القطاع الرعوي في موريتانيا: عماد الاقتصاد وجسر التنمية المستدامة.
في قلب الصحراء الموريتانية، حيث تمتد المراعي على مساحات شاسعة، ينهض قطاع حيوي يُعدُّ شريان الحياة للاقتصاد الوطني وضامن استقرار المجتمعات الريفية: الثروة الحيوانية؛ بإحصاءات تصل إلى 30 مليون رأس من الماشية، تتجاوز هذه الثروة دورها التقليدي كرمز للتراث البدوي، لتصنع أرقاما اقتصادية لافتة تضعها في صدارة أولويات الدولة، وتجعلها ركيزةً لخطط التنمية المستدامة.
تشكل الثروة الحيوانية 10% من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة ليست هامشية في اقتصاد يعتمد على موارد متعددة؛ غير أن الأكثر إثارة هو هيمنة هذا القطاع على 70% من القيمة المضافة للقطاع الريفي، ما يجعله المُحرك الأساسي لتنمية المناطق الأقل حضرية ومانعاً رئيسيا لهجرة السكان نحو المدن. كما يوفر القطاع فرص عمل لنحو 11% من القوى العاملة، مما يجعله صمام أمان اجتماعي في وجه البطالة.
لا تقتصر الثروة الحيوانية على الأرقام الضخمة، بل تتميز بتنوعها: 1.5 مليون جمل تُعزز مكانة موريتانيا كإحدى دول الصدارة في تربية الإبل، ومليوني رأس من الأبقار و27 مليوناً من الأغنام والماعز تشكل نواة الإنتاج الزراعي. ونتيجة لهذا التنوع، يبلغ الإنتاج السنوي 190 ألف طن من اللحوم الحمراء، و213 ألف طن من الحليب، إضافة إلى 5 ملايين قطعة جلدية خام، تُغذي صناعات محلية وعالمية، من الألبان إلى المنتجات الجلدية.
في مواجهة التقلبات المناخية والضغوط البيئية، تبذل الحكومة الموريتانية جهودا لتحويل التحديات إلى فرص؛ يتمثل ذلك في:
-تعزيز البنية التحتية البيطرية للحد من الأمراض.
-دعم المربين بتوفير الأعلاف وتحسين إدارة المراعي.
-تطوير سلاسل إنتاجية متكاملة لرفع جودة المنتجات وفتح أسواق تصديرية جديدة.
-استثمارات في البحث العلمي لزيادة الإنتاجية عبر سلالات مُحسنة.
هذه المبادرات ليست مجرد خطط ورقية، بل انعكست في ارتفاع معدلات الإنتاج وزيادة مساهمة القطاع غير المباشرة في صناعات كالسياحة البيئية والصناعات التحويلية.
وراء كل هذه الإحصائيات، ثمة حكاية مجتمع يعيش بتناغم مع بيئته، واقتصادٍ قادر على التحول نحو الاستدامة إذا ما دُعم بالسياسات الملائمة؛ فالثروة الحيوانية ليست فقط مصدرا للدخل، بل هي جزء من الهوية الثقافية وعنصر جذب للاستثمارات الخضراء في ظل الاتجاه العالمي نحو الاقتصاد الحيوي.
لا يزال الطموح الموريتاني في تطوير هذا القطاع يتصاعد، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على “البروتين” الحيواني والمنتجات العضوية؛ إذا نجحت الدولة في الجمع بين الحفاظ على التوازن البيئي وتبني التكنولوجيا الحديثة، فستتحول الثروة الحيوانية من مصدر رزق تقليدي إلى قصة نجاح تنموية تدرس دوليا.
فهل نُدرك جميعا قيمة “الذهب الحي”، الذي تمتلكه البلاد!!؟
أميه ول أحمد مسكه