في ذكرى الشهادة (اغتيال النموذج)

فطن الناس قديما لمحورية دور القائد، وما يخلفه موته من فراغ أحرى إذا كان مقتولا، فكانوا ضنينين به يفدونه بأنفسهم وأعز ما يملكون، وهنا تتجلى حكمة الخليفة عمر بن الخطاب حين عزل خالدا حفاظا على النموذج، فخالد بطل يطلب الموت في مظانه، وموته محتمل في كل لحظة.. والرعية – كما يقال – على قلب الأمير، وأي استهداف لهذا الأمير/النموذج استهداف لمنظومة قيمية يشكل القائد تجسيدا واختصارا لها، والتاريخ العربي الحديث – على فظاعة الواقع – لم يبخل بنماذج جسدت قيما عربية أصيلة لا يفارق النفسَ الحنينُ إليها، لكننا كنا أكثر الأمم زهدا في تلك النماذج، وكانت الأمم الأخرى حريصة على استهداف نماذجنا، وهنا قد يجد البعض فيما أقوله احتفاء بمقولة المؤامرة، التي تفسر بالضعف والانهزامية، ولا أبرئها من ذلك، لكني أقول إن الوقائع على الأرض تؤكد أننا نكاد نكون وحدنا المستهدفين، فسعي الغرب الدؤوب من أجل بسط السيطرة على أرضنا، وما زرعه من بذور شيطانية تضمن له الحضور الدائم في أدق تفاصيل حياتنا – وفي مقدمة تلك البذور الكيانُ الصهيوني – أشياء تجعل كفرنا بنظرية المؤامرة قفزا على الواقع، وتجعل إفراطنا في الإنسانية جبنا واستسلاما.. وإن أخطر استهداف لنا يكون في تشويش الرؤية واغتيال النموذج، وإليك – عزيزي القارئ – ثلاثة نماذج اغتالهم الغرب بأيدينا، مُرَتَّبين حسب السياق التاريخي:

– جمال عبد الناصر: يختزل البعض منا صورة هذا القائد وإنجازاته في إعدام سيد قطب!، ولست في وارد الدفاع عن ذلك الحكم القاسي، لأني لا أريد للدم العربي – مهما اختلفنا – أن يصبح بيننا ماءً، بيد أني أرفض القراءة المجتزأة للأحداث، وأرفض أن تكون النكسة نتيجة حتمية لهذه الحادثة، بطريقة يُفهم منها أن النكسة انتقام إلهي، ويكون الكيان الصهيوني أداة من أدوات تنفيذ إرادة الله في الأرض، كما يفهم من أقوال بعض المرجعيات الإسلامية! فالنكسة – على مرارتها – ليست جريمة في حد ذاتها، ومن لا يريد أن يدخل إلا حربا محسومة النتائج لن يدخل حربا ما عاش، ونضيف إلى ذلك أن الزعيم عبد الناصر اعترف بمسؤوليته الكاملة عما وقع، وقرر الاستقالة في شجاعة نادرة، فلماذا يُشوه التاريخ ويُجتزأ؟ ولحساب مَن يُغتال هذا النموذج؟

– صدام حسين: البطل الذي هيأته صلابته وشجاعته وثباته للتربع على عرش الزعامة العربية دون منافس، وكان له ذلك رغم أنف الحاقدين والحاسدين، فكان أن جُرَّ لغزو الكويت البلد العربي الجار، ليظهر نظامه بمظهر المتناقض الذي لا يحافظ على الوحدة العربية، وليجد خصومه في الداخل العربي ذريعة لرفع أصواتهم بعد أن ألجمتهم مواقف الرجل، غير أن الوقائع بعد ذلك أثبتت أن الغزو لم يكن إلا كبوة جواد، وأن الزعيم صدام حسين كان وما يزال نصيرا للوطن وللأمة، لقد استشعر الغرب خطر هذا الزعيم/النموذج، فكان اغتياله مرتين هدفا غربيا، وحاجة ملحة في سبيلها استنفر الغربي عَدده وعُدده، لتأتي لحظة الإمساك به حيا، فيجد فيها الغرب فرصتهم لاغتيال هذا النموذج، فأدخلوه في حفرة ليخرجوه منها، ويتأكدوا من هويته مرة أخرى بطريقة مستفزة أمام الإعلام، لكن لحظة الإعدام فضحت ذلك كله فالنموذج صدام جلد ثابت يصعد إلى منصة الإعدام ثابت الخطى، ومن ثم إلى السماء، يرافقه هيامه بفلسطين حرةً مستقلةً، وبالأمة العربية موحدةً، والمرء يموت على ما عاش عليه..

– معمر القذافي: لم تكن رؤية الزعيم معمر القذافي متضحة للشعب العربي اتضاحَ رؤية الزعيمين السابقين، لكنه رغم ذلك كان قد نذر نفسه لمقارعة قوى الاستكبار والشر العالمية، وقد ضرب الغرب وعملاؤه في الداخل والبسطاء الساذجون المغرر بهم موعدا للتخلص منه، وأعلنوا الثورة عليه، أو بالأحرى ألبوا الناس وثَوَّروهم عليه، فالثورة كتحطم السد لا تطلب الإذن ولا تنتظر الموعد، وكان أن تدخل الناتو مباشرة، واختلط أزيز طائراته بصياح ثواره، وتناغمت المنشورات التحذيرية والحمم التي تلقيها الطائرات مع الفتاوى التي تقصف بها ليبيا، وشُوهت صورة الزعيم، وكانت فرصة القبض عليه حيا سانحة لاغتياله مرتين هو الآخر، فاغتيل جسديا حتى لا يزعج الأسياد في الغرب بما في جعبته من أسرار، واغتيل معنويا حين افتُري عليه وأذيع نبأ اعتقاله “متخفيا في أنبوب للصرف الصحي لأنه رعديدة فرق”، والحقيقة أنه اغتيل مرتين لأنه نموذج، ولأنهم يريدوننا تائهين بلا نموذج..

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

ثلاثة حضروا وخُلِّفَ الناس، يجمعهم صدقهم في انتمائهم لهذه الأمة، ولهمومها، ومناهضتهم لكل أشكال الهوان والخنوع، ويجمعهم أن كل واحد منهم كلن نموذجا واغتيل، وأننا كنا فيهم جميعا من الزاهدين..

الكاتب: ممو الخراش

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى