المعطى الحقوقي أبرز تحديات المرحلة القادمة

مر شهر رمضان العظيم بنفحاته الربانية مرور الكرام و مضت بذالك فرصة لن تتجدد إلا بعد سنة كاملة بأشهرها و أيامها و ساعاتها و لم يشهد الواقع السياسي الهش و المذبذب أي مبادرات تبشر بتصحيح المسار و بسمو “الساسة” عن حضيض المهاترات و الملاسنات و الجدل العقيم إلى مراقي صيانة الوطن و بناء المواطن الموريتاني الممزق الأوصال و المقسم بين رواسب التخلف العنيدة و عمق الاختلالات في حاضره العصي على التأقلم مع معطياته و الضعف عن امتلاك آلياته.

كما لم يسجل الوضع الاجتماعي المتسم بالضياع و تصدع جدار بنيته في الأساس و تخلخل الموازين و تلاشي المنطلقات و ضعف الثوابت و تلاشي المراجع أي تحسن من شأنه إذكاء جذوة أمل في حالك الواقع المغيبةِ حقيقتُه القاسية، و أن تفادي “منحدر الضياع” ما زال ممكنا و دحضَ التشاؤم مستطاعا.. و قد اختفت طيلة الشهر المعالجات العميقة و التوجيهات الملحة و الجريئة وراء مظهرية من المسابقات القشرية و موائد الإفطار المُسَيسة غالبا و الربحية أحيانا وسط شح باد من المحاضرات الرصينة و غياب ملحوظ للدروس التي تؤثر في النفسية و المسلك و تسمو بالمتلقين درجات إلى الأعلى لمواجهة نقاط الضعف في العقيدة و حول ما تجتمع على دربه الأمة حتى تشعر بالمساواة في الحقوق و وجوب استجابتها لتأدية الواجب المشترك.

و أما الوضع المادي و المعيشي لأغلب شرائح المواطنين فإنه لا يزال يراوح مكانه بسبب سوء توزيع الثروات من ناحية، و المعنوي في ظل غياب الرعاية النفسية لها متخلخلة و مصدومة منذ بداية و طيلة عقود الاستقلال الخمسة التي تزيد و قد مرت خلالها البلاد:

* بامتحان جفاف مزمن و قاسي و اصطلت بنار حرب ضروس،

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

* و بقيت عن الركب الأممي بسبب انقلابات متلاحقة و دامية أحيانا،

* و اختلطت أوراقها و تأثرت وحدتها و تصدعت لحمتها بسبب أزمات سياسية حادة و اجتماعية خانقة و مريرة.
و ما تزال الوضعيتان المادية و النفسية قائمتين على أشدهما في حل من أية حلول:

· من فرط سطوة النهب و الفساد – على الرغم من بالغ الجهد الذي بذل لمحاربتهما- و رأس مالهما “المدلل” بأيدي ثلة من الأولين منغمسين في ملذات حياة افتقدوها وقلت حيلتهم عنها، و ثلة من الآخرين صبية مغمورين و نساء أطلقن على عواهنهن؛

· و من قوة النفوذ القبلي و العشائري في دائرة مجموعات أسرية ضيقة و لو لم يكن لحظة هذا النفوذ – حتى من أيام الهيمنة على الدولة المركزية كما كان الحال قبلها- منصفا في صميم التركيبة القبلية العشائرية التفاضلية في بنيتها العامة، و كذلك عند الزعامات في بنيات الإثنيات من نفس الزوايا على حساب جماهيرها الموصومة بـ”لعنة الطبقية ” من جهة ثانية… و ما استشراء هذا الفساد و سطوة النهب، الصارخين الطافحين و رأس مالهما الخارج على القواعد الملتزمة إلا الأسباب التي تكبح مجتمعة كل جهد يسعى إلى تنمية هذه البلاد الزاخرة بمقدرات متنوعة لا حصر لها على أرض معطاء، و إلا المصير في دائرة الاختلال القائم في بعديه الوظيفي و العقائدي و ينتميان بسخرية مقيتة لعقلية بائدة و لأزمنة غابرة.

و لإن كان الشهر الكريم لا يبخل مطلقا و في كل مرة تستقدمه سنة الله في زمنه على الجميع بجزيل معانيه و سمو تعاليمه، فإن الاستجابة لفيض رسالته الروحية المعنى المقصد و المادية المبتغى و النتيجة لم تتبع بما كان ليكفل حتما الطمأنينة لأفراد الشعب المضطرب و لو أن تجاهل واقع ذالك الاضطراب بات ضربا معهودا من “المُتعمد” المزمن.
إن كل المؤشرات تدل على أن بلادنا مقدمة في قابل الأيام على تحولات لن يكون لها “دولة” و لشعبها “أمة” قبلا بها إذا ما ظلت السياسة على ما هي عليه من تحجر و تدار على هذا النحو من الارتجالية في التعاطي و السطحية في المعالجة و السذاجة في التقدير و الاستشراف. و إن كل الدلائل كذلك تدين، على حد سواء، جميع المتسابقين في مضمارها المختفي المعالم، و المتصارعين في حلبتها الخالية من الحكام الأكفاء، البعيدة عن أنظار المتفرجين من أفراد الشعب المغلوبين على أمرهم، المغيبين عن شأنهم و قد عج ببوادر أزمات اجتماعية بالغة الخطورة و منذرة بأخطار بالغة قد تفتح الباب على احتمالات لا تحمد عقباها إذا لم تتخذ إزاءها المواقف الحكيمة و بشأنها الإجراءات الضرورية الصارمة و في هذا الظرف الفاصل بين طفح الكيل و وجود حيز و فرص للإمتصاص.

إلى هذا ستكون المسألة الحقوقية، و بقوة – كما ظلت في الواقع المغيب عن الإدراك السليم و دائرة العمل السياسي الوطني النبيل – لوحدها أكبر عامل تحد سيبصم تميزه و جديته على المرحلة القادمة في ظل تداعيات ما هو حاصل من اختلالات المشهد السياسي الكثيرة و تشعب أوجه تفاعلها السلبية خارج نطاق السيطرة و التصويب بما كانت تستحقه و تفرضه، فيما لم يبد و لو لحظة الاهتمام بها أمرا جوهريا في لب دائرة التعاطي الحاصل لما ظل يتمحور حوله كله في سباق محموم إلى السلطة غاية و نهاية. و إن المتتبع عن كثب لما تمرره جهات لا تخفي الذي تحمله من دعاية حانقة و أتهامية بأكثر من الواقع في منحى لا يخفي عنصرية و رغبة إقصائية مفضوحة لا بد أن يدرك ضرورة المراجعة الشاملة و تحديد منطلقات جديدة لقراءة موضوعية للواقع الجديد و رسم خارطة المستقبل في ظل استدراك الحاضر.

و لقد أَشرت بوضوح على هذا المنحى انتخابات 21 يونيو 2014 و غيرت مفاصل الخطاب السياسي و حتوياته و أولوياته و مقاصده بما لا يدع أدنى شك عند المراقبين و المهتمين بالشأن الموريتاني على المستويين الداخلي و الخارجي.
أو لم يظهر على السطح بمنطق أكثر إلحاحا من ذي قبل و بلغة أغزر في المنحى الاصطلاحي الحقوقي حيث دخلت مفردات جديدة زادت حجم التقطيع في التركيبة المطلبية من إثنية و شرائحية ظلت مقتصرة على الأرقاء السابقين إلى شرائح أخرى موصومة في الهرميات الاجتماعية بالدونية و السلبية؟

و بما أن الأمر كان كذلك فإن المعارضة المقاطعة لهذه الاستحقاقات قد تفاجأت بما تأثرت به كثيرا دعوتها الموجهة إلى مناضليها و غيرهم بالإحجام عن المشاركة في الانتخابات الرئاسية، من هذا المد التعبيري الجديد في دائرة الأخذ بالخطاب ذي الطابع الحقوقي عن الوحدة الوطنية و السلم الاجتماعي. و هي المعارضة بكل أطيافها المتباينة الخطابات الفلسفية و المشارب الفكرية التي تجد اليوم نفسها في مفترق طرق بين مرحلة ولت و أخرى بدأت معالمها تتضح بحلتها الجديدة و اهتماماتها المتولدة عن قناعات تمخضت عنها معطيات رأت النور من رحم التراكمات و التحولات التي لم تهدأ يوما و إن كانت مطبوعة بالخجل. و العجيب المذهل أن هذه التحولات على بطئ مسارها إلا أنها كانت لافتة و في بعض مناحيها مجلجلة و لم تستحدث منطقا معالجاتيا إن جاز التعبير من أي جهة كانت حتى تلاحقت التراكمات و برزت أوجه الأزمات و التداعيات. هل هي السذاجة السياسية في أطوارها البدائية؟ أم هل أنه عمى الألوان السياسية الذي يخلطُ حقائق الأمور بما يكون من التباسها في دائرة اضطراب التحديد؟

و بالرغم من أن شهر رمضان الذي كان علاوة على بعده الروحي الأزلي، أيضا فرصة ذهبية سانحة للعمل السياسي الرفيع تحف أهله بركاته و تطلق إلى الخير و الصفح و النصح أياديهم بيضاء من غير سوء و لأفواههم، الصائمة عن لغو الكلام و دنيئه، الكلمة الطيبة الصادقة.

و لأن شهر رمضان كان أيضا شهر ابتلاء و امتحان و بداية عتق للفلسطينيين من ربقة المحتل الصهيوني الغاشم، فإنه كان كذلك مناسبة، لا قبل للسياسيين بها، لتوضيب البيوت و تجاوز العقد و استلهام الدرس السياسي الوحدوي الجهادي “الغزاوي” لتصحيح المسار و التأصيل لخطاب جديد يحدد أولويات الوطن و يترك الخصوصيات في العمل للتنافس الإيجابي البناء في فضله المطلق.

و لكن و عوضا عن ذلك فقد آلت المسيرة التي نظمتها جهات عديدة نقابية و سياسية و من المجمع المدني لنصرة غزة و مؤازرة أهلها و مجاهديها في وجه العدوان الغاشم و بطش آلة الصهاينة العتاة، إلى مهاترات و سباق غير لائق و كر و فر بعيدا عن روح المسيرة و مساسا بمشاعر أهلها المعذبين على أديم أرضهم الزكية و اعتداء على حرمة شهر رمضان و تعاليمه و توجيهاته.

و قد بدا هذا التصرف و كأنه ثغرة في نضج الطيف السياسي و هشاشة مرتكزات المواقف المشتركة التي تثبت على العادة صلابة عود التشكيلات العتيدة و أصحابها المرموقين. ثغرة كادت أن تخيب الآمال التي نسجت حول المسيرة و مقاصدها النبيلة لولا لطف الله و انفلات أمور القيادة المطلقة من أيدي أصحاب هذا الجدل الهستيري الذي لا يهدأ لأهله بال و لا تقف في وجوههم أية إرادة لحق مجرد أو هدف عام.

و لكن المسيرة “الغزاوية” هذه استطاعت أن تستمر إلى غايتها و أن تكشف لذلك و بجلاء عن أمور ثلاثة بالغة الأهمية سيسجلها التاريخ للمرحلة القادمة و تلعب دورا محوريا في سياق ما سيكون من قراءة غير نمطية للمعطى السياسي الجديد:

· أولها أن ثمة أمورا يحصل عليها تلقائيا إجماع الموريتانيين بكل لون طيفهم الإثني و الطبقي،

· و ثانيها أنه في مثل هذه المواقف و التوجهات لا سلطة تطغى على إرادتهم و توجهاتهم،

· و ثالثها أن ضمير الاستجابة للقضايا العادلة نابض بالحياة لديهم لا تثنيه عن الوقوف مع كل قضية عادلة أية جهة أو سلطة.

و هي أيضا الأمور الثلاثة التي سينبني عليها حتما هذا المنعطف الجديد وبذلك تتعرض الخارطة القائمة بكل دعائمها المتآكلة عند قواعدها و المتهرئة في مرتكزات أسقفها رغم ما تبديه من صلابة و تحدي لعوامل التغيير و متطلبات عدالة دولة القانون التي وحدها تستطيع أن تُظِل الجميع و ترد لدين الإسلام القيم كل اعتباره على أرض مهدها و أعد ما حَولهَا لإتباع شريعته و لأداء كامل دوره المحوري في حياة الأمة.. دولة تخاطب دونما تناقض أو تعارض في ذلك مع العصر بلغة الديمقراطية.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى