الشيخ عبد العزيز ول الشيخ محمد المامي: منارة علمية في صحراء القرن التاسع عشر

 

هو أحد أبرز العلماء والشخصيات المؤثرة في منطقة الصحراء الكبرى خلال القرن التاسع عشر؛ وُلد في منطقة تيرس وينحدر من أسرة علمية عريقة، حيث كان والده، الشيخ محمد المامي، مؤسسا *لزاوية* علمية مرموقة.

تلقى الشيخ عبد العزيز تعليمه في زاوية والده، حيث نهل من علوم الشريعة واللغة والمنطق؛ لازم والده لمدة تقارب خمسة عقود، شهد خلالها تأليف والده لعدد من *المصنفات العلمية المهمة، مثل “كتاب البادية*” و*”نظم مختصر خليل” و”كتاب القواعد الفقهية”.*

بعد وفاة والده عام 1865، أسس الشيخ عبد العزيز زاويته الخاصة في منطقة “*آرش اعمر*”.
أصبحت الزاوية مركزا علميا واجتماعيا وقضائيا بارزا. استقطبت الطلاب من مختلف المناطق لدراسة علوم الشريعة واللغة والمنطق؛ وصفها المؤرخ المختار ول حامدن بأنها كانت مقصدا للضيوف والوفود، حيث كان الشيخ عبد العزيز يستقبلهم في خيمة كبيرة تُسمى ” *الزاوية* “، يبلغ طولها ثلاثة وثلاثين ذراعا.

تمتع الشيخ عبد العزيز بسمعة عند الناس طيبة ومكانة مرموقة في مجتمعه، حيث وصفه *الضابط الإسباني “إيميليو بونيلي” عام 1885 بأنه شخصية ذات سلطة واحترام عام في المنطقة، كما أشارت بعثة فرنسية مكلفة بدراسة الساحل الشمالي لموريتانيا إلى أن اسمه وسلطته كانا كفيلين بتوطيد الأمن والاستقرار، حيث ذكرت: “بفضل سلطته، لم يكن المحاربون يهاجمون الآخرين وكان اسمه وحده كافيا لإبعاد اللصوص”*.

أقام *الشيخ عبد العزيز* علاقات وطيدة مع العديد من العلماء والشيوخ في المنطقة ومن أبرزهم *العالم والمجاهد الشيخ ماء العينين*، حيث تبادلا المراسلات والقصائد الشعرية التي تعكس عمق الاحترام المتبادل بينهما؛ في إحدى رسائله الشعرية، حيّا *الشيخ ماء العينين الشيخ عبد العزيز بقوله*:
*”سلام على عبد العزيز مدى الشرى…”*.

توفي *الشيخ عبد العزيز، عام 1902 عند “*آرش اعمر*” ودُفن بجوار والدته وجدته وعدد من أعيان منطقة تيرس.

خلّف وراءه إرثا علميا وأدبيا غنيا، حيث تميز شعره بالاختصار والإيجاز، وتنوعت موضوعاته بين التعليم، وأدب الرحلات، من أمثلة أشعاره التعليمية، “لغزهُ” بعبارة:
*”محمد” عليه الصلاة والسلام:
“باسم الذي زين السماء بالقمر…”*

استمرت زاويته في أداء دورها العلمي والاجتماعي بعد وفاته، خاصة تحت *قيادة خلفيفته محمد ول عبد العزيز، حيث ازدهرت* واستقطبت العديد من الطلاب والباحثين ومع ذلك شهدت الزاوية تراجعا في منتصف القرن العشرين، خاصة خلال الفترة الأخيرة للاستعمار الإسباني، مما أدى إلى هجرة سكان “*آرش اعمر*” وتحول المنطقة إلى موقع خالٍ من السكان بعد اندلاع الحرب.

اليوم، تبقى آثار زاوية الشيخ عبد العزيز شاهدا على تاريخ حافل بالعطاء العلمي والديني وتستدعي جهود الباحثين والمهتمين لإحياء هذا الإرث الثقافي والتاريخي العريق.

 

من كتاب “في رحاب أنساب أهل باركلل”.

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى