الشيخ محمد المامي: عالم الصحراء والمحيط، بين الإبداع والعزلة
يٌعد الشيخ محمد المامي بن البخاري بن حبيب الله (1202هـ – 1282هـ) أحد أبرز أعلام الفكر الإسلامي في الصحراء الغربية؛ إذ جمع بين الأصالة العلمية والقدرة على التجديد؛ لم يقتصر علمه على الفقه والتصوف، بل امتد إلى علوم شتى، فترك تراثا فكريا زاخرا يعكس ثقافته الموسوعية ومن بين السمات الفريدة في شخصيته ارتباطه العميق بالبحر، حيث وجد فيه ملاذا فكريا ومصدر إلهام ليصبح بذلك أحد رواد الفكر الذين تجاوزوا حدود البادية نحو آفاق أوسع.
نشأ الشيخ محمد المامي في بيئة صحراوية قاحلة بوادي الذهب، لكنه لم يجد فيها المناخ المناسب للإبداع العلمي، فاتجه إلى شواطئ المحيط الأطلسي، حيث رأى في عزلته البحرية فضاءً للتحصيل والتأليف ولم يكن هذا مجرد اختيار عابر، بل كان فلسفة حياتية عبّر عنها في نظمه، حيث قارن بين حياة الأعراب المترفة نسبيا وبين انكبابه على العلم رغم المشقة، قائلا:
*فلم تكن معاهد الأعراب = أهلا لتأليف ولا إغراب*
هذه العزلة منحته فرصة فريدة للتأمل والتفاعل مع البحر وعوالمه؛ فجعل من الموج والمرجان والدلفين رموزا في مؤلفاته، كما يتجلى في قصيدته ” *الدلفينية* “، حيث يقول:
*والعلم بحر بغوص الماهرين به
تلفى اليواقيت فيه والمراجين
لكنه غير مأمون تماسحه
وليس في كل موج منه دلفين.*
لم تكن إقامة الشيخ بالساحل مجرد خلوة علمية، بل شكلت جسرا للتواصل مع العالم الخارجي، حيث احتك بالمستكشفين الأوروبيين وتفاعل مع ثقافاتهم، مما انعكس على توظيفه لمفردات من اللغات الإسبانية والإنجليزية في شعره الحساني، مثل:
*بوني بوني فيري كوت
بالف قلم كون قلم يا أحمد
واتبيع ظريوك خوف الفوت.*
كما سجل في مؤلفاته ملاحظات دقيقة حول قبائل إيمراگن، الذين اعتمدوا على البحر في معيشتهم وأبدى إعجابه بعلاقتهم الفريدة مع *الدلافين* التي تساعدهم في الصيد وهو ما ألهمه تأليف كتابه الشهير “الدلفينية”.
لم يسلم الشيخ من انتقادات بعض معاصريه الذين لم يدركوا قيمة أعماله العلمية، فدعوه إلى إلقاء كتبه في البحر، لكنه رد عليهم بحزم في نظمه لمختصر خليل:
*طوقتكم بهن مجد الدهر = ورأيكم إلقاؤها في البحر* .
ورغم هذه المعارضة، استمر في الإنتاج العلمي، فترك إرثا يزيد على مائتي مؤلف، من بينها: “إدخالات البحر في الغدير” و”كتاب البادية” و”تشريع الجوازي”، إضافة إلى شروحه ونظمه الفقهية العميقة.
وصفه العلامة محمد الخضر بن حبيب بأنه “موقف عقل” و”لا مامي بعده”، مشيدا بسعة علمه وكرمه وزهده؛ فقد كان زاهدا في أموال الملوك، كريم الخلق، كثير الضيافة، حتى قيل إنه كان ينحر كل ليلة جمعة؛ كما كان واسع المعرفة في مختلف فنون الشرع، نثرا ونظما، حتى إنه نظم الفقه في قصائد تسهل على المتعلمين حفظه واستيعابه.
لم يكن الشيخ محمد المامي مجرد فقيه أو متصوف، بل كان مفكرًا متجددا، استمد إلهامه من البحر وجعل منه فضاءً للمعرفة والإبداع ورغم محاولات التقليل من شأنه، بقي إرثه شاهدًا على عبقرية قلّ نظيرها، داعيًا الباحثين إلى مزيد من الدراسة والتنقيب في كنوزه الفكرية، التي لا تزال تلقي بظلالها على الثقافة الصحراوية والإسلامية حتى اليوم.
من كتاب “في رحاب أنساب أهل باركلل”