انتخابات غير توافقية أم برلمان منتهي الصلاحية؟..

بعد أن قطعت الحكومة الشك باليقين وحسمت موقفها باستدعائها للناخبين من أجل المشاركة في الانتخابات المزمع تنظيمها والتي تُلَوِّحُ بعض أحزاب المعارضة بمقاطعتها، لم يكن بُـدٌّ من خيارٍ في تبيين بعض مواقف النظام والمعارضة التي أدَّت إلى تعميق الشَّرخ،واتساع الهُوَّةِ بين المنسقية و الموالاة دون المرور بمطلب” الرَّحيل “،و الذي بدأت بوادر طريقه تلوح في الأفقِ وهي ” الانتخابات”، بالرغم من تهرب البعض خِـيفَـةً منها وتركِ المجال للقارئ الكريم ليحكم بين الإثنين.

فمن بين المساوئ التي تؤخذ على النظام الحاكم أنه حين مارس الحكم بعد أن حصل على الأغلبية في الانتخابات الرئاسية لم يكن رشيداً فى سلوكه السياسى حسب مناوئيه، وذلك لأنَّه لم يدرك إدراكاً صحيحاً أن قواعد الشرعية الشكلية التي تَـنُصُّ عليها منظومة الديمقراطية ليست مقدسة من ناحية، وقد لا تكون مناسبة للمجتمع من ناحية أخرى.

ونعني بكون هذه القواعد ليست مقدسة بأنَّ التطبيق الحرفي لها قد يؤدِّي إلى عدم الاستقرار السياسي، إذا ظَنَّ حزب سياسي ما حصل على أغلبيةِ أصواتِ الناخبين أنَّ من حَقِّـهِ أن يُشَرِّع كما يشاء، وأن ينفرد انفراداً مُطلقًا بعملية صنع القرار، وأن يقصي أحزاب المعارضة السياسية على أساس أنَّها لا تُمَثِّلُ الأغلبية، بدلاً من إشراكها و الانطلاق من مبدأ ” حُكْمِ الأغلبيةِ واحترامِ الأقليةِ “.

إنَّهُ من مصلحةِ البلاد أن تنعم بالاستقرار السياسي و الذي لا يمكن أن يتحقق إذا انفرد فصيل سياسي واحد بالحكم، مما قد يغريه بإقصاء كل القوى السياسية المعارضة، وممارسة ما يطلق عليه في الأدبيات السياسية “ديكتاتورية الأغلبية، ” حيث “يعربد” الحزب الحاكم في مجال التشريع كما يشاء، وقد يجنح رئيس الجمهورية الذي ينتمي لهذا الحزب إلى الديكتاتورية، استناداً إلى نتائج “صندوق الانتخابات”، وفى ذلك كُلِّهِ تجاهل معيب لقاعدة أن الصندوق مجرد آلية من آليات الديمقراطية، وأهم منها قيم الديمقراطية التي تقوم على أساس الحوار والتشاور السياسي، وتبلغ ذروتها حين تحاول تحقيق التوافق السياسي.

وبذلك حَـرَمَتْ أحزاب المُنَسِّقِيَّةِ نفسها عَامِدَةً مُتَعَمِّدَةً من نِعْمَةِ التشاور السياسي، برفضها الدخول في الحوار الوطني، ونقول إنها نعمةٌ لِأنَّ المسئول عن اتخاذ القرار وفقاً للقواعد الدستورية سيستفيد حتماً من سماع الآراء المتعددة والحلول المختلفة التي تُقَدِّمُهَا الأطراف الفاعلة في العملية السياسية، وبذلك يخرج القرار مستوفياً شروطه السياسية الضرورية، وهى المرور بمرحلة تشاور قبل إصداره، ضماناً لعدم التطرف في تبنى وجهة نظر قد تكون خاطئة تماماً، وقد تتسبب في مضاعفات سياسية غير مرغوبة.

يعيش شعبنا اليوم أبهى تجلياتها، حيث أنتجت برلمانا منتهي الصلاحية جاثما على صدور مواطنينا، فمنذ انتخابه, جلب لموريتانيا كوارث لا تُحصى, حيث كان المقصلة الأبرز التي صُلب فيها المواطن، وغرفة جهنم كبرى, تُحاك فيها الدسائس, ضِدَّ كل ما هو جميل بدئًا بإجهاضِ تجربتنا الديمقراطية الفَتِيَّةِ التي أشاد بها العالم والتي ذُبِحَتْ على نُصُبِهِ، انتهاء بالتصرفات الغير أخلاقية الصادرة عن بعض من النواب والتي تٌـوِّجت بِصَبِّ وابلٍ من الشتائم و العبارات النابية كان يتبارى المنافحون عن النظام والمعارضون له في التَّـنَابُـزِ بها.

لن نقوم بحصر الفضائح التي شهدتها قبة البرلمان الأطول عمرًا, والأطول يـدًا, ونتظاهر بأنَّ الشعب ضُحك عليه من قبل جماعة من النواب, لا يعملون إلاَّ لمصالحهم فقط, لكن علينا أن لا نستمر في استسهالِ ما يُحدثه هذا البرلمان من دمارٍ لموريتانيا، لأنَّه فقد الصِّـدق.. والمصداقية.

نعرف أن البرلمان الحالي, منتهي الصلاحية, ولا يصلح للاستخدام الديمقراطي، ويشكل مصدر خطورة للبشرية, و أنا متأكد أنَّ الشعب سيحاسبه على كل ما اقترفه, بالرَّغم من وجود شرفاء تحت قبته، لكن طغى انتماؤهم الإيديولوجي والحزبي على حِسِّهِـمُ الوطني، حتى أصبح المواطن بسببهم وبسبب زملائهم يتوق، ويفتش بين ثنايا الجرائد وصفحات المواقع لَعلَّـهُ يجد خبرًا يُنبئ عن قرب سَانِحَةٍ تُمَكِّنُهُ من التخلصِ من هؤلاء، فما أحوجنا إلى انتخاباتٍ ـ ولو غَيْرُ توافقية ـ، وما أغنانا عن برلمان منتهي الصلاحية.

بقلم المهندس الحضرمي ولد محمد ولد انداه

نواكــــــشوط بـــتاريخ 04 أغسطس 2013

Email: elhadrami4252@yahoo.fr

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى