مسكه ول باركلل: الحكمة والكرم وبعد النظر

 

نشأ *مسكه ول باركلل* في زمن لم يكن مواتيًا لتحقيق إنجازات دنيوية أو أخروية، حيث وُلد في بيئة قبلية مترامية الأطراف، عُرفت قبيلته بالعلم والولاية والتقوى والقوة وقد تحالفت قبيلة يعقوب، التي ينتمي إليها، مع بني *ديمان وإيداشفاغ وإدوداي وإدگبهني* في مواجهة بني حسان.

برز في بني ديمان قائد عظيم، آسمه *ناصر الدين*، أقام مجتمعه على العدل وتطبيق شرع الله وكانوا يجمعون الزكاة بدقة؛ إلا أن أحد الرعاة، المدعو ” *بب* ” رفض إخراج الزكاة ولجأ إلى أحمد بن دمان، زعيم الترارزة من بني حسان مما أدى إلى تصاعد النزاع بين الزوايا وبني حسان.
ورغم معارضة باركللُ ول أحمد بزيد للقتال، الذي شارك فيه بشجاعة، عندما وقعت المعركة فتمكن الزوايا من هزيمة بني حسان وإبعادهم عن ديارهم لمدة أربعة عشر عاما، مما اضطرهم للجوء إلى حصن “جولف” في السودان.

في هذا السياق، تولى مسكه ول باركللُ مسؤولية سياسة قبيلته بتكليف من والده باركللً، مستندا إلى علمه الواسع وحكمته العميقة.
كان من أكثر معاصريه معرفة بالفقه والنحو واللغة وعلم الحساب والتوحيد وغيرها من العلوم، كما تميز بورعه واستقامته وقد أجازه شيخه، ابن ناصر الدرعي، في جميع ما تلقاه من علوم، حيث منحه إجازة علمية شاملة، ذكر فيها سلسلة الإسناد التي تربطه بكبار المشايخ ومن بينهم الإمام زكريا الأنصاري وشهاب الدين بن حجر العسقلاني وختم ابن ناصر الإجازة بتوصية مسكه بتقوى الله والتمسك بالسنة والإخلاص في العبادة والحرص على الاستغفار وملازمة الرحمة للمؤمنين وتعظيم العلم وأهله، داعيا له بحسن الخاتمة والاستقامة.

عُرف أحمد مسكه بحلمه وكرمه فكان يحلم على من يجهل عليه ويجود بماله على من يبخل؛ ومن أقرب أصحابه في العلم *سيدي عبد الل بن محمد بن القاضي والماحي الألفغي* وقد عبّر عن هذه العلاقة “بطلعة” حسّانية تعكس صداقتهم العميقة.

كما كان من بين الذين صحبوه *القاضي بن اعلي امم السباعي* الذي كان من علماء الظاهر وأهل الخشية. وعندما التقى القاضي بأحمد مسكه في بلاد الجوفية، وجده عالما لا يُبارى، خاصة في النحو؛ فطلب منه أن يبعث معه أبناءه ليتعلموا النحو وأعطاه كتاب “الإتقان في علوم القرآن”. إلا أن مسكه أحاله إلى أخيه عبد الله ول باركلل، معتبرا أنه أكثر خبرة في تدريس النحو، فاستجاب القاضي وأرسل أبناءه إليه. وكتب مسكه في أول ورقة من “الإتقان” هذه الأبيات:

إلى أخينا عبيد الله مسألــــة
تذكر الخل خلا حبه وجبا
قد خصك القاضي بالإتقان مرتجيا
الإتقان منك بنو علاته الكتبا

ومن فقهه ومعرفته بالأحكام الشرعية، أن القاضي نفسه استفتاه في أمر وقع بينه مع زوجته أثناء سفره، فأجابه مسكه بأنه يحتاج إلى الرجوع إلى كتبه ليعطيه الفتوى الصحيحة وعندما عاد مسكه إلى أهله، زاره القاضي ليحصل على الفتوى، فقدم له مسكه طعاما، فأكل القاضي منه، لكنه لما رفع يده عن الطعام، لم يعد إليه، إذ كان من عادته ألا يرجع إلى طعام رفع يده عنه. فاستغل مسكه هذا الموقف وقال له: “ذلك حكم زوجك، فقد حرمت عليك كما حرمت هذا الطعام على نفسك”، فأدرك القاضي مغزى الفتوى.

كان مسكه محبا للعلم وقد درس مع سيدي عبد الل بن محمد بن القاضي بمدينة فاس وبعد عام من الدراسة، اقترح ابن القاضي مغادرة المدينة، خشية أن يموتا هناك لأنهما من أهل البادية، لكن مسكه رفض المغادرة لحرصه على إتقان العلوم التي لم تكن موجودة في بلاده؛ وعند مغادرته لاحقا، مرّ بعدة مدن ومدارس، لكنه لم يزد على ما تعلمه سابقا إلا عند مروره بمدينة تافلالت، حيث وجد عالما يُدعى *دگداگ* يقول: “كذب عبد الباقي، أما *الخراشي* فرجل صالح لا أقدر أن أكذبه” وكان دگداگ هذا يحفظ المتون والشروح.

استمع مسكه له فوجده يقول: “إن من معاني الواو؛ واو الثمانية”، فانبهر بعلمه ورأى أنه لو أُتيح له التعليم في مدرسة النحو، لاستحق ذلك بجدارة وكانت له إسهامات في النحو والعلوم الأخرى، حيث نظم بعض المسائل في أبيات شعرية يسهل حفظها.

اشتهر أحمد مسكه بسخائه، فكان يمنح ماله بسخاء، خاصة لسيدي عبد الل بن محمد بن القاضي، حتى في الأوقات التي كانت فيها الموارد شحيحة ومن شواهد كرمه أنه تلقى رسالة من سيدي عبد الل يطلب منه بعض الإبل والزاد للسفر، فلم يكتفِ بتلبية الطلب بل زاد عليه بإهدائه قاموسا وحين أراد سيدي عبد الل أن يردّه إليه، وهبه أحمد مسكه عشرين بقرة بدلا منه، إيمانا منه بأن العطاء لا يُردّ بمثله بل بما هو أكثر.
وفي موقف آخر، وهب مسكه قاموسا لسيدي عبد الل، الذي بدوره أعطاه *للمختار بن أشفغ موسى*، لكن المختار أعاده إلى مسكه معتبرا أنه لا يحق لأحد امتلاكه سواه فردّ عليه مسكه قائلا: “ما أخذته إلا لأهبه لك”، فأبقاه *المختار* عنده.

مسكه ول باركلل يتميز بحسن النظر في العواقب، ومن أذكى أهل زمانه في استشراف المستقبل، سواء في أمور الدنيا أو الدين، مما جعله شخصية محورية في مجتمعه تجمع بين الحكمة والكرم وبعد النظر.
ومن نظره في العواقب وتدبيره وخبرته لإرتكاب أخف الضررين أنه لما قرر السكن في هذه البلاد بعد رجوعه هو وأهله من غربتهم، زار بعض الزوايا التي تسكن في “الگبلة”؛ فسأل أهل المصلى عن حالهم وحال بلادهم فقالوا له “جل معاشنا الزرع لا ينال لبعده والآبار لاينال ماء أدناها دون عشرين قامة مع أن الآلة التي ينال بها الماء عسر أمرها ومن عسره أن الدلو يدبغ حتى يلين والرشاء يدبغ أيضا وظلمتها كثيرة جدا وبالغوا له في إفسادهم للأشياء وإهانتهم لهم إلى غير ذلك، فقال لهم أما الزرع فقريب سفره وتكفي منه هذه الفواكه التي تنال بغير ثمن وأما الآبار فهي قصيرة بالنسبة لغيرها وأما الدلو فإنا لاندبغه إلا مرة واحدة وذلك أصلح لجذبه للماء وأما الرشاء فلا ندبغه أصلا وذلك أقوى له وأصلح فخفف على المسلمين شأنهما وأما الظلمة فسألهم عنهم هل يغيرون على “السرح” أم ينزلون عند البيوت ويطلبون المداراة فقالوا له ينزلون ويطلبون، فقال لهم هؤلاء أصدقاء ثقيلون؛ فلما قام عن المصلى وأهله التفت رئيس الحي إلى قومه وقال لهم “هذا الفتي إن سكن معكم في هذه البلاد يتغلب عليها وينزعها منكم لإعجابه بعقله وكان من يوم صام وهو كاف أباه وإخوته من أمور الدنيا ومن أمور الآخرة ككونه هو الذي عليه مدرسة الفقه والنحو والتوحيد وكل العلوم وغير ذلك وكان لا يقوم أحد من إخوته بأمر إلا إذا “شاوروه”، فضلا عن “صربة” في أمر أو حفر بئر أوغير ذلك”.
وهذا وإن كان ينكره بعض الناس اليوم فليس ينكر في زمنه حتى زمن طويل بعد ذلك.
فلما توفي وكان *الفلالي* وأخوه *الحاج* صغيرين؛ تفاوض إخوته ووالدهم في أمره وعلى من تجعل العمامة ومن يتولى أمر الرئاسة فاجتمعوا على أن من يستحق ذلك أبناؤه وإن كانوا صغارا فجعلوا الفلالي هو الذي يتولي ذلك الأمر لأنه الكبير ثم ذكروا الخصال التي كان مسكه يقوم بها، فوزعوها بينهم حتى يكبر بنوه؛ فكان *عبد الله هو الذي تولي مدرسة النحو* وكان *مولود هو الذي تولي مدرسة الفقه* *وكان الأمين من يتولى شأن “الصربة”؛* مع أن أبناء مسكه ول باركلل، مع صغرهم ذكر من أمرهم، ما ذكر وكل واحد من إخوته تولى خصلة من خصاله وأمرا من أموره حتى أصلحوا أمرهم وصلحت دولتهم واستقامت وكان بعض الناس يقول: *ما هو الميراث الذي شارك فيه الإخوة الأبناء يعني هذه الأمور التي كان مسكه قائما بها دون إخوته* .

*من كتاب “في رحاب أنساب أهل باركللً”
المرجع: كتاب العمران*

قبل إكمال الموضوع أسفله يمكنكم الإطلاع على موضوعات أخرى للنفس المحرر

زر الذهاب إلى الأعلى