كبش الأنبياء..

“أنا الموقع أسفله محمد جميل ولد منصور أقر بأني كنت عضوا قياديا في تنظيم سري يدعى الحركة الإسلامية في موريتانيا (حاسم) وألتزم من الآن أن لا أشارك في أي تنظيم سري خارج على القانون الموريتاني. كتبه ووقعه وصرح به محمد جميل ولد منصور 10/10/1994”
ذاك هو إقرار رئيس حزب تواصل، ذي الخلفية الإسلامية، الرئيس الدوري لمنسقية المعارضة، كما أورده أحد المواقع الألكترونية في عرضه لمسيرة الرجل السياسية باعتباره إحدى أهم شخصيات سنة2012.

يعدد الموقع مناقب الزعيم، وإن كان لا يجد مندوحة عن ذكر بعض المثالب العائدة إلى طبيعة البشر! تبدأ المسيرة من العام 1979 حين كان “ولد منصور عضوا في خلية سرية للإسلاميين”. ثم تنتقل إلى التكوين العلمي لولد منصور، يقول الموقع” واصل ولد منصور دراسته للشريعة الإسلامية حيث حصل على الإجازة في المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، كان موضوعها عن “الإسلام في خطاب حزب الشعب”. ويضيف..” تولى رئيس “الجبهة الإسلامية” حينها الدكتور جمال ولد الحسن الإشراف على رسالة ولد منصور.”

ولا يبدو الموقع هنا دقيقا، فلا علاقة لموضوع “الإسلام في خطاب حزب الشعب” بالشريعة الإسلامية، وولد الحسن رحمه الله، يحمل دكتوراه في تاريخ الشعر الشنقيطي وهو ما لا يؤهله للإشراف على بحث أكاديمي في الشريعة، رغم أهليته الأكاديمية والثقافية..
هو نوع من التدليس دأب عليه القوم منذ أمد طويل، صحيح أن ولد منصور تخرج في معهد الدراسات والبحوث الإسلامية، لكن المعهد لا يدرس الشريعة حصرا، وإنما يدرس التاريخ، والقانون، والفكر الإسلامي… والموضوع الذي اختاره ولد منصور ينتمي إلى الفكر السياسي الإسلامي، بعيدا عن الشريعة الإسلامية. لكنه حين أصبح زعيما لحزب سياسي ذي خلفية “إسلامية” بحث له الإخوان عن تأصيل لمعارفه الشرعية تزويقا وتسويقا ينهى عنه الإسلام وينأى..

وعموما فإن موضوع أطروحة الدكتوراه الذي اختاره ولد منصور يدل على بعد تكوينه المعرفي عن العلوم الشرعية، وعلى إصراره على توظيف الإسلام في هذا التكوين الموجه بنشاطه السياسي، فقد اختار أن يبحث في ” الديمقراطية والإسلام ومجالات التلاغي والتلاقي”. لا يخلو عنوان الأطروحة، على ثقله، من إيحاء. فالإسلام معطوف على الديمقراطية، وهو ما يعني أن مكانته في البحث ثانوية تتحدد بعلاقته بالديمقراطية، التي يتبادل معها التلاغي والتلاقي، والجزء الأخير من العنوان يدل على الخيار المسبق الذي يريد الباحث أن يسوق- لا يزال يسوقه بعد أكثر من عشرين سنة!- بحثه إليه: التلاقي بين الديمقراطية والإسلام. وهو تلاق ناتج، حسب صياغة العنوان، عن عطف الإسلام على الديمقراطية، وهو ما يعني قدَّه عليها. كما يوحي العنوان أيضا بأن الإسلام، عقيدة وشريعة يُعطف على الديمقراطية لمعرفة مجالات التلاغي والتلاقي بينهما. وبذلك يتم ربط الإسلام بالديمقراطية في رؤية تحتم عليه التلاقي معها، ولا يتم التلاقي إلا بإلغاء، وهو ما يسوغ للديمقراطية أن تلغي من الإسلام عقيدة وشريعة، حتى يتلاقى معها..!

ويزداد بعد ولد منصور من الشريعة الإسلامية في تكوينه الفكري حين نطالع ما كتبه الموقع: “إن كتب الغنوشي والترابي وعلي شريعتي (منظر شيعي إيراني يمزج بين الماركسية والإسلام)، وقبلهما مالك بن نبي كانت المعين الثر الذي استقى منه الرجل كثيرا من رؤاه الفكرية، وكانت هي أيضا نفس المصدر الأساسي لأفكار تيار “اليسار الإسلامي”.”.

يكفي أن نطلع على التعريف الذي يقدمه أحد أهم مؤسسي هذا التيار، لندرك بعد الشقة بينه وبين الشريعة. يقول حسن حنفي، في كتابه اليمين واليسار في الفكر الديني، إن تيار اليسار الإسلامي “عبارة عن حركة تاريخية جماهيرية ثقافية حضارية اجتماعية سياسية… وثقافتنا ترتكز على ثلاثة أصول أولا التراث القديم، ثانيا التراث الغربي، ثالثا القرآن الكريم.”..
يحاول حنفي أن يفصل بين التراث العربي الإسلامي (يسميه التراث القديم) وبين القرآن، مقدمة للتشكيك في السنة، وضرب المنظومة الفقهية، تهيئة لإعادة تأويل القرآن في ضوء التراث الغربي، وهو نفس المشروع الذي يتبناه مفكرو الإخوان اليوم، مثل الترابي والغنوشي، وهما من شيوخ ولد منصور، حسب رواية الموقع دائما، ويقلدهم فيه أحد رفاق نضال ولد منصور، محمد بن المختار الشنقيطي الذي قاسمه الهجرة إلى اليمن. والشنقيطي هذا يباهي بإنكار حدي الردة، والرجم، ويرى الديمقراطية حاكمة على الشريعة، ويقع في الصحابة، ويطعن في عدالتهم…

ينسب الموقع إلى ولد منصور صلة بفكر سيد قطب رحمه الله، حين يقول ” إن علاقته الوطيدة مع أسفار ” في ظلال القرآن” لسيد قطب طبعت أسلوبه وخطابه…” يعني ذلك أن فكر الرجل خليط من قراءات تتردى بين أقصى اليسار، وأقصى اليمين، بين الدفاع عن الردة باسم الحرية، وتكفير الأمة باسم الحاكمية..!

وفي قصة الفرار من السجن نطالع.. “ثم جاءت اعتقالات 1994، واعتقل النظام كافة أطياف الصف الإسلامي، وقرأ الجميع اعترافات المكتوبة (مكتوبة) تمكن ولد منصور من الفرار من سجنه قبل بث تلك الاعترافات.” وسُنّة الهروب هذه سيحافظ عليها رئيس تواصل، الرئيس الدوري لمنسقية المعارضة، حتى أصبحت مثار سخرية لدى رفاقه الذين يخلفهم في السجن لينجو بنفسه فعل القائد الهمام.

“ووجد “الإهرابي” (من الهروب) جميل وفق مصطلح ساخر لأحد إسلاميي سجن “بيله” فرصة للفرار من جديد…”

ثم تنتهي الرواية إلى عنف الرجل تحت قبة البرلمان، مشيدة بهدوئه! “وهو عكس – العديد من قادة حزبه – هادئ لا يغضب بسرعة، لكن فورة الغضب عنده قد تصل حد “العنف” كما حدث قبل مرة (كذا في النص!) في البرلمان.” (صفع أحد البرلمانيين ومزق الكتب أمام عدسات المصورين)..

تلكم هي السيرة الذاتية جدا، وشبه الرسمية، لرجل يحرض على نبش ماضي خصومه السياسيين، متناسيا منحاه الشخصي..! يندد جميل باختراق القانون، وقد اخترقه أكثر من مرة، حين فر من السجن الذي كان يقضي فيه عقوبة بعد صدور حكم قضائي عليه. فالهروب من السجن جريمة في حد ذاته. فإذا كان المحكوم يعتقد أنه مظلوم فعليه اللجوء إلى الاستئناف، ولم يشتهر السياسيون بالهروب من السجن الذي ربما قضوا فيه أعمارهم، يناضلون من داخله.

وحدهم مجرمو الحق العام، وأفراد العصابات يخططون للهروب من السجن فينجح بعضهم، كما نجح رئيس حزب تواصل، الرئيس الدوري لمنسقية المعارضة، ويفشل آخرون.

لايتورع جميل عن الحديث حول الفساد.. وإذا فتح تحقيق في تسييره لبلدية عرفات ربما قاد التحقيق إلى مجابات أخرى ينفر الحزب كثيرا من ارتيادها، مثل مصادر المال الذي ينفقه بسخاء على أنشطته المتلاحقة، فمؤتمره الثاني الذي غيرت فيه النصوص لإعادة انتخاب جميل-رغم الرواية المتواترة في تواصل، شيوخا وقادة، أن ابن الخطاب كان يقيل ولاته كل أربع سنوات- كلفه (200.000000 أوقية). فمن أين جاء هذا المال الوفير؟! تعجب ابن الخطاب من المال الذي جاء به أبو هريرة من البحرين، والبحرين على مرمى حجر من قطر…

هذا المال المستثمر في الصيدليات، والمستوصفات، والعيادات الخاصة، والجامعات، ومراكز التكوين، وسيارات التاكسي، (ربما كان ذلك سبب تنديد تواصل المستمر بارتفاع أسعار المحروقات؟) ودكاكين التجزئة (يفسر ذلك الحملة على دكاكين أمل) والأعمال الخيرية السياسية، ربما كان شبيها بمال البحرين إلا أنه أخضع لفقه الغنيمة بدل فقه الزكاة.

هل يرغب السيد رئيس حزب تواصل والرئيس الدوري لمنسقية المعارضة في فتح هذا الملف وهو الذي استشاط غضبا حين سئل عن مستشفى الإصلاحيين في نواكشوط، وأنكر معرفته به، دون يمين هذه المرة..!

قد يراعي السائل مشاعر الرئيس، لكن قاضي التحقيق سيدعوه إلى التزام الهدوء الذي عرف به “عكس العديد من قادة حزبه”، كما يقول ناشرو سيرته الذاتية.

النبش في ماضي جميل قد يقود المحققين إلى المهجر اليمني الذي قضى فيه سنوات.. ماذا فعل هناك حين كان في ضيافة الزنداني المطلوب للأمريكيين بتهمة الانتماء للقاعدة؟ قد لا تكون إجابات جميل مقنعة للمحققين خاصة إذا كانوا دوليين، كما يطالب هو اليوم. فقد يصعب عليه إقناع مكتب التحقيقات الفيدرالي بـأنه كان في سياحة في اليمن، خاصة أن رفيق رحلته الشنقيطي ترك اليمن إلى أمريكا حيث روى تفاصيل الرحلة، وأضاف إليها من خياله فأعيد تأهيله ليصبح مفتي السيلية. ما الذي قاله الشنقيطي عن جميل ليخلص نفسه؟ الله أعلم.
لكن فتح تحقيق دولي حول تلك السنوات ربما يحمل إضاءات تصيب رئيس حزب تواصل، والرئيس الدوري لمنسقية المعارضة في العمق. وقد ينضم ضاحي خلفان إلى التحقيق فتتسع دائرة الاتهام إلى قياديين في الحزب نسوا أن يدفعوا ديونهم قبل ترحيلهم من الإمارات بتهمة العلاقة بمنظمات متطرفة…

ربما كان أرفق برئيس حزب تواصل ذي الخلفية “الإسلامية” إدارة شأن المنسقية بهدوء، كما أدارها غيره من زعماء المعارضة الذين غابوا عن أول مؤتمر صحفي يترأسه، بدل البحث عن الإثارة، مخافة أن يكون مثل كبش الأنبياء. فقد ينقلب لقب “الإهرابي” إلى صفة “الإرهابي” فتضيق السبل، ويؤخذ الرجل من مكان قريب…

سيدي محمد ولد ابه

sidimoha@yahoo.fr

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى