لمنْ الغلبة في السيطرة العملياتية على غزة، وفي مآلات الحرب؟

الصدمة كانت شنيعة ومازالت: لم تتوقع اسرائيل يوما مدى الضربة الموجعة وتداعياتها الخطيرة،  التي  تلقتها في 07 اكتوبر الماضي على يد حماس ؛ وما زال النظام الصهيوني ونخبه في حيرة من الأمر؛ وكذلك فوجئ العالم بأسره بما يجري حتى أن الشروح وردود الفعل الفكرية التي يثير “طوفان الأقصى” لا تقتصر على التعاطي مع عملية عسكرية محصورة في الزمان والمكان والأهداف، بل تجاوزت الإشكالية ذلك إلى التأمل في ظاهرة تطرح أكثر من تساؤل ينضاف إلى أدبيات العلوم الاستراتيجية والجيوسياسية.

بعد هذا التحريك، متى وكيف يأتي التحرير؟

رغم  عمق الحدث وما له من تداعيات متواصلة تحت أوجه وأبعاد متعددة، داخلية وخارجية، جهوية ودولية، عسكرية وسياسية… فلا أحد يتوقع أن حماس سوف تطرد القوات الإسرائيلية من غزة ومن فلسطين خلال المعركة الحالية: لا هي ولا غيرها من فصائل المقاومة يخططون أو يعملون لهذا الغرض في الظروف الراهنة. غير أن أفقا وأوضاعا جيوسياسية جديدة في طريق التشكل بسبب الدينامية الناجمة عن “طوفان الأقصى“؛ ويكاد يكون من المستحيل التنبؤ بمآلاتها. فالشيء الأكيد أننا نعيش تحريكا للقضية الفلسطينية غير مسبوق، حيث يختلف عما نجم عن حرب اكتوبر، رغم كون البعض  يركزون على أوجه الشبه بين الحربين. ومن ذلك ذكرهم لقول أنور السادات بأن الحرب التي قادها آنذاك “تحريك وليست تحرير” على حد تعبيره.  ومن المعلوم أن حرب اكتوبر قامت بها جيوش عربية نظامية- مصرية وسورية أساسا. ولم يكن تحرير فلسطين هدفها الأول. وقد دامت أقل من عشرين يوما. بينما الحرب الراهنة تدور رحاها منذ ما يقارب ثلاثة أشهر، والثوار الفلسطينيون هم من يقاتلون ويديرون بلا هوادة المعارك ضد الاحتلال الصهيوني لبلادهم. فهاهم يقفون بشاجعة ونجاعة، رغم تواضع ما لديهم من أسلحة ووسائل مادية، في وجه عدو رهيب مدجج بأنواع الأسلحة الحديثة وأشدها فتكا، ويمنعونه من بلوغ “أهداف الحرب”- كما يسميها- التي حدد لنفسه.

وقلَّ من الناس، بمن فيهم طوائف عريضة من أنصار القضية الفلسطينية، منْ عوَّل على أن فصائل المقاومة سوف تصمد بالصورة التي شاهدها العالم أمام فتك الترسانات العسكرية الأسرائيلية وهمجيتها. وهنا يكمن الخلاف بين المؤمنين حقا بقضيتهم مع غيرهم: المؤمن قادر على فعل المعجزات!

فعلا، لقد أثارت شجاعة المقاتلين الفلسطينيين وإقدامهم- وما زالا يثيران- استغراب أكثرية المراقبين وإعجاب الناس عموما و”احترام” الخصم الذي أصبح مهموما بصورة مثيرة تسببتْ في خلافات وتصدعات مخيفة داخله. في حين تتجلى مظاهر الحيرة والضعف في صفوفه حتى في أعلى مستوياته. وما قرار الحكومة الإسرائيلىة الصادر منذ يومين أو ثلاثة، والقاضي رسميا بتكميم أفواه الأعلام فيما يتعلق بتغطية الحرب، سوى اعتراف النظام الصهيوني بشكل مفضوح بعجزه وفشله.

ما هي تداعيات ومآلات هذا الفشل؟ هل يشكل مؤشرا على أفق مظلمة يخيم شبحها  بظلاله على مستقبل أسرائيل ؟ وفي المقابل، ألا يدل على قوة متزايدة للمقاومة  الفلسطينية وعلى أن فصائلها قرعت  بجدية باب الطريق المؤدي بها إلى التحرير؟ ربما. ولو أنه من السابق لأوانه  توقع أجل لحسم الأسئلة.

 السيطرة على الأرض شيء، والقضاء على العدو شيء آخر…

صحيح أن الجيش الأسرائيلي احتل غزة ونشر قواته على عموم ترابها، وأنه قتَّل السكان تقتيلا، وجوَّعهم تجويعا، وشرَّدهم تشريدا، ونكَّل بهم تنكيلا…

وصحيح أن القيادة العسكرية الصهيونية حاولت إثارة ضجة دعائية تخدمها، حيث قدمت الأمر على أنه انتصار عسكري وصفته ب “السيطرة العملياتية على القطاع”. وإن كانت العبارة (contrôle de zone) تعني- كما هو منصوص في القاموس العسكري الفرنسي- “منع العدو من حرية الحركة والاستخدام” لميدانٍ أو منطقةٍ معينة، ففعلا إسرائيل تمكنت من “السيطرة على غزة” في مجملها. لكن هل هذا كفيل بالقضاء على العدو أو بجعلها في مأمن من عملياته؟ الجواب طبعا بالنفي.

فهي لا تتمتع بحرية التنقل في المنطقة أو حرية استخدامها، كما تشاء. وهذا إكراه تتقاسمه نوعا ما مع عدوها : لا فصائل المقاومة ولا القوات الإسرائيلية حرة فى استخدام الميدان، رغم الفارق العظيم بين الخصمين لصالح إسرائيل، إن نحن نظرنا إلى ميزان القوة العسكري من زاوية معايير التقييم التقليدية المعروفة في أدبيات وقواعد الحرب النظامية.

لكن توجد في المقابل فروق بين الخصمين تكمن في مناحي عقائدية وأخرى فنية، لا تخدم قوات الإحتلال.

 الإيمان مصدر قوة عظيم لا ينضب…

كما أسلفنا، حماس وحلفاؤها في المقاومة يؤمنون حقا بقضيتهم العادلة. وهذا منبع قوة لا ينضب، بل إنما هو في تزايد مطرد تبعا لوتيرة وشدة حروب الإبادة وما يرافقها من همجية تفرضها عليهم قوة محتلة لأراضيهم وظالمة. ويواجهونها بقوة إرادة عنيدة يعمل العدو وحلفاؤه عبثا بكل ما أوتوا من قوة على كسرها. فعلى عكس ما تبتغيه، قوات الاحتلال كلما زادت فتكا وتدميرا وزهقا لأرواح الفلسطينين، نساءً واطفالا وشيوخا… زاد  ذلك الضحايا والمظلومين إيمانا وقوة. مما يجعلهم أقوى من عدوهم على الصعيد المعنوي أضعافا مضاعفة. قوتهم المعنوية الفائقة تعيق إلى حد كبير ما لدى خصمهم من تفوق مادي  في انواع وكميات الأسلحة وفي الأحجام البشرية للقوات.

أما من ناحية الأساليب القتالية، فإن عمليات حماس مبنية على تكتيكات التمويه والحركية، حيث تتمثل في العمليات الخاطفة، والكمائن، والقنص، والقصف عن بعد بالصواريخ وقذائف الهاون… مع الاستخدام المكثف لشبكات انفاق يتأكد يوما بعد يوم أنه من المستحيل على الطرف المعادي شل فعاليتها كما يحاول جاهدا. وهذه أساليب قد تنخفض أو ترتفع وتيرتها، لكن لا ولنْ يمنع منها احتلال العدو للأرض أيا كانت قوة أو اتساع انتشاره على الميدان. اللهم إن نجح في تجنيد السكان الفلسطينيين بدرجة تضمن له ولاءهم ودعمهم.

العجز الهائل في الاستخبارات البشرية، عائق لا يمكن تجاوزه…

تجنيد السكان الفلسطينيين، على نطاق واسع أو بدرجة تكفي لسد الفراغ في مجال الإستخبارات، شرطٌ لن يتحقق أبدا لقوات الأمن الإسرائيلية. وهي على بينة تامة من المعضلة، حيث يُستشفُّ من النجاح الباهر والمباغت لعملية “طوفان الأقصى“، ولتداعياتها على ساحات القتال، وعلى جميع الأصعدة، ضعفُ الاستخبارات البشرية الأسرائيلية. مما يشي بعجزها إلى حد بعيد عن اختراق منظمات وفصائل المقاومة.

وأعتقد شخصيا أن هذا العجز على رأس المآخذ والنواقص في المجال الأمني التي سوف تعمل الأدارة الأمريكية على تقديم الدعم لإسرائيل بغية علاجها. ولا شك أن إعادة الروح إلى مسار “حركة التطبيع” قد تشكل مناخا سياسيا أكثر ملاءمة لمشروع تجسسي من هذا النوع.

لكنه أمر عسير. فأنَّى للمحتل ومجرم حرب الإبادة الإسرائيلي ولحماته الأمريكيين بكسب ولاء ضحاياهم الفلسطينيين، العصيين على الرضوخ والأستسلام ! كما أن حركة “تطبيع  العلاقات” مع إسرائيل تمر بمرحلة عويصة منذ احداث 07  اكتوبر.

ولعلنا نتذكر أن تجنيد الفلسطينيين من طرف المخابرات الإسرائيلية شرطٌ بعيد المنال، لا أعتقد أنه تحقق  بشكلل مرضي من قبلُ: لا في ظل الأحادية القطبية حين كانت الولايات المتحدة- حامية النطام الصهيوني- القوة المهيمنة بلا منازع، ولا قبل ذلك في عهد الحرب الباردة وضبابيتها الإعلامية. فكيف لهم به اليوم في ظروف دولية تتميز بثورة المعلومات والتعددية القطبية مع تنوع وتباين عوامل النفوذ الجيوسياسية على الساحة الدولية وما يلاحظ في هذا السياق من تقاعس للولايات المتحدة وللقوى الغربية، لصالح الصين وروسيا ودول أخرى صاعدة: البرازيل، الهند، إيران، جنوب افريقيا… إلخ .  وهذه التغيرات المتسارعة في العلاقات والتوازنات الدولية لا تصب كثيرا في صالح إسرائيل، ولا تساعدها على رفع الرأس بسهولة بعد الضربة الشديدة التي تلقتها عبر “طوفان الأقصى” ومآلاته المحيرة لها ولحماتها الامريكيين.

عقيد ركن (متقاعد) البخاري محمد مؤمل (اليعقوبي)

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى