ملخص لمقترح عملي لمحاربة مخلفات الرق في موريتانيا

بمناسبة المصادقة على مشروع مرسوم يقضي بإنشاء مؤسسة عمومية تدعى “الوكالة الوطنية لمحاربة مخلفات الرق وللدمج ولمكافحة الفقر” فإننا في مركز “الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية نتقدم ـ بهذه المناسبة ـ إلى الجهات المعنية بهذا المقترح الذي نعتقد بأنه قد يساهم ـ لو تم العمل به ـ في القضاء على ظاهرة الرق من خلال محاربة الفقر والجهل في أوساط الشريحة المستهدفة.

لماذا هذا المقترح؟

إننا نعتقد بأن هناك تقصيرا كبيرا في مجال “النضال التنموي” ضد ظاهرة الاسترقاق ومخلفاته، بل إنه يمكننا القول بأن هذا النوع من النضال ظل غائبا بشكل كامل، ولا يزال غائبا، سواء كان ذلك على الصعيد الرسمي، أو على مستوى المجتمع المدني الذي كان يُفترض به أن يلعب دورا ملموسا في هذا المجال. وفي اعتقادنا بأنه قد آن الأوان للبدء في هذا النضال، والذي لابد من التركيز عليه إذا ما كنا نريد أن نقضيَّ فعلا على الرق وعلى مخلفاته.

ما هي الجهات المعنية بهذا المقترح؟

هناك ثلاث جهات معنية بهذا المقترح:

1 ـ الجهات الرسمية ممثلة في “الوكالة الوطنية لمحاربة مخلفات الرق وللدمج ولمكافحة الفقر” التي تم إنشاؤها مؤخرا.

2 ـ منظمات المجتمع المدني والتي تسعى لأن تلعب دورا في مجال محاربة ظاهرة الاسترقاق ومخلفاته من خلال التركيز على العمل التنموي.

3 ـ رموز وقادة حركة الحر الذين ساهموا في محاربة الظاهرة من خلال نضالهم الحقوقي والسياسي، والذين عليهم أيضا أن يقودوا الآن النضال التنموي ضد الظاهرة، خصوصا منهم أولئك الذين تتيح لهم مكانتهم الوطنية والمهنية وعلاقاتهم بالهيئات والمؤسسات الأجنبية أن يحصلوا على التمويلات التي قد يحتاجها النضال التنموي ضد الاسترقاق ومخلفاته.

وبعد أن حددنا العناوين التي نريد أن يصلها هذا المقترح، فقد يكون من المهم أن نؤكد بأن هذا المقترح ليس بالمقترح الجديد الذي وُلِد مع ميلاد الوكالة، وإنما هو حصيلة لعمل طويل (نظري وميداني ) استمر لسبع سنوات كاملة، ولا يزال مستمرا.

وقد ركز هذا المقترح على ظاهرتين اثنتين لا يمكن القضاء على الرق ومخلفاته دون أن نحاربهما بشكل جاد، وهما: الأمية والفقر.

كان التحدي الأبرز الذي واجهنا في مجال تقديم مقترح عملي لمحاربة الأمية يتلخص في التالي: إن الأمي الذي لا يدرك أهمية التعلم لن يقبل في الظروف العادية بأن يقتطع جزءا “ثمينا” من وقته للتعلم، خاصة أن ذلك الأمي هو بحاجة ماسة لمثل ذلك الوقت الذي يحتاجه لتدبير لقمة العيش له ولأفراد أسرته. لذلك فقد كان لابد للمقترح من أن يبحث عن وسائل أخرى تشجع الأمي على القبول بالتعلم ( التعلم خلال العمل).

أما في مجال محاربة الفقر، والتي انطلقنا فيها من أهمية التركيز على التكوين المهني، فقد واجهنا تحديا من نوع: إن مراكز التكوين المهني الموجودة في البلاد هي مراكز لا تتناسب مع الفئة التي نستهدفها من هذا المقترح، وذلك لأنها:

1 ـ هذه المراكز تشترط لدخولها مستويات تعليمية معينة، وكذلك مستوى عمري محدد. أما الشريحة التي يستهدفها المقترح فأغلبيتها من الفقراء الأميين، وليسوا بالضرورة في تلك المرحلة العمرية التي تقبل بها مراكز التكوين الموجودة في البلاد.

2 ـ هذه المراكز تكون وتدرب على آلات باهظة الثمن لذلك فالمتدرب لا يستطيع أن يفتتح ورشة تعتمد على الآلات التي تدرب عليها لارتفاع سعر تلك الآلات. أما في المقترح فنحن ننطلق من أن المتدرب هو شخص فقير جدا ولا يستطيع أن يفتتح ورشة إلا إذا كانت لا تحتاج إلا لرأسمال لا يتجاوز عشرات الآلاف من الأوقية.

3 ـ فترة التكوين في هذه المراكز طويلة نسبيا، ونحن في المقترح نحتاج لبرامج تدريبية لا تتجاوز شهرا واحدا على الأكثر.كما أن القدرة الاستيعابية لمراكز التكوين محدودة جدا، ومحاربة الفقر في موريتانيا تحتاج لمراكز لها قدرة استيعابية كبيرة تتناسب مع النسبة المرتفعة للفقراء في موريتانيا.

والمقترح في هذه النقطة الأخيرة انطلق من المثال المفترض التالي : فلنتصور بأننا في قرية تنتشر فيها ـ وبشكل واسع ـ أمراض كثيرة، ولدينا ميزانية بإمكانها أن تكون طبيبا متخصصا واحدا، أو تكون عشرة ممرضين. فهل الأفضل أن نخصص المبلغ لتكوين طبيب لن يتخرج إلا بعد عقد من الزمن؟ أم أن الأفضل أن نخصص المبلغ لتكوين ممرضين سيكون بإمكانهم بعد سنتين أن يساهموا في علاج الأمراض المنتشرة في القرية؟

إن إطالة مدة التكوين التي تعتمدها المراكز الموجودة من أجل تخريج أعداد قليلة ذات كفاءات عالية قد لا تكون هي الحل الأنسب لمحاربة الفقر في بلادنا.

ذلك أن ثرواتنا حتى وإن كانت تستنزف في جزء كبير منها من طرف عمال أجانب لهم تخصصات عالية، إلا أنها كذلك تستنزف وفي جزء ليس بالقليل من طرف يد عاملة أجنبية غير متخصصة، وذلك من خلال حرف ومهن بسيطة جدا لا يحتاج التدريب عليها لسنتين أو أكثر من التكوين في المراكز الموجودة، ولا لتوفر مستويات علمية معينة لدى المتدرب.

إن ثرواتنا تستنزف من خلال آلاف الأجانب الذي يعملون في ورشات ومشاريع صغيرة جدا: “إصلاح النعل”، “بيع اكريم أكلاص” ، بيع بنيه” ……إلخ

هناك شهادات ميدانية أكدت لنا بأن من بين أولئك الأجانب من يمارس إحدى هذه المهن منذ عقود من الزمن، وفي كل سنة يذهب ذلك العامل إلى بلده في عطلته السنوية لينفق ما جمع من قبل أن يعود من جديد، وهكذا…

إن التدريب على مثل هذه المهن والحرف الصغيرة المحتكرة تقريبا من طرف الأجانب، لا يحتاج لتكوين لمدة سنتين وإنما يحتاج ـ في الأساس ـ إلى توعية بأهمية العمل، وإلى ما سميناه بالتثقيف الحرفي بدلا من مصطلح التكوين المهني المستخدم لدى الجهات الرسمية.

لذلك فالمقترح الذي نقدمه هنا يعتمد في الأساس على تأسيس مراكز للتثقيف الحرفي تُدرب الفقراء على تلك المهن والحرف الصغيرة ويشترط على المستفيدين الحضور لبرامج أخرى في مجال محو الأمية وفي مجال التوعية ضد مخاطر العبودية ومخلفاتها.

والحقيقة أن فكرة هذه المراكز هي مستمدة ـ بشكل أو بآخر ـ من فكرة “بنوك الفقراء” التي ابتدعها محمد يونس في نهاية السبعينات من القرن الماضي.

كان الفقراء يموتون في بنجلادش بسبب المجاعة التي عرفتها بنجلادش في تلك الفترة، وكان لابد من التفكير والبحث عن حلول لمحاربة الفقر في بنجلادش، لذلك فكر محمد يونس في تأسيس بنوك للفقراء، يكون بإمكانها أن تقدم قروضا بلا ضمانات للفقراء، لأنهم لو كانوا يملكون تلك الضمانات التي تطلبها البنوك التقليدية لما ماتوا جوعا.

كانت الفكرة غريبة ومجنونة في ذلك الوقت، وقد عارضها الجميع لأنه لم يكن هناك من كان بإمكانه أن يتخيل بأنه يمكن لأي بنك أن يستمر وهو يقدم قروضا لفقراء لا يملكون أي ضمان.

ولقد تبين فيما بعد بأن الفكرة لم تكن مجنونة، بل بالعكس فقد كانت من الأفكار الرائدة التي استفاد منها الملايين من الفقراء في العديد من الدول الفقيرة.

إننا في هذا البلد بحاجة إلى مراكز للتثقيف الحرفي يتدرب فيها الفقراء الذين لا يقرؤون ولا يكتبون، مع العلم بأن مراكز التكوين المهني التقليدية تعتمد على فكرة أن المتدرب لديها يجب أن يكون متعلما بشهادة معينة. تماما كما تشترط البنوك أن لا يكون الفقير فقيرا إذا ما أراد أن يستفيد من قروضها.

لقد أحصينا في مركز “الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية عشرات الحرف الصغيرة التي يمكن أن توضع لها برامج تدريبية متكاملة في التثقيف الحرفي. وعمليا فقد وضعنا في المركز برنامجا تدريبيا متكاملا في التثقيف الحرفي، في مجال “صناعة الحلويات”، وقد دربنا على هذا البرنامج العشرات من أرباب الأسر الفقيرة ومن رباتها.

يتم التدريب على صناعة الحلويات على فرن مصنع محليا ويشتغل بالغاز، ويتميز هذا الفرن بالمواصفات التالية:

ـ متوفر محليا وبسعر في متناول الفقراء. في برامج التثقيف الحرفي لا يجوز التدريب على آلات باهظة الثمن لن يستطيع المتدرب أن يقتنيها بعد انتهاء التدريب، وعند البدء في تأسيس المشروع الخاص به.

ـ هذه الأفران قادرة على إنتاج كميات كبيرة من الحلويات تكفي لتوفير ما يحتاجه محل صغير ومتوسط في هذا المجال (ألف قطعة لليوم).

ـ هذه الأفران تنتج حلويات بجودة عالية، ولا يمكن التفريق بينها وبين منتجات محلات الحلويات الكبرى في العاصمة، والتي استثمرت فيها عشرات الملايين من الأوقية.

نذكر بأنه خلال التدريب على صناعة الحلويات كنا نقدم للمتدربين مبادئ مبسطة في التسيير، لأنه لا يكفي للمتدرب لكي يؤسس مشروعا صغيرا ناجحا، أن يكتفي فقط بالتدرب على حرفة.

أما فترة التدريب فإنها كانت تستمر لشهر واحد، وذلك بمعدل ثلاث ساعات يوميا، لذلك يمكن تخصيص ساعات أخرى من وقت المتدرب لمحو الأمية، أو لتوعيته حول خطورة ظاهرة الاسترقاق، وكذلك خطورة عدم تعليم الأبناء، لأن عدم تعليمهم سيحولهم في المستقبل إلى أرقاء، أو إلى خدم منازل في أحسن الأحوال.

محمد الأمين ولد الفاضل

رئيس مركز “الخطوة الأولى” للتنمية الذاتية.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى