اعتــذار

*تعالت الصيحات جماعية من القسم المجاور له، فتح الباب ليلج إلى ما يشبه السهرة الليلية المختلطة وموسيقي صراخ متعال لا يضبط إيقاعها إلا قفزات البنين وضحكات البنات المشجعة – في براءة – على التمرد والثورة على جو الهدوء والانضباط المدرسيين.

أخذه الموقف فاستفاقت من اللاشعور فجأة أساليب تربيته القديمة التي طمرتها لفترة وجيزة مفاهيم غاية في النظرية تلقاها لمد 9 أشهر مثلت فترة تكوينه.

نسي الداخل فجأة مهنته وتحول إلى حقيقته، تحول في لحظة إلى شرطي مكافحة شغب همه الوحيد فرض الانضباط ومعاقبة المتظاهر حتى لا تحدثه النفس بعدها بالتظاهر، لم يدرك حينها أن لحظة التحول تلك كانت بداية لحظات سقط فيها المدرس الحديث بعد سقوط التلميذ وسقطت فيها مفاهيم التربية الحديثة بعد سقوط المربي ….. سقط الجميع حين انهال المعلم على الجميع ضربا باليمين…!

قليل من الآباء من سيصدق بأن ألم رؤية تلك الكدمات على جسم ذلك الطفل البريء هو ألم يحسه المدرس بمجرد انقضاء تلك اللحظات المسكونة بالجنون، لكن وحده المدرس من سيتجرع ذلك الإحساس بالألم ممزوجا بشعور الفشل المهني والخجل من مواجهة مؤتمنين أمنوا أغلى ما يملكون لمن لم يستطع – رغم كل تكويناته – امتلاك مهنته عند أول ثورة غضب … !

لقد أخطأ حين عمد في لحظة ثورة مضادة إلى العقوبة البدنية لا شك عند منظري التربية الحديثة في ذلك، لكنه في ثورته تلك لم يكن إلا ذاته… لم يكن إلا آباءنا وأمهاتنا حين تعتريهم ثورة غضب … لم يكن إلا مثالا أمينا لتربية مجتمع يمارس العنف في تربيته ويقرر دون منطق بأن خطأ الوالد مغتفر وخطأ المدرس – إن وقع يوما – محظور تجرمه قوانين مدرسية فشلت في مجرد التأثير على أسلوب تربية مجتمع يمارس العنف يوميا على أبنائه في البيوت … !

ألا يخطأ المجتمع ومنظروه حين يطلبون من المدرس مقايضة تجربته الذاتية عشرين سنة بتسعة أشهر من التكوين نصفها إهمال وربعها عجز، أو حين يطلبون منه أن يكون ملكيا أكثر من الملك أبا مستعارا لا يخطأ أخطاء الآباء؟

أليس المدرس عندنا نتاج تربية مجتمعية من أبجدياتها المقولة السائرة : “الضرب ينفعهم والعلم يرفعهم” ؟

ألم نبني منهج تربيتنا إلى الأمس القريب على قناعة تامة بمحورية الضرب في تربيتنا حتى تغنى شاعرنا ملجما عواطف آباءنا الجياشة :

لا تندمن على الصبيان إن ضرب *** فالضرب يفنى ويبق العلم والأدب
كيف نطلب من المدرس أن يتخلص وللأبد مما ربيناه عليه وأن لا يخطأ أخطاء الآباء يوما فقط لأننا كوناه تسعة أشهر … !

*رن جرس هاتفه

أخذه بوجل : مرحبا السيد المدير

جاءه الصوت حازما واثقا لا يخلو في باطنه من بعض المن : الآباء يطالبون باعتذار مكتوب، لم نترك لهم فرصة ليشتكوك، أقنعنا الأمهات الثائرات بعدم التعرض لك.

لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها *** وحتى سامها كل مفلس … !

اكتملت لديه الصورة .. أدرك في لحظة عمق المآمرة .. أصبح جاهزا لاتخاذ القرار … استعد ليكتب الاعتذار الأخير.

– اعتذر إلى كل أب وأم متألمين لأن أبا غيرهما ثارت ثائرة غضبه فضرب ابنهما الآتي من كندا ربيب التربية الحديثة التي لم تعرف العنف في البيت..!!

– اعتذر إلى ابني البريء لأن المجتمع ضربه بي حين عودني الضرب إذا أخطأت مذ كنت في سنه..!

– أعتذر إلى نفسي حين أقنعتها يوما بمحاولة تمثيل دور أب لا يخطئ.

– أعتذر إلى كل المدرسين إذا كلمتهم بصراحة قائلا: إنكم تخوضون معركة كتب عليكم الهزيمة من أولها، أنتم واهمون وخاسرون في محاولة لعب دور أب لا يخطئ ما دمتم نتاج مجتمعكم الراهن، لا حل لكم إلا في الاستقالة من لعب هذا الدور، وإذا كنتم تعشقون الخطأ في حق الأطفال فاكتفوا بتربية أبناءكم الذين هم من أصلابكم لتأمنوا ثورة الأمهات..! لا تعتذروا بأنه أكل عيش فذلك عذر تعلكه المومس إذا قيل لها كوني شريفة…!

يا الله ما أروع المدرس الناصح حين لا يضمن من نفسه امتلاك مهنته عند ثورة الغضب إذا خاطب الأسرة التربوية متمثلا بقول القائل:

اطمإني فلـن أزور نـفسي *** قدر النـسر أن يـظل طليـقا

سيدا كنت في مقاصير حبـي *** ومن الصعب أن أصير رقيـقا.

ملاحظة:

كتب هذا الاعتذار باسم كل مدرس ضارب إلى آباء كل تلميذ مضروب من الأطلسي إلى الخليج.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى