يعيش فيه، ربما يكون ذلك حالنا أيضا.

هذه هي الحقيقة المبرهن عليها بالتجربة المتكررة.. بمعنى آخر ليس هناك من هو مستعد لأن يلعب دور المعارض الجاف.. الجميع يريدون أن يحكموا في وقت واحد، من خلال نفس الانتخابات.

إذا سرنا مع المنطق إلى نهايته، واستخلصنا النتائج اللازمة، فإن الوضع المقبول المرْضي، غير المنطوق، عند الجميع هو أنّ تسيير البلد عليه أن يوزع بين الفرقاء جميعا، ليس مؤقتا، أو تحضيرا الانتخابات مقبلة، ولا انتظارا لميل مؤشر الميزان، كما يحدث في الديمقراطيات، وإنما نهائيا ودائما. ولم لا؟ إذا كنا لا نجد توازننا إلا في هذا الشذوذ، فلأن هذا الشذوذ هو التعبير عن مستوى تطورنا هو إذن ليس شذوذا هو حالتنا السوية.

بإمكاننا أن نستعين بتجارب قريبة العهد لتأكيد هذا الحنين إلى الحزب الواحد. في النصف الأول من 2009، وخلال 2008، و2007 لوقت قصير، 2005 إلى حد ما عندما كانت الحكومة مختلطة كان الوضع مقبولا، ليس بالنسبة للرأي العام ولا بالنسبة للعمل الحكومي، ولا بالنسبة لأمن البلد، ولا بالنسبة لحل مشاكل المواطنين اليومية.

بل بالنسبة للطبقة السياسية.

هناك مجموعات لم يحالفها الحظ في تلك التوليفات، لكنهم لم يحدثوا ضجيجا كبيرا، إما لأنهم كانوا ينتظرون دورهم بهدوء، وإما لأنهم حمر الوحش النادرة القرناء المطلوبة: أي الديمقراطيون الحقيقيون الذين يقبلون حظهم برباطة جأش و- إذا صح التعبير – بمواطَنِية!.

إذا توجهنا إلى حكومة إجماع، فقد يهددنا أفق الهلوسة، الذي انفتح أمام هيدالة عندما ترشح لرئاسة 2003.

الطريقة التي اتبعت للحصول على أكبر حشد، وتعطي أملا للجميع، كانت أن المترشح يوقع مع كل حزب، ومجموعة، وتيار، وكل حساسية، مرغوب في مساندتها اتفاقية بموجبها يقبِلون برنامج المترشح، ويعملون مع الآخرين تحت نفس الشعارات، والمترشح بدوره يلتزم أن يشاركهم في تسيير البلد بعد الانتصار، بمعنى أن يمثلهم في حكومته.

قيادة الحملة من جانبها تستقبل مسبقا من يريدون مساندة المترشح لتحضير نص الاتفاقية، تفاديا لما من شأنه أن يحرج أو يزعج المترشح خلال الحملة، أو بعدها عندما يستلم السلطلة.

هذا العمل البسيط في ظاهره كان مرهقا إلى حد المقارنة بالأعمال السبعة لهركيلوس بالنسبة لإدراة الحملة.

إن المعنيين استنفروا كامل قدراتهم في اللباقة والاقناع، وإلى آخر حبة ذكاء عندهم لتوليف المتناقضات التي لا ينبغي الآن الخوض في تفاصيلها.

وعلى كل حال فقد ابتلعوا الاخطبوط مرات كثيرة أمرَّ من الحنظل وأنتن من الكلب الميت.

وصل الوضع في النهاية إلى أكثر من ثلاثين كيانا مستقلا، وكان ينقص هذه الباقة القوميون العرب الناصريون، ومن شأن ذلك أن يكون نقصا بيّنا.

إن إدارة الحملة بنظرتها الاستباقية دائما، دخلت في اتصال مع بعض عناصر هذا الاتجاه، وتطلب الأمر عدة أسابيع لكي تتضح الوضعية، ثم اتضحت على النحو التالي: الركن الأساسي قرر الاستمرار في مساندة معاوية، بينما قررت مجموعة تناهز الألف مساندة محمد خونا ولد هيدالة. ولم تكن هذه مسألة بديهية.

في حملات القمع المتتالية التي تخللت حكم هيدالة بين 79 و84 جاء دور الناصريين سنة 84، ولم يعرف أحد لماذا؟.

وكان القمع شنيعا إلى حد أن اثنين أو ثلاثة استشهدوا تحت التعذيب، ولم يكن سهلا على الجماعة تناسي شهداء المبادئ المشتركة، وأن يقلبوا لهم ظهر المجن، ولكن وجود عناصر تجمعهم معها قواسم الفكر الوحدوي، وسبق لها أن عانت قساوة اللجان العسكرية المختلفة.. إلى جانب هيدالة ساعد هذه الأقلية المعتبرة على الالتحاق بهذه التوليفة.

في الوقت الذي كانت فيه الاتفاقية جاهزة للتوقيع، اطلع المستشارون الخاصون للمترشح وهم مختلفون عن قيادة الحملة، على الاتفاقية، وأعلنوا أن المترشح لا يمكنه أن يوقعها.

وبسبب هذه الوضعية التأم اجتماع عام بين قيادة الحملة والمستشارين الخاصين برئاسة المرشح نفسه، حيث أَعلَن أن الآحزاب، والاتجاهات، والمجموعات، والحساسيات، التي ستشارك في الحكومة قد زادت على الثلاثين بحكم الاتفاقات الموقعة، ويجب إضافة الشخصيات الحاضرة وشخصيات متوقع التحاقها في الدور الثاني.

إذن يجب أن نتوقع أن يزيد أعضاء الحكومة المقبلة على الخمسين.. وهكذا لم يعد من الممكن زيادة العدد، خاصة أن الآفاق تبين بوضوح أنه مهما تضخمت الحكومة فلن تكون مناسبة بأي صفة لوضعنا، إلا إذا كان فيها أربعة أو خمسة كلهم بصفة وزير أول.

أما في الوضع الراهن وفي إطار روح الوئام الشامل فإن خمسين عضوا سيكونون فقط أعضاء لجنة وزارية مختصة.

يخشى علينا إن نصبح في وضعية (سين جورج) التي يقول التراث المسيحي القديم أنه سأل (الرب) أن يمنحه القوة اللازمة لركوب فرسه دون مساعدة أحد، فاستجاب الرب، لكن قفزة (سين جورج) تجاوزت به ظهر الحصان إلى المنحدر الآخر.

إن الحزب الذي تتطلع إليه القلوب والأذهان، بتهافت يلزمه الحفاظ على الكيانات، والألقاب، والعناوين، وقد يقبل كل التشكيلات اللاحقة، ليس هناك ما يحرجنا لأن البرامج متساوية، ولأن تنوع الاختيارات الفكرية والاتجاهات السياسية الأصلية قد تقلص وبهت، وضمر، بشكل ملفت خلال العشرين سنة الماضية دون أن نشعر.

لم يعد هناك يسار، ولا – بالأحرى- يسار متطرف، وقد نظن أن اليمين الرجعي الظلامي، هو نفسه في طريقه إلى الحد من تطرفه والتخفيف من حدته.

إذا كان العالَم مظهرًا لشيءٍ مختبئ خلف ستار التجربة المباشرة، فإن الموجود خلف الستار – حسب جواهر كلام هيجل- هو نحن.

قبل أن نتوجه إلى مشاكل أزواد.. الشاغلة، فإننا – كمشاركة أولى – نقدّم هدية على شكل “اسم” للحزب المُستَغْربْ، إنه بإمكانه أن يفخر باسم هو بحد ذاته تبجيل: حزب المجموع.

الظلم والبؤس

الأرض التي كان على كبولاني احتلالها كانت أوسع كثيرا من هذه التركة التي وصلتنا تحت اسم موريتانيا.

لأنها كانت تضم الصحراء الغربية، التي لم تكن قد تـُخُـلـِّيَّ عنها لاسبانيا، وتضم “أزواد الجغرافي” أي منطقة البيظان.

إن مصالح الدول الاستعمارية، وتوازن القوى بينها من جهة، وضرورة النفوذ إلى أعماق البلد وإدارته من جهة أخرى، حالت دون ذلك.

معظم بلاد البيضان، في النهاية، انقسمت إلى نصفين متساويين: الشطر الغربي الذي التقطوا له اسم موريتانيا من قارعة الطريق، سيسير انطلاقا من السنغال، أما الشطر الشرقي فسيدار من مالي.

لحسن حظ الشطر الغربي الذي هو موريتانيا، حدثت فتنة خطيرة في الحوض 1940. وتبين بسرعة أن السيطرة على الأمن في الحوض مستحيلة من باماكو. وتقرر في السنوات اللاحقة، إلحاق الحوضين بموريتانيا.

أما بيضان أزواد الخارجين عن تأثير الشيخ حماه الله، الموجودين في البؤرة الرئيسية للقادرية، أي في نطاق نفوذ آل الشيخ سيد المختار الكنتي، فأُهْمِلوا تحت وصاية بامكو، لأنهم غير معنيين بالصراع. بل إن القادة الحمويين الناجين من التصفية الاستعمارية، سجنوا في كيدال، وكَاوة.

ليس من الضروري أن نلحَّ على الوحدة التاريخية، بين مكونتي البيضان لأنها بديهية مسلمة، ولا على وحدة الانتماء لنفس المجتمع، لأنها ليست موضع جدال.

بالنسبة لكثيرين، انتماءُ الشيخ سيد المختار إلى أزواد، هو بحد ذاته، أكثر من كاف على تأكيد الوحدة الضائعة.

غير قليلين أولئك الذين يلتبس عليهم مكان قبر الشيخ الكبير. هل هو بين اكجوجت ونواذيبو في الموضع المسمى “فَصك”، أو هو في ولاته؟!… ببساطة هو في أزواد.

وفعلا الشيخ سيد المختار ليس كغيره، لأنه شيخ الشيخ سيدي الكبير، والشيخ القاضي، والشيخ المصطف، من بين أقطاب المنطقة الغربية، ولأنه شعَّ بعلمه على جميع الصحراء الكبرى الغربية، قبل أن تراها عيون الأوروبيين “بحرًا بلا ماء”. الحياة فيه مستحيلة، والمجابات لا متناهية.

قبل قرن الشيخ سيد المختار الكنتي، أي الثامن عشر، كانت التبادلات والتأثيرات تقع في الاتجاه الآخر، وخاصة انطلاقا من ولاتة.

لكن بعض المؤرخين يعتبرون أن ودان هو منبع الثقافة التي اشتُهرت بها تينبكتو، وأن أحمد باب التينبكتيُّ الشهير، يرجع في أصله إلى المدينة الآدرارية القديمة ودان. وبهذا يتكشف إلى حد ما الغموض الذي يلف ودان نفسها.

إن تدهور وتراجع دور هذه الحاضرة، قياسا إلى مثيلاتها، هو أمر مثير!.

إن هذا التدهور لا يرجع إلى هجوم بربري، والركودُ وتلاشي الحيوية، لا يفهم بدون عوامل هدم ناشطة ومنظورة، بالنسبة لحاضرة يقال إنه كان في الشارع الواحد منها، أربعون عالما ليس بينهم من يحتاج إلى الآخر في علم.

وادان إذن أعطت نَسَغَ حياتها، وهاجرت سريعا وبعيدا.

يصعب علينا اليوم أن نفهم سهولة قيام واستمرار علاقات بين وادان وتيمبكتو. ذلك أن تصو “الزمن” في ذلك الوقت، وتصوره الآن مختلف. فَسَفَرُ يوم أو اثنين ما كان يعتبر سفرا، السفر كان يعني فقط الانتقال من حاضرة صحراوية إلى أخرى، أو إلى أخريات.

الشيخ سيديا قبل سفره إلى أزواد، سافر إلى شنقيط، وتيشيت وولاته، يستكشف ماذا تخبئ في بطونها!

السفر الطويل مصطلح يخص السفر إلى القاهرة أو إلى الحرمين.

الأشهر أو الأعوام التي يقضيها الرجل في الغياب لا تحسب، إنما تحسب المعارف، أو الكتب أو الأموال التي جاء بها. النظر إلى الأمور كان يتم على مدى الجيل، وليس على مدى الشهر والعام.

الزمن كان طويلا والناس يعملون للأبد. الآن، الزمنُ قصير، رغم أنه لم ينقص ثانية، وقياسه باليوم.

الأعمال البعيدة المدى ما عادت تستهوي أحدا.

يوضح هدكَير هذا الشرخ في تصور الزمن: “الوقت الذي قَلِقَ فيه الانسان فجأة، من أنه لم يعد لديه الوقت.. من هذه اللحظة بالذات بدأ الضياع المتزايد للوقت. هذه اللحظة هي بداية ما يسمى بالأزمنة الحديثة”.

جيران البيضان من الشرق هم الطوارق الذين يتعايشون معهم في أزواد بمفهومه السياسي الجديد. وباتجاه الشرق يزداد عالم الطوارق كثافة، ويستمر في النيجر، بعد سهل أزواكْ، وجبال الأيَّيْر، حتى منخفض تَنَيرَهْ. ما وراء ذلك هو مُسَمَّى الصحراء الكبرى الشرقية. حيث يبدأ عالم التَّبُو وأولاد سليمان. أولئك العرب الذين طردهم الأتراك من ليبيا في القرن 19، وتفرقوا في بوركُو وغَانَمْ.

ولن نغْفِل بيضانا آخرين لمجرد أنهم ليسوا على جدول أعمال مأساة، ففيما وراء شرق أزواد، أي فيما يسمَّى أزواكْ النيجري، بيظان بثرواتهم الحيوانية وقراهم، وسيدهم المفخم بلقب “سلطان العرب”. يتعايشون كذلك مع طوارق النيجر.

القوة الرئيسية في أزواد بمعناه الواسع، وفي كل الأزمنة، هم الطوارق. مع أن البيظان قوة نوعية تفرض نفسها دائما على المستوى الروحي والسياسي – كنته، وأشراف أروان- والبرابيش وهم من فروع حسان، كانوا يفرضون أنفسهم على المستوى العسكري.

المؤرخة كَوْكَري فيدروفتش تبرز أن مدينة تيمبكتو القديمة استرجعت، في منتصف القرن التاسع عشر، قدرا من الاستقرار. واستعادت بعض إشعاعها تحت “القيادة الرشيدة والذكية لعرب كنته في عهد الشيخ البكاي”.

كثير من كبريات قبائل الطوارق يُرجعون أنسابهم القديمة إلى أصول عربية. إن “كَل أنْصَارْ” الأقرب إلينا جغرافيا يعتبرون – كما يوضح اسمهم- أنهم من الأنصار. أما إفُوغَاسْ فيقولون إنهم يرجعون إلى أشراف تافيلالت.

نجهل ما هي الروابط القديمة بين قبيلة عدنان والعرب الشماليين: مضر، ربيعة، إياد. وفي كل الحالات فإن لغة الطوارق المكتوبة “تيفيناق” هي سامية كالعربية والسريانية وأخواتها.

عندما قدِم الأوروبيون في نهاية القرن 19، كانت ردة فعل الطوارق هي بالضبط، ردة فعل البيظان، بمقاومة متبعثرة ولكنها شرسة. كثير منهم لبَّى دعوة الشيخ ماء العينين (روح المقاومة) كسكان الصحراء الكبرى الغربية، وقاتلوا إلى جانبه أو إلى جانب الشيخ عابدين ولد الشيخ. وآخرون قاوموا مستقلين ببسالة.

عندما اكتملت دائرة الاستعمار، وانتهت المقاومة، أوجد الاستعمار داخل الدائرة الكبرى دوائر داخلية أضيق، وهي الحدود الفظيعة التي تجاهلت المجتمع والتاريخ وعواطف الناس.

فجأة في يوم ما علم الناس أن ثمة خطوطا يحظر تجاوزها على المنتجعين، والمسافرين. وأنه يجب وقف كل الصلات والعلاقات التجارية والمبادلات مع الأهل والأقارب خلف خط معين. إنه السجن، السجن المعنوي المؤبد. تغيرت أسماء الجهات لم يعد الغرب غربا ولا الشرق شرقا: حلت محل ذلك أسماء غريبة يصعب نطقها على الألسنة: أسماء المستعمرات الجديدة.

إنها غرائب ظلم الاستعمار، كما رآها وسماها الناس في ذلك الوقت.

وضع الحدود الذي تحدد نهائيا عام 1945، بعد إضافة الحوضين إلى مستعمرة موريتانيا، بقي على حاله حتى الاستقلالات الإفريقية عام 1960. إلا أنه في عام 1957 شعرت فرنسا أن وضع المستعمرات غير سليم، وأن تقطيع الصحراء، وإتباع كل جزء منها إلى ما يقابله من مستعمرات السفانا الافريقية غير سليم. فتصورت مشروعا يضم الصحراء الكبرى الغربية، والصحراء الشرقية، والصحراء الشمالية، تحت اسم المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية.

المستعمرة الوحيدة التي استغرقتها المنظمة الجديدة بكاملها هي موريتانيا.

كان لهذه المنظمة مجلس يمثل أجزاء الصحراء. وكان ممثل موريتانيا أمير اترارزه: محمد فال ولد عمير.

المشروع كان طموحا، ويمس مصالح مستعمرات السفانا الافريقية. وزيادة على ذلك جاء متأخرا، أثناء حرب تحرير الجزائر. وظهر كما لو كان محاولة مهزوم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

سكان أزواد، وسكان أزواك، وسكان تيبستى، وسكان أنَّدِى، وسكان بُورْكو، استقبلوا المشروع بفرح كبير. وحدها موريتانيا من بين المعنيين، والتي هي صاحبة المصلحة الكبرى فيه عارضته بشدة.

سيدي المختار ولد يحي انجاي الذي كان في ذلك الوقت الشخصية الأولى في مورتانيا- وكأننا نسينا ذلك أو جهلناه- لم ير لنفسه مكانا في هذه المنظمة. والمختار ولد داداه الذي حظي في ذلك الوقت أيضا. بمباركة وتزكية سيد المختار، اكتشف بسرعة هو الآخر أن لا مكان لطموحاته الشخصية في هذا الكيان الضخم. أما ممثلو المناطق الصحراوية الأخرى فقد كانوا على العموم، غير متعلمين، وغير حاضرين في مجرى الحدث، وليست لهم رؤية لحركة الصراعات الجارية في العمق، ولم تكن لهم أصوات مسموعة، ولم يعرفوا بالتالي كيف يدافعون عن المشروع.

إذا كان هذا المشروع استعماريا فإنه ليس أكثر استعمارية مما يسمى بالقانون الاطاري الذي بموجبه أهديت لكل مستعمرة حكومة محلية برئاسة الوالي الفرنسي. إن حكومة المستعمرة الموريتانية هي التي شغل المختار ولد داداه منصب نائب رئيسها سنة 1957، وصار وزير المالية فيها المسيو كومباني موريس، مدير شركة لاكومب سابقا، ووزير التجهيز فيها المسيو ساليت.

في النهاية اجتمعت الجمعية الوطنية الفرنسية في جلسة علنية لتقرر نهائيا مصير المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية، وكان من غريب الصدف أن الحكومة الفرنسية مثلها وزير الدولة أنذاك المسمى هوفوت بوني (هو نفسه صار بعد ذلك رئيس كوت دي فوار) وهو بكل وضوح ممثل مستعمرات السافانا الافريقية التي تعارض انفصال المناطق الصحراوية عنها.الجمعية الوطنية الفرنسية يشجعها ممثل الحكومة وَأَدَتْ بسهولة آخر محاولة لإعطاء سكان الصحراء الكبرى إطارا يخصهم ويحسون فيه بذاتهم.

سكان الصحراء لم يحسوا في أي يوم من الأيام بالطمأنينة. إن الحرب الأهلية الطويلة في اتشاد معروفة. وكان سببها أن حكومة اتشاد نزعت من الدستور كون اللغة العربية هي رسمية. والتمردات المتتالية والقمع الذي يصاحبها في النيجر ومالي أقل شهرة عند الناس.

التمرد الأول في مالي كان 1962 – 1964. وكان يقوده زعماء القبائل والوجهاء التقليديون. من الطوارق والبيضان مجتمعين.

زعماء التمرد الذين أفلتوا من قبضة

الشرعية التاريخية

مأساة الأزواديين لم تحرك مشاعر الدولة الموريتانية. مودي بوكيتا، رئيس مالي حينها، فهم أن حكومة تجبن عن أن تستطلع عن ما يقع لبني جلدتها هي حكومة تافهة. هو نفسه لو كان في مكان هذه الحكومة سيكون له تصرف مختلف. فانتهز الفرصة واستدعى المختار ولد داداه في “خاي” عام 1963 في مؤتمر من أجل رسم الحدود. وفي الواقع هو اقتطاع أرض كبيرة من موريتانيا.

في مؤتمر “خاي” طرح مودي بوكيتا بادئ ذي بدء، شروطه غير القابلة للمساومة. حاول الوفد الموريتاني أن يناقش، ويُمنطِق، ويشرح، ويفَهّمَ، لكن كل ذلك زاد توتر وانزعاج الرئيس المالي. فغادر القاعة على وشك الانفجار من الغيظ. بعد أن ضرب الطاولةَ بكامل قوة قبضته، مؤكدا أنه لن يعود إلى قاعة الاجتماع إلا بعد التسليم بمطالبه بلا قيد ولا شرط.

بقي وفد المختار ولد داداه في وضع لا يحسد عليه، وضع غير مسبوق في العلاقات بين الدول منذ عهد “ميونيخ”.

المويتانيون في ذلك اليوم لم يتبينوا إن كانوا سجناء أو ضيوفا على حكومة مالي. في النهاية، ومن غير أن نعرف بمبادرة مِن مَن، عاد مودي بوكيتا إلى طاولة “المفاوضات”، ووجد أن الموريتانيين يميزون الليل من النهار. ووضعوا توقيعهم المطلوب على الأوراق.

كانت نتيجة ذلك فقدان ثمانين ألف كلم2 من الحوض الشرقي على الأقل، لأننا لا نعرف إلا معطى واحدا عند الاستقلال: مليونا ومائةً وتسعة وستين ألفَ كلم2. المساحة الموريتانية بعدما اقتطع منذ 1963 غير معروفة حتى الآن. مرة يقال إنها مليون وثمانون ألف كلم، ومرة مليون وتسعة وثمانون، وأحيانا مليون وثلاثة وثمانون ألف كلم2. وهناك قاموس يوثق به صادر سنة 2000 يحدد المساحة بمليون وواحد وثلاثين ألف كلم2.

الاتفاقية التي لم تقدَم للاستفتاء كما تنص عليه الدساتير الموريتانية المتتالية، في حالة اقتطاع جزء من التراب الوطني، ولم تقدم حتى للجمعية الوطنية. المعروف فقط أن موريتانيا فقدت تلك المساحة التقريبية. من معالم المساحة المفقودة بعض”آبار الظهر” ومناطق وراءها تمتد إلى لمزرَّبْ، المخلد في الشعر الحساني مع نخله. بئر المزرَّبْ تقع جنوب الشكَات.

في السنوات الأخيرة كان المزرَّبْ موضع نزاع بين أهل نوح واتوابير.

ذلك برهان رائع على عائديته لمالي!.

المختار ولد داداه، في ذلك الزمن، كان مغميا عليه بسبب صراعه مع المغرب، وكان مستعدا للتضحية بكل شيء لكي لا يعطي للمغرب حليفا ضده، وخاصة مالي، التي كانت حليفة لمحمد الخامس، وكان يخاف أن تطعنه من الخلف كما فعلت عام 1960. قاتل عبد الله ولد عبيد جاء من مالي وعاد إليها. وفي ذلك الوقت كان أحمد ولد حرمة الزعيم السياسي لجيش التحرير في صِيغته المصغرة بعد عملية أكوفيُّو، يوزع وقته بين بامكو والرباط.

في تلك الفترة كان مودي بوكيتا يتمتع بدعم مجموعة “الدار البيضاء” التي كان المغرب أحد أركانها.بعد وفاة محمد الخامس، تطورت الأمور في منحى مختلف، وأخذ المغرب منعطفا في اتجاه وإطار آخر، يمكن القول إنه معاكس للاتجاه الأول.

عندما اندلعت الحرب الخاطفة بين الجزائر والمغرب للسيادة على منطقة تيندوف 1963، لم يعد المغرب مصنفا في مجموعة الدول التقدمية في أفريقيا، وهي الدول التي انحازت إلى الجزائر. هذا التطور كان لصالح المختار ولد داداه، إذ قرر ناصر، وبن بله، وشيخوتورى، وكوامينكروما، ومودي بوكيتا إقامة علاقات مع موريتانيا. مصر والجزائر أرسلتا لأول مرة وفدا وزاريا إلى نواكشوط 1963، وشيخ تورى دعا ولد داداه إلى زيارة غينيا زيارة رسمية في نفس السنة.

مودي بوكيتا أشفع العلاقات الرسمية بتلك المطالب الجائرة غير المبررة. التطاول المالي على الأراضي الموريتانية استمر بعد مودي بوكيتا. عندما نتنازل عن جزء من التراب الوطني تحت الابتزاز الصرف، وبلا مبرر، تتحول المسألة إلى منحدَرِ تنازلات.

عام 1970 احتل الماليون بلدة [كَوكَي الزمال] في الحوض الغربي هذه المرة، حاكم العيون يحي ولد منكوس طلب نجدة وتدخلا سريعا، لكنه أحيط علما بأن ذلك غير وارد، وينبغي للوالي أن يحدّ من اندفاعه. في هذا الخضم نظم سكان العيون مظاهرة احتجاج رُفع فيها شعار خيانة الحكومة. امتنع الوالي يحي ولد منكوس عن قمع تلك المظاهرات، فجُرِّدَ من مسؤولياته من قبل مجلس الوزراء.

هذا التوسع غير المتوقع من الماليين، وهذا الاستخفاف بعلاقات الجوار هو أمر غريب. منطقيا هم غير جياع للأرض -عندهم الكافي- ولكن من المحتمل أن يكون ذلك استباقيا، وعملية وقائية مزدوجة، تهدف إلى: أولا إفهام سكان أزواد، إذا كان بينهم من يشك، أن موريتانيا ليست شيئا ولا ينبغي أن يتوقعوا منها شيئا، وثانيا يتبينُ لموريتانيا نفسها أن الأفضل لها أن تلتزم الهدوء، وتغتنم المتروك لها، إذا كانت تحب التمتع بـ”ريق العافية” والثمار غير المحسوبة للسكينة.

الرسالة لم تقع في آذان صماء، وفُـكّتْ شيفرتها، وفهمت، خاصة أن الأمور الجدية المهمة للدولة, لا تعني إلا الواحد رئيس الدولة. مسؤولو الدولة آنذاك يتألفون من منفذين، طيعين، حذرين يخشون مصير يحي ولد منكوس، ومن إخوانية “الضاحكين” كما حصل في مصر البطوليمية.

في تلك العهود الغابرة المسؤول الوحيد الذي كانت له الشخصية والشجاعة، الذي يعبر في كل المواضيع عن رأيه صراحة، هو محمد ولد الشيخ أحمد محمود. وذلك ما أودى به، “ولكن مع الكرامة!”.

وضعية الهوان التي كان فيها مسؤولو الدولة، كالقُصَّرِ، سياسيا انتهت مؤقتا مع المصطفى ولد محمد السالك، السبب الرئيسي لهذا التغير أن الناس كانوا مكتومي الأنفاس تحت خوذة حديدية للحكم الفردي طيلة 21 سنة. والسبب الثاني أن المصطفى الذي يصمه أعداؤه ببعض العيوب، لم يكن يرى نفسه نصف إله، وبرغم تكوينه العسكري الذي يزعج بعض الناس، فلم يكن يرغب في أن يفرض على أحد شيئا. وأخيرا معظم أعضاء حكومته لم يكونوا يرون له منة خاصة، وحصل أكثر من مرة، مع أنهم يحترمونه، أن وضعوه في أقلية في مجلس الوزراء بتصويت صريح. وكان يتقبل بأريحية رأي الأغلبية.

أسدل الليل ظلامه الدامس على أزواد بعد عمليات الشنق التي حصلت في الستينات، من دون علامة تبعث الأمل بفجر مَرْجُوٍ، رجع العسكريون الماليون للعقوبات الحاقدة المستهترة المذلة لمكانات الناس المحترمين الذين يعذبون بلا سبب، وأمام الاخرين، لكلمة، أو لشك، أو لمظهر لا يعجبهم. حياة الناس بما في ذلك نساء أزواد، لم تعد محترمة. وهذا يضيف للألم الجسدي ألما معنويا لا يطاق. السكان اعتصموا بالعزلة، والمزيد من الإغراق في البداوة والابتعاد في المناطق القاحلة، ذلك أحب إليهم من المنتجعات الخصبة التي يصادفون فيها الجنود الماليين. إن الذعر يلاحق خطواتهم، ويرافقهم فقدان الأمل.

كان أزواد منطقة خارج القانون. والدولة المالية لا تظهر فيه إلا بالظلم.هناك مواطن من الطوارق تحدثت إليه مؤلفة كتاب، سألته عن القانون الذي يحكم أزواد، فأجابها بالآتي: “أفضل أن أظل جاهلا بتلك القوانين لعلمي الأكيد بأنها سيئة”.

التنمية وأخواتها في منظومة الأغاني الإفريقية لم يسمع بها الأزواديون في أي يوم. الماليون لم يفكروا بذلك مطلقا، والأزواديون لم ينتظروه.

الكاتبة الفرنسية روت عن طارقي آخر سئل عن ما إذا كانت الدولة المالية تساعد الأزواديين فجاء رده كالتالي:”الدولة لا تساعدنا. وطالما لم تقتلنا فلا باس”.

هضم الحقوق يطال كل شيء، حتى لغة أزواد.وكان التعبير بها في التجمعات يعتبر استفزازا للدولة. بعد سقوط مودي بوكيتا، حيث لم يعد هناك تضامن سياسي خاص بين الجزائر ومالي، بدأ الناس يتنفسون.. يتنفسون لا أكثر. نمط الحكم الداخلي الذي يخصهم لا يتغير. هي اللعنة!.

لكن، عندما يحترق كل شيء في أتون الظلم، ويتبين أن الحياة سحقت نهائيا، وعصفت برمادها الرياح، تبقى رواسب غير مرئية تنفجر دائما وتؤذي الظالمين. هكذا تفجر عام 1990 تمرد جديد في أزواد بقيادة إياد آكَـ غالي ، الذي يذكر كثيرا هذه الأيام. الجبهة التي قادها مكونة من الطوارق. العرب من جهتهم أسسوا جبهة أخرى. العسكريون الماليون نزلوا باضطهادهم من جديد على المدنيين الأزواديين العزل.

في هذا الوقت انتبهت الحكومة الموريتانية لأزواد، وأعطى معاوية ولد الطائع التفاتة على الناحية الانسانية لللاجئين الهاربين من الجحيم. فكانت أول موجة من الطوارق والبرابيش المعدمين تجتاح موريتانيا، بحثا عن أتفه عمل يسد الرمق، كالراعي والحارس، وصاحب عربة الحمار.

إبان ذلك التمرد قامت الجزائر بوساطة، وتم فعلا توقيع اتفاقية من قبل الأطراف المعنية .. بموجبها تكون لأزواد نسبة من الاقتصاد، ومشاركة في الدولة، ويكون التعامل معهم أقل خشونة، لكن التمييز راسخ.

بعد سنوات تعاقب فيها الأمل وخيبة الأمل والرجاء واليأس. فرضت الحقيقة المؤسفة نفسها: أن لا شيء جديدا، ولا شيء تغير وأن أزواد باق على وضعه المحزن القديم. إياد آكَ غالي نفسُه، ألحِق بِوظيفة ثانوية في إحدى السفارات المالية في الخليج.

إياد في حالة سوداوية، بمعنويات في الحضيض وآمال متحطمة، وجد نفسه في محيط أشد انغلاقا من دير نسائي في عهد شارل كَيْنْتْ.

ماذا عساه يأتي به من هناك، إلا التطرف الديني، ينفس من خلاله مخزون الإحباط وخيبات الأمل، ومآسي الأهل في الوطن.

منذ ذلك الحين تقاربت موجات التمرد وصارت أشد كثافة. عام 2006 اندلع تمرد بقيادة حسن فكَاكَا، وتلاه عام 2007 تمرد إبراهيم أكَ باهنكَـ ، وأخيرا، وكخلاصة لما سبق، ظهرت الحركة الوطنية لتحرير أزواد عام 2012.

يتبين أن الحركة الوطنية لتحرير أزواد تجنبت من البداية الاسلوب البدائي المتمثل بالزعيم الكارزمي، وفضلت القيادة الجماعية في نضالها. إنها طريقة الجزائريين في حرب تحريرهم,

إن نواقص حركة مسلحة مازالت في خطواتها الأولى، وفي بيئة ملوثة وملغمة، لا بد أن تكون كثيرة. وأكثر من ذلك ما يبرز فجأة مما ليس محسوبا ولا متوقعا من عراقيل وصعوبات، كأنما تطلع من الأرض.

علينا أن نعترف لهم بأنهم، إلى حد الساعة، يمتازن بالرصانة والبعد عن المغامرة. إذا كان خطهم الاستراتيجي سليما بالنسبة للقضية العادلة التي يدافعون عنها، فإن تكتيكاتهم يتبين أنها تتعثر بسبب الإفراط في التفاؤل، أو- في رأي البعض- بسبب السذاجة.

ما هي درجة التعاون التي تقررت في البداية مع الاسلاميين من أجل السيطرة على المدن، وفيما يبدو، بنوع من توزيع المهام. ما هي درجة الثقة التي مكنت من الوصول إلى ذلك المستوى المتقدم من التعاون، وبالتالي من الكشف عن المعلومات!؟

كان من الأسلم تحديد العدو الرئيسي من البداية، ووضع ما سوى ذلك تابعا. وإذا تطلب الأمر، التحالف مع الأعداء الثانويين.

ولكن ذلك يقام به بعد تحليل دقيق للوضع الملموس السائد.

يحدث أحيانا أن عدوا ثانويا يصبح مدمرا “تكتيكيا”. في هذه الحالة لا يعود بالإمكان التمسك بضرورة صرف كل الجهد إلى العدو الاستراتيجي، أو الرئيسي.

العدو الثانوي في هذه الحالة يأخذ مؤقتا المكانة الشرفية التي كانت للعدو الرئيسي. ولكن، علينا في أول فرصة أن نعيد لهذا الأخير عرشه كعدو استراتيجي كان عليه أن لا يغادره أصلا.

الازدواجية الجديدة لإياد غالي، لم تـقَـدَّرْ تقديرا صحيحا، ولم تؤخذ بالاعتبار بصفة ملموسة. شهرته السابقة كزعيم تمرد 1990 الداخلة عند السكان في الاطار التقديسي لأبطال التمردات المتعاقبة، حالت دون تشخيص حالته الجديدة كزعيم إسلامي. المعنيُ قد يكون لعب بمهارة على هذا الغموض، وفي النهاية فعلت العاطفة فعلها المدمر على مستوى الحركة الوطنية لتحرير أزواد؟.

هل هو أدار ظهره للوفاء للشهداء، وللظلم الذي عاناه شعبه، والجرائم المرتكبة في حقه على مدى 50 عاما. هل هو متاجر بمآسي نساء وأطفال أزواد مقابل أفكار رجعية مسوَّغة بدولارات خليجية؟.

هناك نقص مثير عند الحركة الوطنية لتحرير أزواد، كونها عجزت عن النتسيق بصورة دقيقة وحميمة مع جبهة أزواد الأخرى، جبهة العرب التي هي علمانية مثلها. ليس ثمة من يعتقد أن عملا كهذا بسيط أو سهل.

وعلى كل حال إن نفس السؤال موجه للجبهة العربية بالدرجة ذاتها لأن التعاون، أحرى الاتحاد، يتطلب طرفين لهما نفس الاستعداد. وبدونه سنجد أنفسنا أمام زواج “جحا” جديد.

السيد جحا يؤكد في كل مناسبة أنه تزوج من “فلانة” لكن الطرف الثاني لم يأخذ علما بهذا الزواج.

عرب أزواد بحاجة ماسة إلى الرهان على المستقبل، لأن التسويف لن يوزع أرباحا في المستقبل إلا بمعجزة!.

إن الحركة الوطنية لتحرير أزواد، سواء ضعفت مؤقتا، أو كانت تنفذ انسحابا تاكتيكيا، فإن لديها قوة معنوية، لا يتمتع بها الآخرون، وهي: أنها تحمل تطلعات شعب معبَّرا عنها منذ أكثر من نصف قرن. إنها وريثة قوافل من الشهداء، وأفواج من المضحِّين في سبيل هذا الهدف الماثل في نفوس السكان، في الأحياء البدوية، وفي المدن. إنها قوة معنوية وشرعية تاريخية لا مثيل لها.

يتواصل ….

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى