رسالة منظمات من المجتمع المدني

بيروت في 8 كانون الثاني/يناير 2013

بمبادرة من شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية انعقد في بيروت يومي 7 و8 كانون الثاني يناير2013 منتدى إقليمي تحت عنوان “لقاء اقليمي لمنظمات المجتمع المدني المعنية في شؤون السياسات التنموية لمناقشة التحديات في المنطقة تحضيرا للقمة العربية الاقتصادية والاجتماعية”، بمشاركة أكثر من 71 مشاركة ومشارك يمثلون منظمات من المجتمع المدني من 12دولة عربية، بالاضافة الى ممثلين عن منظمات الامم المتحدة وذلك ضمن استعدادات الشبكة لمواكبة القمة الاقتصادية والاجتماعية العربية الثالثة التي ستعقد في الرياض بتاريخ21 يناير 2013.

تنعقد القمة الاقتصادية والاجتماعية العربية الثالثة في سياق إقليمي يتسم بتحولات متسارعة تضع المنطقة العربية أمام تحديات صعبة من شأنها أن تفتح المجال لآفاق مختلفة عما كانت عليه في المرحلة السابقة. إن الانتفاضات الشعبية ذات الأفق الثوري، التي تمكنت من الإطاحة بأربع أنظمة حكم حتى الآن، وضعت كامل المنطقة أمام تحديات جديدة ومعقدة. فالتطورات التي تشهدها البحرين ولا تزال تفرض بدورها التفاعل بحكمة مع عديد من المطالب المشروعة في بلد هو في أشد الحاجة لحماية وحدته الوطنية، وتحقيق العدالة بين مختلف مكوناته المجتمعية. أما ما يحدث في سوريا، فقد تجاوز كل التوقعات، بعد أن تحول الحراك السلمي المطالب بحقوق مشروعة للسوريين في الحرية والمساواة والعدالة، إلى حرب مدمرة للبلاد والعباد.

هذه التحولات المتسارعة والجارية في أهم مفاصل المنطقة، تفرض حتما إعادة النظر في العديد من المفاهيم التي سادت خلال المرحلة السابقة، مثل مفهوم النظام العربي، أو مصطلح الأمن القومي، أو مسألة التضامن العربي. إن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكل سياسي واقتصادي واجتماعي وديمغرافي، وبقدر ما تحمله المرحلة من المخاطر والتحديات التي تلازم باستمرار التحولات التاريخية في مسارات الشعوب، فانها في المقابل توفر فرصا ثمينة، ومن بينها تخليص شعوب المنطقة من الخوف والتعاطي السلبي مع الشأن العام، وتفتح المجال للاستثمار الجيد لتوسع مجالات الحرية وممارسة الديمقراطية، إلى جانب تنامي الحركات الاجتماعية والمجتمع المدني.

من هذا المنظور، يعتقد المشاركون بأن إصلاحات عميقة يجب إدخالها على مختلف المؤسسات الاقليمية العربية، حتى تصبح قادرة على مواكبة هذه التحولات والمشاركة في توجيهها وتأطيرها وتنضيجها، وفي مقدمة هذه المؤسسات جامعة الدول العربية.

كما توقف المشاركون عند الاوضاع الامنية المضطربة في المنطقة ككل والنزاعات المسلحة في غير دولة عربية، وبشكل خاص استمرار النزاع العربي الاسرائيلي واستمرار الاحتلال في ممارسة سياساته التوسعية والاستيطانية والعنصرية، وكافة انواع الانتهاكات لحقوق المواطنين العرب والفلسطينيين، بما يرتقي الى جرائم الحرب ويهدد الامن الاقليمي ككل ويخشى أن يطيح بكافة الجهود التنموية والتحولات الديمقراطية التي تشهدها المنطقة. وهو ما يتطلب موقفا عربيا موحدا ينسجم مع تطلعات شعوب المنطقة والتحديات التي يفرضعها استمرار الاحتلال، ويرتكز الى المطالبة بوقف كل اشكال التطبيع لاسيما العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع اسرائيل، واستخدام المحافل والمنظمات الدولية لنزع الشرعية عن دولة الاحتلال وتطبيق القوانين والقرارات الدولية ذات الشأن والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بما في ذلك حق تقرير المصير وحق العودة للاجئين وبناء الدولة المستقلة.

بعد مناقشات مستفيضة تناولت مختلف القضايا والمحاور التي تشغل اهتمامات المجتمع المدني، القديمة منها والمستجدة، وذلك في ضوء التطورات الخطيرة التي شهدها أكثر من بلد عربي خلال السنتين الاخيرتين. وبالرغم من استمرار الفجوة بين الجامعة ومنظمات المجتمع المدني وتواصل العقبات التي لا تزال تحول دون التواصل المباشر مع القمة، فإن المشاركين يشجعون منظمات المجتمع المدني على المشاركة الجادة في مختلف الفاعليات المتاحة بمناسبة القمة، على ان يتم التشاور حول التحديات والحلول المقترحة والبرامج المزمع اعتمادها .

فيما يلي مجموعة القضايا والتوصيات التي أفضت إليها أعمال اليومين، والتي يوجهها المشاركون الموجهة إلى القادة العرب والجهات الحكومية بمناسبة انعقاد القمة:

1- في اصلاح الجامعة العربية وتعزيز مشاركة المجتمع المدني في مساراتها:

ظلت جامعة الدول العربية إطارا للملوك والرؤساء، بغض النظر من هم، ولم تتحول الى اطار للمشاركة الفعلية للمؤسسات والاجهزة التنفيذية، ما أضعفها وأضعف دورها ودور وفاعلية المنظمات والمؤسسات التابعة لها على المستوى السياسي والاقتصادي. وقد سبق للعديد من منظمات المجتمع المدني، أن رحبت بخطوات الاصلاح المقترحة من قبل الامانة العامة للجامعة ابتداءً من سنة 2005، وأيدت مختلف الإجراءات التي أقرت في هذا السياق خلال السنوات الماضية، كما أسهم العديد من المنظمات المستقلة وذات المصداقية في فتح قنوات حوار وتعاون مع مختلف هياكلها، متجاوزة موقف القطيعة الذي ساد طيلة المرحلة الماضية في أوساط المنظمات غير الحكومية المناضلة. وإذ يؤيد المشاركون هذا التوجه البناء والإصلاحي، فإنهم في المقابل، يشددون على أهمية أن تتجه الجامعة نحو صيغ للتعاون والشراكة مع المجتمع المدني ترتقي إلى المستوى الذي تفرضه التحولات الضخمة المتصاعدة في المنطقة.

مع تأكيدهم على أهمية عقد منتديات للمجتمع المدني موازية للقمم الاقتصادية والاجتماعية، يرى المشاركون أنّ آليات المشاركة غير متوفرة ، وهي لا تزال تواجه عقبات أساسية وفي مقدمتها غياب إرادة سياسية حقيقية. ويظهر ذلك من خلال: عدم التشاور في تنظيم المنتديات الموازية واعداد جداول اعمالها واختيار المتحدثين فيها والطريقة الانتقائية التي تتم في اختيار المشاركين. كما أن المنتديات السابقة لم تفسح في المجال امام المجتمع المدني من التواصل المباشر مع القمة والمشاركين فيها. هذا فضلا عن كون ما يطرح على جدول اعمال المنتدى الموازي لا ينسجم مع ما يطرح على جدول اعمال القمة، ما ينزع عن أعمال المنتدى الشكل التشاركي المطلوب.

التوصيات:

– إعادة النظر في معايير العلاقة بين الجامعة العربية والمجتمع المدني من أجل تأمين علاقة تشاورية حقيقية، تتجاوز صفة المراقب، وتستند على اطر ممأسسة مثل تلك التي تعتمدها الامم المتحدة في تحديد معايير اختيار المنظمات المعتمدة لديها.

– ضمان إمكانية ايصال المجتمع المدني رؤيته إلى كافة هيئات الجامعة بما في ذلك القمة والمجلس والمجالس الوزارية المختلفة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبرلمان والأمانة الدولية والاضطلاع على المواد المعنية مسبقًا وإبداء الرأي والملاحظات.

– الإقرار بحق المجتمع المدني في مراقبة أداء المؤسسات الرسمية، وفي رصد السياسات العامة والاشتراك في مناقشتها ومتابعة تنفيذها. وقد أكد المجتمع المدني في مناسبات عديدة أنه قادر على ذلك، وأنه لم يعد مجرد هياكل تكميلية وفرعية لأجهزة الدولة، وإنما هو طرف أساسي ومؤهل ليلعب دور الشريك كامل الحقوق.

– التخلي عن اختزال أدوار المجتمع المدني في الأعمال الخيرية والتدخلات الإنسانية. فهذه إحدى المهام النبيلة التي تقوم بها أطراف مقدرة من ضمن مكونات المجتمع المدني، لكنها لا تختزل بالتأكيد الأغراض الكثيرة والمتعددة، بما في ذلك الأبعاد السياسية والحقوقية والمطلبية وغيرها.

– تعزيز مهام وأنشطة لجنة حقوق الإنسان العربية المحدثة بمقتضى المادة 45 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان بوصفها إحدى آليات العمل العربي المشترك، وجعلها تضطلع بصلاحيات واضحة خاصة في مجال تلقي الشكاوى بشأن انتهاك أي من حقوق الإنسان المتضمنة في الميثاق، مع ضمان أن يكون للفئات الضعيفة من السكان، بمن فيهم الفقراء والنساء واللأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة فرص الوصول الفعال إلى اللجنة؛

– دعوة القمة العربية الى اتخاذ قرار صريح بوضع آلية لمتابعة قراراتها في الرياض، وتحديد صريح لمسؤوليات الاطراف المختلفة، وللجهة المسؤولة عن المتابعة، وآليات ذلك والتوقيت الزمني للمراجعات الدورية والاستثنائية.

2- في الاصلاحات التشريعية والملاءمة مع المعايير الدولية لحقوق الانسان:

انطلاقا من شمولية منظومة حقوق الإنسان، يتعين على الدول العربية أن تعجل بالتصديق على الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، والتسريع بملاءمة التشريعات المحلية مع هذه الأدوات الدولية، مع العمل أيضا على تعزيز الميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 2004، وذلك بتحقيق قدر أعلى من التناسق بين مقتضياته مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وذلك بتحديث جملة من الأحكام الواردة فيه، خاصة بعد توالي التحركات الثورية والشعبية التي تجتاح المنطقة برمتها، والتي تعكس في إحدى أبعادها تصاعد الرغبة لدى الشعوب في تأمين حقوقها الأساسية وضمان الكرامة لجميع المواطنين.

كما تجدر الإشارة إلى الأثر السلبي للتحفظات التي أبدتها عدة دول عربية على تمتع جميع الأشخاص من كلا الجنسين بجميع حقوق الإنسان، علما بأن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل يمثلان الصكين الذين تعرضا لأكبر عدد من التحفظات والإعلانات من قبل هذه الدول .

ومن ناحية أخرى، تعرب منظمات المجتمع المدني عن قلقها إزاء عدم إحراز تقدم، في العديد من البلدان، في تنقيح التشريعات التمييزية بشأن المسائل ذات الصلة بالزواج والحياة الأسرية ومشاركة المرأة في الحياة السياسة والاقتصادية والاجتماعية .

التوصيات:

– دعوة جميع الدول العربية إلى الغاء التحفظات التي أبدتها خاصة على اتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل بهدف سحبها وفقا لمبادئ “إعلان فيينا” وخطة العمل “لمؤتمر القمة العالمية لحقوق الإنسان لعام 1993 (A/CONF.157/23)؛

– الدعوة إلى إنشاء مؤسسات وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، والتأكد من أنها مستقلة ومنشأة وفقا للمبادئ المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (“مبادئ باريس”)، مع الحرص بأن تكون لها صلاحيات محددة في مجال رصد الوفاء بحقوق الإنسان والتعامل مع الشكاوى بطريقة سريعة وملائمة، ومع ضمان أن يكون للفئات الضعيفة من السكان، بمن فيهم الفقراء والنساء واللأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة فرص الوصول الفعال إلى هذه المؤسسة الوطنية

3- في ضرورة مشاركة الحكومات العربية في تحديد اطار ما بعد عام 2015

شدد المجتمعون على استمرار المجتمع المدني في مساءلة الحكومات العربية بناء على الالتزامات الواردة في إعلان الالفية وما نتج عنها من تعهدات اختصرت بالأهداف الإنمائية للألفية. ويدعون في نفس الوقت حكوماتهم الى المشاركة في تحديد إطار أكثر طموحا بعد عام 2015، يهدف الى معالجة الاختلالات البنيوية التي تعاني منها الجهود التنموية والتي لا تقتصر على مجرد القضاء على الفقر، الجوع والظلم، لا بل الاستناد إلى المبادئ الأساسية لحقوق الانسان وللمساواة والعدالة الاجتماعية والذي يضمن لجميع الناس الحق في المشاركة في صنع السياسات ومساءلة المسؤولين.

إن الاطار الذي يفترض اعتناقه لما بعد العام 2015 يتطلب اعتماد اختيارات اقتصادية ملائمة تعزز القطاعات الانتاجية ذات القيمة الاقتصادية المضافة والمحافظة على الفسحة المتاحة للسياسات الوطنية واعتماد سياسات واليات لاعادة التوزيع. كما يتطلب توفير البيئة الممكنة للمجتمع المدني بما في ذلك الحق في التجمع وتأسيس الجمعيات والحق في المعتقد والتعبير والحق في الوصول المعلومات والموارد.

على ان تتم مراجعة شاملة للنماذج والتدخلات القطاعية المجتزأة التي اعتمدت خلال العقود الماضية، واستبدالها بمقاربات تنموية شاملة يكون الانسان في القلب منها منخرطا في تحقيقها ومستفيدا من عائداتها وتقوم على اساس المقاربة الحقوقية ترتكز على عدم جواز تجزئة حقوق الانسان وتلتزم بشكل كامل بالشرعة الدولية والعهود والصكوك الدولية لحقوق الانسان.

التوصيات:

– دعوة جامعة الدول العربية الى تفعيل التعاون الممأسس مع منظمات الامم المتحدة الاقليمية من اجل ضمان حضور فاعل ومساهمة عربية فعلية ومؤثرة تعكس هموم وهواجس مواطنات ومواطني المنطقة في وضع إطار ما بعد 2015 على المستوى الدولي.

– اطلاق حوار مفتوح وشامل وشفاف مع منظمات المجتمع المدني في الدول العربية، غير انتقائي بما يضمن مشاركة الاطراف الفاعلة والمؤثرة في مختلف القطاعات والمجالات، للمشاركة الفعلية بمقترحات ما بعد2015.

– الدعوة إلى خلق إطار متماسك لما بعد -2015 يرتكز الى المعايير الدولية لحقوق الانسان ومرتبط مع مفهوم التنمية المستدامة ، حيث يتم الـتأكيد على أهمية ربط الاستدامة البيئية بالاختيارات الاقتصادية والسياسات الاجتماعية. وأن يكون في أساس هذه الاجندة التنموية لما بعد 2015 مبادئ العدالة الاجتماعية والتضامن والكرامة الإنسانية، والحرية، والتحرر من جميع أشكال التمييز، بما في ذلك على أساس النوع والجنس والدين، والعرق والثقافة.

4- في السياسات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية

يهم المشاركون والمشاركات التأكيد على أن الثورات التي حصلت في أكثر من بلد عربي لم تكن فقط نتيجة فقدان الإرادة الجدية للقيام بإصلاح سياسي فعلي وحقيقي، أو بسبب انتشار الفساد وتغلغله في شرايين مؤسسات الدولة والمجتمع، وإنما الى جانب ذلك وجود خلل هيكلي في النمط التنموي الذي تم اعتماده منذ مطلع الثمانيات في مختلف الدول. لقد تبنت معظم الحكومات العربية منذ مطلع الثمانينات نموذجا تنمويا مستوحى مما يعرف بـ” وفاق واشنطن”، الذي يقول بضرورة تحرير الاقتصاد والأسواق وتحرير الأسعار وتقليص دور القطاع العام والحد من تدخل الدولة في إدارة العملية الاقتصادية وتحرير العملة والمشتريات العمومية والخدمات.

تعاني الدول العربية من حرمان قدراتها الانتاجية والحد من مساحة وضع السياسات العامة المتاحة من خلال الشروط التي تفرضها الاتفاقيات التجارية، والتي تحول اقتصاداتها الى اقتصادات استهلاكية ما يضاعف من نسب الفقر والبطالة وبالتالي يؤدي الى انخفاض معدلات التنمية البشرية. فاتفاقيات التجارة الدولية ترسخ قوانينا لسياسات التحرر الاقتصادي من شأنها أن تأثر سلبا على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعديد من المواطنين في البلدان والتي تعد الدول العربية من ضمنها، ذلك في حال لم يتم تداركها والتعاطي بالشكل المناسب.

ان الانفتاح التجاري غير المدروس، والذي لا يأخذ بالاعتبار مراحل التنمية التي توصلت اليه البلاد واحتياجات بناء قطاعاتها الاتناجية وتأمين الخدمات الاساسية وحماية قطاع الزراعة، يتسبب بتعريض بعض الصناعات إلى خفض إنتاجها نتيجة لعدم قدرتها على منافسة المستورد. وأيضا يتزايد ويتكتل (في شكل شركات كبرى) الإنتاج في بعض القطاعات، خاصة الإنتاج الغذائي مستبعدا صغار المنتجين، مما ينتج عنهما تزايد معدلات البطالة المؤدية إلى الفقر والجوع.

التوصيات

– تجاوز التعامل الظرفي والسطحي مع الأوضاع التي كشفت عنها التحولات الجارية وضرورة وضع سياسات واستراتجيات اقتصادية واجتماعية وطنية تتلائم مع موارد وثروات البلد وتساهم في دعم القدرات الإنتاجية وآليات إعادة التوزيع والعمالة اللائقة، على ان يتم ذلك من خلال الدراسات التي تحدد الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والجوانب السلبية المتوقعة على الميزان التجاري والايرادات الحكومية وعلى القضايا الاجتماعية لاسيما العمالة.

– النظر الى التجارة بوصفها تعبيرا عن خيارات اقتصادية واجتماعية وتنموية تهدف الى تحقيق التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية المبنية على اساس مبادئ حقوق الانسان والمحافظة على الاستدامة البيئية والموارد الطبيعية، كي لا تبنى الاتفاقيات على الاعتبارات السياسية فحسب بل تأخذ بعين الاعتبار الاولويات والمصالح الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الوطنية والاقليمية.

– نظرا للاثار المترتبة عن الازمة العالمية الحالية، اعادة النظر في منظومة الاتفاقيات التجارية على المستوى الوطني والاقليمي والمتعدد الاطراف والنظام التجاري العالمي ككل. فالمنظومة القائمة على اعطاء الاولوية لرفع كميات التصدير والاعتماد على الاستثمار المباشر بحاجة لاعادة تقييم، خاصة وان اسواق التصدير ستتقلص في اطار الازمة الحالية، كما ان الاستثمار المباشر سيتقلص ايضا. ان استراتيجية النمو بحاجة للتركيز على استراتيجيات “النمو الدامج” (inclusive growth) ذو التوجه الاقليمي (regional-oriented growth) واعطاء الاولوية للانتاج المحلي الموجه نحو السوق المحلية.

– الاخذ بعين الاعتبار مراحل التنمية المحققة على المستوى الوطني في اطار اقرار سياسات تحرير التجارة، خاصة وان عملية التحرير التدريجي قد تكون عاملا يساعد في بناء القطاعات المحلية. من الاساسى اعطاء الاولوية لوضع سياسة تجارية فاعلة، ليس بالضرورة ان تكون مبنية على تحرير التجارة. فلا بد للسياسات الصناعية والتجارية والزراعية ان تكون انتقائية في مقاربتها لعملية التحرير. يجب على سياسات تحرير التجارة ان تراعي مراحل التنمية على المستوى المحلي وان تكون مرنة وقابلة للتوقع (predictable) .

– العمل على أن يكون الاقتصاد مبنيا على الابتكار والتجديد، ودعم العلاقة التنافسية بين المنشآت، والاعتماد على القطاعات الثلاث، عام وخاص وتعاوني، وبذل جهود جادة لتشجيع الاقتصاد التعاوني. إن ذلك يتطلب تطوير سياسات الحوكمة الرشيدة في إدارة الاقتصاد ودعم التنمية الجهوية وربط ذلك بتطوير آليات ديمقراطية للحكم المحلي. وانتهاج سياسة الحوار الاجتماعي كإطار لصياغة السياسات بمشاركة الاطراف الاساسية في الانتاج وبما في ذلك المستهلكين

– إعادة النظر في اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية على قاعدة تقييم معمق للاتفاقيات التي وقعت سابقا للحد من تداعياتها السلبية على الاقتصاد الوطني والحقوق الاقتصادية والاجتماعية. مع التفكير في ضرورة مراجعة شروط الانخراط في العولمة.

– دعم العلاقات التجارية البينية العربية، وتعزيز التعاون الاقتصادي الاقليمي ما بين دول المنطقة وربطه بالعملية التنموية وفي اعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية خاصة الزراعة والصناعة والسياحة، وفي عملية توليد فرص العمل. مع الأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي المتعلق بحماية حقوق الفئات المستضعفة من عمال وصغار المزارعين والحرفيين والنساء والأطفال.

– اطلاق حوار على المستويين الوطني والاقليمي حول التحديات التنموية بهدف الوصول الى الانماط التنموية البديلة بمشاركة مختلف الاطراف بما في ذلك ممثلين عن القطاع الخاص وقوى الانتاج ومختلف الفئات الاجتماعية والاستهلاكية

– الاقرار باهمية ومركزية دور المجتمع المدني في العملية التنموية بمختلف مراحلها تخطيطا وتنفيذا وتقييما والاقرار بمحورية حقوق الانسان الشاملة في العملية التنموية

– دعوة الحكومات الى المطالبة باعادة النظر بالديون الخارجية الثنائية الموروثة عن مرحلة الأنظمة المستبدة والفاسدة، وذلك من خلال الغاء بعضها، او اعادة هيكلتها او تأجيل دفع فوائدها بتحويل جزء منها إلى مشاريع تنموية. كما والعمل على استرداد الأموال المهربة فقد كشفت الثورات العربية عن حجم الفساد وتهريب المال العام من طرف الانظمة الدكتاتورية والعائلات الحاكمة.

– التحذير من انزلاق الحكومات نحو استسهال المزيد من التداين، تحسبا للتداعيات الخطيرة المحتملة على السيادة وعلى مستقبل الأجيال القادمة.

5- تفعيل دور القطاع الخاص:

أكد المشاركون على أهمية دور القطاع الخاص في المساهمة في جهود التنمية، وهو مدعو إلى تحمل مسؤولياته الاجتماعية المبنية على احترام حقوق الانسان، واعتماد مبدأ المسؤولية الاجتماعية، والانخراط في مواجهة التحديات التنموية بمختلف أبعادها.

لقد استفادت مؤسسات القطاع الخاص في عديد من الدول العربية من كثير من الإجراءات التشريعية والهيكلية الداعمة للاستثمار والتي قامت بها الحكومات طيلة العشرين سنة الماضية، غير أن مردود هذه المؤسسات على العملية التنموية لا يزال دون المأمول.

لكن في المقابل على الحكومات تشجيع القطاع الخاص الوطني، وتسهيل دوره في التنمية وتوسيع سوق العمل، والارتقاء بقدراته على المنافسة، وتدعيم آليات الحوكمة لمنع الفساد المخرب لأجواء الاستثمار.

التوصيات:

– تعزيز امكانيات الرقابة والوصول الى المعلومات حول المشاريع والبرامج الاقتصادية التي تقر في القمة الاقتصادية والاجتماعية العربية وتقييم النتائج الاجتماعية التي تترتب عنها

– الالتزام بالانفتاح والحوار مع ممثلي قطاع الاعمال، لاسيما الذين يعملون في القطاعات المنتجة وفي الميادين التي لديها اثر اجتماعي، والسعي للإتفاق على أولويات اقليمية والضغط المشترك لوضعها على جدول اعمال القمم العربية، والاجتماع رفيع المستوى للشأن الاجتماعي.

6- في تفعيل وحماية حقوق النساء:

لا تزال النساء من بين الفئات الأكثر تضرراً وعرضة لتفاقم انتهاك حقوقهن جراء استمرار العنف والتمييز ضدهن، أو الانتقاص من هذه الحقوق بأشكال مختلفة في المنطقة العربية. وبالرغم من مشاركتهن البارزة في الثورات الأخيرة، إلا أن نسبة حضور النساء في المراكز القيادية وفي مواقع القرار لا تزال ضعيفة وغير مؤثرة. كما أنهن يعانين أيضاً من حرمانهن من فرص الارتقاء المهني مقارنة بالرجال. فالفقر في المنطقة لا يزال مؤنثا الى حد كبير، ولا تزال مظاهر التمييز متفشية في التشريعات والممارسات، خاصة في المجال الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب انتشار العنف المسلط على النساء تحت عناوين ومبررات مختلفة.

التوصيات:

– الدعوة الى دولة مدنية تقوم على اساس عقد اجتماعي جديد أساسه المساواة واحترام حقوق النساء باعتبارهن جزءً لا يتجزأ من حقوق الانسان وتضمين الدساتير العربية احكاماً تكفل المساواة وعدم التمييز لاي سبب بما في بسبب الجنس او الدين او العرق.

– احترام واعمال حقوق النساء كما نصت عليها المواثيق الدولية لحقوق الانسان ورفع كافة التحفظات عن اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة.

– ضرورة إضفاء طابع ديمقراطي وتشاركي على وضع الموازنات وتطويرها في اتجاه تكريس المساواة بين الجنسين وتثبيت العدالة الاجتماعية كأولوية، ووضع الاستراتيجيات والبرامج المساعدة على تحقيق ذلك.

7- في حماية حقوق الأشخاص ذوي الاعاقة:

على الرغم من التحسن النسبي، خصوصاً على صعيد التشريعات، إلا أن أوضاع الاشخاص ذوي الاعاقة في المنطقة العربية لا تزال متردية. حيث يعاني ثلاثون مليون مواطن من إعاقات متنوعة، وذلك حسب تقديرات المنظمة العالمية للصحة والبنك الدولي. وعلى الرغم من ذلك فإن الجهود والميزانيات المخصصة للعناية بهذه الفئة لا تزال دون المطلوب.

التوصيات

– تطبيق الاتفاقية الدولية لحقوق الاشخاص من ذوي الاعاقة، وإعمالها في القوانين المرعية على المستوى الوطني بالاضافة الى العقد العربي للمعوقين والذي يتضمن المبادئ الاساسية لحقوق الاشخاص المعوقين في مختلف المجالات المتعددة السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

– الاعتماد على السياسات الدامجة التي تغير الصورة النمطية للاشخاص ذوي الاعاقة في كل المجالات لاسيما في مجال التعليم والتشغيل وتوفير لهم الحماية الاجتماعية والمستلزمات الصحية الضرورية بما يعزز الاستقلالية والقدرات الانتاجية.

8- في سياسات شبابية تساهم في تفعيل المشاركة الشبابية

كان للشباب حضور بارز في الانتفاضات العربية ذات التوجهات الثورية، وكان ذلك من السمات الاساسية التي ميزت هذه الثورات وعبرت عن مدى الحرمان والغبن الذي لحق بهذه الفئة الاجتماعية الهامة والمهمشة، التي يتجاوز حجمها نصف السكان، علما وان البطالة تطال اكثر من 50% منهم وفق التقارير الدولية والاقليمية. وفي هذ المجال، تبرز الحاجة الى ايجاد اكثر من 50 مليون فرصة عمل جديدة حلال العقد المقبل لاستيعاب العمالة الناشئة من الشباب ذكورا وإناثا، ويعتبر ذلك من التحديات الاساسية التي لا بد من التوقف عندها للمحافظة على الرأسمال البشري والحد من نزيف الادمغة الذي تعاني منه المنطقة عموما والعديد من الدول العربية على وجه الخصوص.

التوصيات:

– تعزيز مشاركة الشباب في صناعة السياسات العامة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية من خلال اليات ممأسة وفاعلة ودائمة .

– ربط السياسات الاقتصادية بتوليد فرص العمل اللائق بالتناغم والتنسيق مع احتياجات سوق العمل لاستيعاب العمالة الجديدة الى سوق العمل، واعادة النظر بسياسات الاجور التي تساهم في تعزيز القدرات الاستهلاكية للشباب وتعيد توزيع الثروات على المجتمع بشكل عادل واعتماد سياسات لتأهيل وتمكين اليد العاملة الشابة وتوفير الحماية الاجتماعية بما في ذلك حماية البطالة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى