العلمانية العربية: سيرة غير تبجيلية (1)

استطاعت الأنظمة العربية استغلال الحرب علي الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة إلي حرب ضد الإسلام ورموزه ومقدساته تحت دعاوى التقدم والحداثة وغيرها من شعارات العلمانية التي أصبحت العقيدة الرسمية للأنظمة العربية تأسيا بتجربة أوربا في النهوض والتقدم.

وإذا كانت البلدان العربية تتفاوت في تبنها لهذه العلمانية حسب أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية فإنها تتفق جميعا علي رفض هيمنة الإسلام علي الحياة وحضوره في السلطة والتعليم والاقتصاد والفن ، ولهذا تخوض هذه الأنظمة حربا علي الإسلام ظاهرة وباطنة مشرئبة لتجربة تركيا الكمالية التي هيمنت عليها السطحية والقشور والحرب علي الإسلام كما نرى ألان في الحرب علي الحجاب في تونس .

منع الحجاب في تونس جزء من إشكالية يطرحها التطرف العلماني اللاديني المسيطر في البلاد العربية بالحديد والنار والمتخندق في الإعلام والثقافة والفن والفكر كما في مصر وتونس و تركيا والجزائر وموريتانيا هي كلها نماذج للتطرف العلماني المتستر تحت دعاوى الحداثة والعصرنة والتقدم، مع كل الإخفاقات والنكسات والهزائم التي عرفتا، مع افتقادها لكل شرعية تاريخية أو دينية أو تنموية.

هذه محاولة لقراءة العلمانية في سياقها التاريخي الأوروبي وتحولاته المختلفة لكشق زيف ادعاءات الحداثة والعلمانية التي تلوكها أنظمة عربية بليدة وفجة وسطحية وخبيثة ومتغطرسة تأتمر بأجندة خارجية مفضوحة متحالفة مع الحركة الصهيونية ضد الأمة ووجودها. يمثل موضوع الحربعلي الحجاب أحد مفاصلها ونماذجها إلي جانب إعادة كتابة المناهج وقراءة التاريخ ومدونة الأسرة وصولا إلي هندسة المجتمع الإسلامي وغعادة صياغته لتمكين المشروع الصهيو/ آمريكي في العالم العربي والإسلامي.

العلمانية : المفهوم الملتبس.

تعتبر العلمانية من أكثر المفاهيم الفكرية والسياسية التباسا ودخنا.وقد ارتكبت تحت شعاره الكثير من التجاوزات والمظالم والانتهاكات لحقوق البشر. مما يجعلها مرادفة للظلم والقهر والتسلط والاستبداد خاصة في العالم العربي والإسلامي.

وبمجيء العلمانية للعالم الإسلامي انقسم الناس حولها قسمين:

– قسم انحاز إليها كأسلوب خلاق للحياة لفكرية والسياسية وكنموذج للرقي والتقدم. وتراوح العلمانيون في درجاتهم بين التعصب الأعمى بكل ما في المفهوم من محاسن أو مساوئ، حيث يرى بعضهم في العلمانية تطبيق القائمة على عزل الدين عن الحياة، ومنهم من يحارب التدين والدين ويعمل على إقصائهما معا من الحياة. – قسم يرفض العلمانية باعتبارها مفهوما غريبا وبعيدا عن مشكلات المجتمعات الإسلامية كما يرى هذا القسم أن العلمانية بحصادها المر قد جسدت الاستعمار الثقافي والسياسي الأوروبي وأضحت مظهرا من مظاهر الهجمة الأوروبية على العالم الإسلام.

تاريخيا نشأت العلمانية في أحضان النصرانية الغربية والكاتولويكية تحديدا، حيث تعرضت الكنيسة لعمليات تمرد على الدين وعلى ممارسات رجال الدين خاصة في عصر النهضة الأوروبية. وخرج المسيحيون المتحررون عن سيطرة الكنيسة وقيودها للإنسان في نظرته للكون والحياة والإنسان. وقد مثلت “محاكم التفتيش” التي طالت العلماء والمفكرين أحد أبرز مظاهر سيطرة الكنيسة ورجالاتها على الحياة الأوروبية.

هذا الحصاد أثمر ردة فعل قوية من الجماهير الأوروبية اتجاه الكنيسة والدين عامة، وكانت هذه الحركة هي حركة فكرية ودينية قادها الألماني مارتن لوثر في لبروتستانتية والتي حذت حذوها حركات خرجت على الكنيسة الكاتوليكية مثلت الإنجليكانية أبرزها وأكثرها خروجا على تعاليم الكاتولوكية.

أدى الاضطهاد الذي تعرض له العلماء والمفكرون إلى الابتعاد عن الدين وإلى البحث عن طرق جديدة بعيدة عن الدين فنشأت العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة والدين عن المجتمع وذلك تحت ذريعة جمود الدين في مقابل تطور النهضة وحركتها العلمية المادية المتسارعة.
يرى الدكتور عبد المنعم حسين في دراسته عن العلمانية (أن المسيحية كانت دخيلة على المجتمعات الأوروبية وبالتالي لم تشكل عاملا سياسيا في صياغة الفكر الغربي الممتد الجذور مع الأصول الوثنية الرومانية والإغريقية) وهو استنتاج تؤيده أحداث التاريخ ووقائع أوروبا المعاصرة.
رغم الثورة العلمانية هذه فإن الدين بقي حاضرا في الممارسة الدينية التي ظلت سائدة عبر الكنائس والأديرة، واتسع نطاق القساوسة والرهبان في المجالات الدينية والاجتماعية وإن تراجعت مكانتهم الاجتماعية والسياسية حيث حل محلهم المفكرون والساسة والعلماء، فازدهرت العلوم وتطور النظام السياسي وحصر الدين في الأحوال الشخصية (الزواج، الدفن، الطلاق)، مع أن البلدان الأوروبية لا تزال تحرم وتجرم في قوانينها التجاوز على حرمة الأديان والرموز الدينية كالخالق سبحانه وتعالى والملائكة والأنبياء.

لقد قادت العلمانية الأوروبية مجتمعاتها إلى الديمقراطية التي وفرت المناخ لازدهار الحريات السياسية والاجتماعية والفكرية فبرزت نظما سياسية مستقرة وتطورت العلوم والتكنولوجيا وأضحت أوروبا مهيمنة سياسيا واقتصاديا وفكريا وحضاريا وإن حلت الغاية محل الدين فأصبحت هي الدين الجديد لأوروبا.

وكما يقول المفكر الإسلامي المحروم مالك بن نبي (إن الأوروبي لا يحمل معه فضائله خارج عالمه) فإذا كانت العلمانية قد ارتقت بإنسانية الإنسان الأوروبي ودفعت به في مضمار المدنية والهيمنة الحضارية فإنها قد ارتقت في الخارج إلى وسيلة اضطهاد وسرقة لثروات الشعوب غير الأوروبية، وأوصلت إلى السلطة في هذه البلدان نخبا علمانية استبدادية معادية للدين مخاصمة للقيم الإسلامية خاضعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة للنفوذ الأوروبي مضطهدة لشعوبها ومتخلفة سياسيا واقتصاديا وعسكريا وفاقدة لأي شرعية كما هو الحال في أنظمتنا العربية والإسلامية والتي تلتقي كلها في طغيانها على شعوبها وخضوعها أمام الأعداء وامتلاء سجلها التاريخي بكل المخازي والفظائع.

العلمانية .. جذور قاتمة
جاءت العلمانية مع الغازي الأوروبي وقد تم ترجمتها بsecularism إما بكسر العين أي تكون مشتقة من العلم أو بفتحها فتكون مشتقة من العالم وكما يقول الباحث الدكتور عزام التميمي إنها محاولة لإقناع للمجتمعات التي جرى إخضاعها أن العلمانية تعني “التقدم” أو “الحضارة” أو “العلم” والحقيقة أن التعبير الحقيقي لها هو اللادينية وهو التعبير الذي يرفضه المسلمون نتيجة اختلاف الإسلام عن النصرانية دينا وتاريخا وتصورا وواقعا.

إن رواد العلمانية في العالم والإسلامي كانوا نصارى في غالبيتهم وقد تعلموا في المدارس التبشيرية كما في سوريا ولبنان ثم هاجروا إلى مصر ومن هؤلاء شبلي اشميل (1850 – 1917) فرح أنطوان (1874 – 1953) جورجي زيدان (1861 – 1914) يعقوب صروف (1852 – 1917) سلامة موسى (1882 – 1958) نيقولا حداد (1878 – 1954) كما مثلت مجلتا المقتطف (1876) والهلال (1882) المنبر الذي بشر بهذه العلمانية وطرح فكرة الوطن التي تتجاوز كل الروابط الأخرى وخاصة الدين وقد سعت هذه الجماعة إلى استنبات جذور العلمانية في البلاد العربية عبر نقل الأفكار الليبرالية الفرنسية والبريطانية السائدة آنذاك.
يقسم د. رضوان السيد تاريخ العلمانية العربية إلى مرحلتين:

الأولى فرنسية مزدوجة المصدر عن طريق الاتصالات العثمانية وتختزن خبرة الفرنسيين والاستشراق الفرنسي وما كتبوه عن المجتمع والثقافة وما نقله العرب والأتراك خاصة الطهطاوي وعلي مبارك.

الثانية إنجليزية بعد احتلال مصر ومثلته مجلة المقتطف التي كانت أكبر الدعاة الثقافة الإنجليزية والعلم الإنجليزي والتقدم الإنجليزي. لا يزال كتاب البروفسور ألبرت حوراني وهو أحد دعاة العلمانية (الفكر العربي في العصر الليبرالي 1890 – 11920) المترجم باسم (الفكر العربي في عصر النهضة) هو المصدر لصورتنا عن تلك الحقبة الخطيرة من تاريخنا الحديث (رضوان السيد الليبرالية في الوطن العربي مجلة منبر الحوار العدد 4 السنة الأولى 1986 – ص18-19). حضور الجذر الفرنسي للعلمانية والذي جرى استنباته في المتجمعات العربية عبر الطهطاوي وعلي مبارك وخير الدين ومدحت باشا هو أن هذه العلمانية الفرنسية لم تنفصل عن القومية والوحدة الوطنية الفرنسية وكانت تبحث عن وجود للمجتمع خارج سلطة الكنيسة النصرانية فرأته في الدولة وهو ما حاوله هيغل بعد ذلك في ألمانيا.

سعت العلمانية إلى نقد سيطرة التقليد على العقل الإنساني وضرورة فصل الدين عن الدولة والنظر إلى النبوة على أنها فلسفة.. انظر أعمال شبل اشميل وفرح أنطوان على وجه الخصوص.. وقد وجد تلامذة لهؤلاء الرواد المسيحيون من المثقفين المسلمين مثل قاسم أمين ولطفي السيد وبلغت العلمانية ذروتها بعد سقوط الخلافة مع كتاب علي عبد الرزاق المثير للجدل (الإسلام وأصول الحكم) الذي أنكر فيه أي وجود للدولة في الفكر الإسلامي وأعاد تفسير دور النبي صلى الله عليه وسلم خلال إقامته وقيادته للجماعة الإسلامية في المدينة! لقد كانت تجربة أوروبا المريرة مع المسيحية النقطة البارزة في تصور وإدراك دعاة العلمانية في العالم العربي والإسلامي خاصة مع تعميم تجربة الدين وسيطرة الكنيسة في المجتمع الأوروبي أي مشابهة الإسام للنصرانية.. وبالتالي إن الإسلام ورجال الدين يعارضون التقدم وحرية الفكر فينبغي عزله عن الحياة، فجاءت العلمانية ووجدت التعبير في القومية وهي أيضا أيديولوجيا من خارج الوسط العربي الإسلامي وكانت بحاجة إلى خلفية علمانية خاصة على صعيد الالتزام الاجتماعي والفلسفة الإسلامية في مناخ الدعوة إلى التخلي عن القواعد العقائدية الصارمة وسيطرة التشريع الإسلامي الرباني، فكان رواد القومية نصارى خاصة أديب إسحاق بل إن يعقوب صنوع كان يهوديا (راجع السجل الأسود لحملة نابليون، د. محمد عمار، مجلة المجتمع الكويتية العدد 1297 بتاريخ 28/04/1998 ص20-28) وإذا كان بعض العلمانيين كما يقول عزام التميمي قد أقر حديثا بالطبيعة المختلفة للإسلام عن المسيحية وبعدم وجود كنيسة داخل الإسلام مثل الكاتب حسين أحمد أمين فإنهم لا يزالون يقدمون تفسيراتهم العلمانية للإسلام، فمثلا د. فؤاد زكرياء أصدر عددا من الكتب تساءل فيها عن الحاجة إلى الشريعة ومن الذي يتولى تفسيرها؟! أما فرج فوده فقد سخر كتاباته للهجوم على الشريعة الإسلامية والزعم على أنها غير صالحة لهذا العصر بضرورة تبني العلمانية جملة وتفصيلا، كما وصف الإسلاميين بأنهم مرضى وسايكوباسيون ومهوسون جنسيا وكان فرج فوده مقربا من الرئيس حسني مبارك الذي تذكر المصادر أنه قبل وفاته كان يتعاون معه لمواجهة الأصوليين في مصر!