من يمثل القوميين ومن لا…..يمثلهم ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

القومية العربية مفهوم ينتمي للثقافة القبلية القديمة ، وظفه المثقفون المسيحيون في الأربعينات من القرن الماضي في أدبياتهم ، وكان يعني الإنتماء للثقافة العربية ويدعو لوحدة شعوبها وتحررها وتأسيس كيان سياسي علي أساس تاريخي –جغرافي وإجتماعي – ثقافي وقد تعزز دور هذا المفهوم مع تبني بعض القادة العسكريين العرب له وسعيهم لحشد التأييد الشعبي باستخدام الموروث الإجتماعي: من نعرات وعصبيات وثقاليد فنية وأدبية وأخذ المفهوم زخما أكبر وأوسع عندما جري دمجه في التراث الإسلامي وتوسيع مجالات توظيفه ليشمل الثقافة العربية الإسلامية ويركز علي مقومات النهوض المستمدة من حياة السلف الصالح ، فكان محمد بن عبد الله رسول الله(صلي الله عليه وسلم) أفضل نموذج للشخصية العربية القومية (ذكري الرسول العربي لميشل عفلق) وكان عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعمر بن عبد العزيز أمثلة رائدة وفريدة للقيادة وأسلوب الحكم . فكيف نفهم اليوم انحياز بعض القوميين العرب للعلمانين واليساريين المعادين للمشروع الإسلامي؟

في كل التراث العربي القديم والحديث لايمكن أن نسترشد بنموذج للحكم والممارسة السياسية القائمة علي العدالة الإجتماعية والنهضة التنموية والعسكرية ،إلا بالعودة إلي الحضارة الإسلامية ورجالاتها الذين قدموا للحضارة البشرية نماذج واضحة للحكم الرشيد والديمقراطية النزيهة (الشوري) وقد اعتمد الكثير من القوميين علي أطروحات نظام الحكم الإسلامي سواء من خلال تبنيهم لتراث الشخصيات التاريخية أو من خلال مبادئ نظرياتهم السياسية التي هي خليط من القيم الإسلامية كالعدالة التضحية والعطاء والتواضع والإيثار .. ومن قيم الحداثة كالديمقراطية والعلم والإشتراكية …..

القوميون العرب وجدوا أنفسهم منذ البداية محاصرين بحضارة الإسلام وثقافة المسلمين التي يستمدون منها مبررات وجودهم وتميزهم ، كما أدرك الشرفاء منهم ضرورة الإستفادة من نظرية الحكم في الإسلام وتبناها بعض القادة (عبد الناصر في بداية الثورة الناصرية) وأدخلها

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

بعض المثقفين القومين في البناء النظري (شبلي العيسمي في حزب البعث).
واستمر التلاحم بين العروبة والإسلام في فكر القومين ونظرياتهم وممارساتهم حتي أدرك الغرب وأعوانه خطورة هذا التوجه الحضاري القومي الإسلامي ، فبدأ عملاء الغرب وأعداء الأمة يزرعون بذور التفرقة والصراع ويحرضون كل فريق ضد الآخر في وقت كان الوعي محدودا والأوضاع صعبة والأمة تخوض حروب استنزاف مع العدو الصهيوني ، فنجحت مطامح الغربيين في تفتيت النسيج السياسيي الثوري ووأد التوجه الحضاري ، وبدأت الفتن والنزعات بين القومين والإسلاميين في مصر واستمر الحال في العراق وسوريا وليبيا والأردن و…. وخسرت الأمة علي إثر ذلك قضيتها المركزية (فلسطين) وانحدرت البلاد إلي مستنقع الأحكام العسكرية القمعية والسلطات البوليسية والتدهور الإقتصادي والتردي الإجتماعي والمشاحنات الإديولوجية العقيمة .

بدي واضحا بعد ذلك أن بعض القوميين أصبح يجيد عملية الإحتماء بالجيش كلما خسروا المعركة الديمقراطية ،وبرزت إلي الوجود نظريات الإستغراب العلمانية المناهضة لقيم الأمة وثقافتها وتشكل تحالف خطير بين القوي العسكرية المهيمنة علي السلطة وبين جماعات نخبوية مبتورة الجذور مع الواقع الإجتماعي ومنفصلة عن فكر الأمة وثقافتها ،هذه النخب: بقايا فيئات متعددة المشارب متناقضة الأهداف تنتمي لمدارس فكرية تجاوزتها المرحلة وأصبحت تطبق مبدأ تحالف الأقليات (نظرية ماركس) وتؤيد كل وسيلة من شأنها أن تمنع وصول المشروع الإسلامي للحكم في أي بلد عربي مهما كانت إرادة الشعوب تريد ذلك .
هذا التحالف القومي، العلماني ،اليساري ،اللبرالي ،الأمريكي ، الغربي، الصهيوني لا يجمع بينه سوي العداء والحقد والرفض للمشروع الإسلامي في المنطقة العربية من المحيط إلي الخليج .
لقد كانت الأنظمة القومية في الدول العربية أنظمة قمعية دكتاتورية خسرت قيادة الشعوب وفقدت مشروعية خطابها وكل مبررات بقائها بعدما أفلس نظام حكمها الإستبدادي في مصر مبارك (وريث النظام القومي المصري ) وفي سوريا الأسد ( النموذج البعثي الأول) وفي ليبيا القذافي ( خليفة عبد الناصر والأمين علي القومية العربية) وأصبحت الشعوب العربية تتوق بحق لنظام حكم جديد لا يحمل المضامين القومية العلمانية الفاشلة وكان الخيار واضحا أمام ثورات الربيع العربي وهو المشروع الإسلامي أو القومي الإسلامي (وفق تسمية أخري )
إن العروبة في موريتانيا (خاصة) إنتماء دافعه الأول إسلامي بامتياز، فكل المجموعات الإجتماعية الموريتانية سعت لتوثيق نسب عربي يرتبط بالرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته المقربين ولم تسعي تلك المجموعات للإرتباط بالأصول البعيدة للعرب (الجاهلية ) وهو مؤشر واضح علي أن النسب العربي في موريتاني جزء من التشبث بالدين الإسلامي وارتماء في أحضانه أكثر منه انتماء للعرب من حيث هم عرب.

بل إن لفظ “لعربي الجاهلي” يوظف محليا(في بعض البيئات القديمة) للتعبير عن التجرد من الدين وعدم الإلتزام به أو حتي النفور منه (رقوة دم أولا رقوة ألبن يقول “العربي” بعد أن قتل أفراد المخيم).

كذلك فإن الشباب الموريتاني الذي أعتنق الفكرة القومية في السبعينات والثمانينات لم يكن يفصل مضمونها عن الدين والقيم الإسلامية وقد وجدت أسر متدينة ومحافظة تعتنق الفكر البعثي والناصري وتفهمهما في إطار من الإلتحام الشديد بالدين . لكن بعض القوميين اليوم يتنكرون لتلك الحقائق وينفصلون عن قواعدهم بعد أن أيقنوا أنهم لن يجروا المجتمع الموريتاني إلي معاداة الإسلام ومناصرة العمانية .

إن القومية العربية كما أفهمها اليوم مشروع سياسي شعبوي يسعي لتأسيس نظام حكم ديمقراطي نابع من قيمنا الدينية والثقافية ويسترشد بمنظومة الحكم العربي الإسلامي في المنطقة التي ننتمي لها وتؤثر علي توجهاتنا وتفكيرنا ولايمكن أن نعزل أنفسنا عنها. إن القوميين في بلادنا يجب أن يراعوا خصوصية مجتمعنا وخياراته الإسيراتيجية وهي أمور تجعل القوميين الموريتانيين (في نظري) لا يمكن أن يلتقوا مع العلمانيين القوميين والملحدين وبقايا الجماعات المعادية للدين ومشاريع الحكم الإسلامي في المنطقة ،إذا أرادوا الإبقاء علي الصلة بالواقع الإجتماعي المحلي وحتي العربي .

إن التحالف مع القوي “العميلة” التي يقودها في مصر البرادعي وصباحي وفلول نظام مبارك وفي سوريا الأسد وشباطيه وفي تونس الحزب الشيوعي وليبرالي الغرب …… يعني الخروج عن ثوابت الأمة والإنحراف عن توجهات القادة وفكرهم مهما حدث من اختلافات إديولوجية بين أطياف وفرقاء الساحات القومية والوطنية .

إن القومي العربي الأصيل: ناصريا كان أو بعثيا لايمكن أن يتحالف مع أعداء أمته وعملاء الغرب وجيوش القهر ضد مشاريع الحكم النابعة من عقيدة وثقافة حضارته الإسلامية .
إن الإخوان والسلفيين الصادقين وحزب الوسط في مصر تشكيلات محلية أصيلة نابعة من ثقافة الأمة ومشاريعها الحضارية وهي تخوض ملحمة حاسمة في تاريخ الصراع علي السلطة في واحدة من أكثر الساحات العربية أهمية وهي تتصدي لنفوذ القوات المسلحة وأنظمتها القمعية المعروفة في جميع دولنا العربية وأيضا ضد بقايا المرتزقة والعملاء وأصحاب الأجندة الخاصة المعادون لقيم ديننا الحنيف و لمشاريع الحكم النابعة من حضارتنا العربية الإسلامية.
إن التحالف القومي الإسلامي بين الأحزاب والتيارات في جميع الدول العربية خيار استيراتيجي لا يجب التراجع عنه أو التردد في تقويته ودعمه بشتي الوسائل في هذا الظرف الخطير من تاريخنا السياسي،لأنه السبيل الوحيد الكفيل بتحقيق إرادة ونهضة الشعوب العربية.
إن التمثيل الحقيقي للقومية العربية ينطلق من اعتبار المشاريع النابعة من قيم وتراث الأمة جزءا لا يتجزؤ من الخيارات الحضارية للأمة .وعندما يعبر الشعب العربي في أي دولة عربية عن إرادته الحرة في انتخابات شفافة ونزيهة فإن حماية تلك الإرادة تصبح من أولويات المناضل القومي الشريف والغيور علي إرادة وحرية شعبه .

إن المعيار الواضح لتمثيل القومية العربية هو ذلك الذي يبرز من خلال الحرص علي حماية إرادة واختيار الأمة والدفاع عن قيمها وثوابتها وليس من يتاجر بتلك القيم ويبيع المواقف ويحالف العدو ويحتمي بالعسكر.

الحاج ولد المصطفي: hajmoustapha@gmail.com

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى