الوهم المتبدد..!

في ربيع العام 2011 تمكنت القوى “الإسلامية” في مصر وتونس وليبيا (بدرجة أقل) من ركوب ما سمي مجازا “الربيع العربي”، فوصلت إلى سدة الحكم في تونس بتحالفات مع القوى العلمانية، وفي مصر عبر انتخابات رئاسية قدمت لها أكثر من مرشح، وفي ليبيا كانت جزءا من الفسيسفاء السياسية التي خلفها الناتو وريثا لما تبقى من هذا البلد بعد الغزو..

وعلى الرغم من أن ظروف وملابسات وصول الإخوان إلى حكم هذه البلدان الثلاثة تختلف باختلاف الطرق والآليات، إلا أن النسق العام الذي ينظم العلاقة بين تيارات “الإسلام السياسي” فرض نفسه بقوة كعامل مشترك بين هذه الأنظمة، التي جاءت في غفلة من التاريخ ، وفي ظروف لم تسهم في صناعتها..

ولسنا هنا في وارد التذكير بالدور الذي لعبه إخوان مصر بالتعاون مع نائب الرئيس المصري عمرو سلميان من أجل إجهاض الثورة على مبارك، أو وقوف إخوان تونس (النهضة) السلبي من أحداث الانتفاضة الشعبية على بن علي، وبقاء نظرائهم الليبيين في المنافي لحين وصول طائرات الناتو إلى مشارف طرابلس..

ويمكن القول إن التيار الإسلامي كان “الأكثر شطارة” من غيره في ملء الفراغ الناجم عن سقوط هذه الأنظمة، لكن هذا التيار الذي استطاع اختطاف “الثورة” لتحقيق حلمه في الوصول إلى السلطة دون أن يتكلف الكثير، وجد نفسه أمام استحقاقات تفوق إمكانياته.. وسنكتفي هنا بمصر نموذجا..

فالرئيس السابق محمد مرسي الذي يقول في إحدى جلسات مجلس الشعب المصري عام 2010 إن اتفاقية تصدير الغاز إلى “إسرائيل” عار ما بعده من عار، وإن حصار “غزة” وصمة عار في جبين النظام المصري، باشر عند وصوله الحكم هدم الأنفاق التي تربط قطاع غزة بمصر، وحين تطرق للحديث عن اتفاقية الغاز قال “نحن نحترم اتفاقياتنا الدولية، لأننا نمثل دولة ولسنا عصابة..”

أما الحديث عن “تطبيق الشريعة، وإلغاء كامديفيد، وبناء المساكن لمليون مصري يسكنون المقابر…” فقد وضعت في سلة المهملات إلى أجل غير مسمى..

من الأخطاء القاتلة التي وقع فيه الرئيس المخلوع محمد مرسي أنه عمل على ارتهان مصر لجماعة الإخوان، وهو موقف نجح الغنوشي في تفاديه في تونس، حين دفع بأحد العلمانيين لرئاسة الدولة، بل ورفض إدراج عبارة “الإسلام مصدر التشريع الوحيد” في الدستور، وهي خطوة لا تخلو من خبث سياسي..

أما الرئيس مرسي فعمل على “أخونة” الدولة، عبر سلسلة القرارات التي تمر بمكتب الإرشاد العام، وخلال سنة كاملة فشل الدكتور مرسي في التخلص من عباءة الجماعة، وبالتالي لم يستطع أن يحقق أي إنجاز ستذكره الأجيال التي تليه، بما فيها تلك التي تشاطره الانتماء الفكري والسياسي..

وقد حال “الاستصنام المهنجي” للحركة الإسلامية كما يسميه د. فريد الأنصاري، دون اكتشاف الأخطاء والعمل على تلافي تداعياتها، ويرى الأنصاري إن الحركة الإسلامية “.. بما بلغته من إشكال التقديس لاختياراتها والتنزيه لتصوراتها وجعلها فوق النظر النقدي والمراجعة الحقيقية، لصورة شعورية أو لا شعورية قد جعلها “تستصنم” أخطاءها بالفعل، فانتصبت أوثانا معنوية بعقلها ووجدانها وجعلت تصدها عن الإدراك السليم والسير القويم، ولا خلاص لها إلا بـ “صدمة صرح” تخرجها من أوهامها وتحطم الأصنام المنتصبة في مخيلتها وتهدم الأسوار الحاجبة لها عن مشاهدتها ” (ص 16 من كتاب الأخطاء الستة للحركة الإسلامية)

وهكذا سقط الإسلاميون في مصر من البرج العاجي، إلى أسفل الدرج، ليس بانقلاب عسكري كما يتوهم البعض، إنما بسبب فشل المشروع السياسي، وضحالة التفكير، وضيف الأفق، وسطحية الرؤية..

ولعل الهزات الارتدادية العنيفة الناجمة عن زلزال الإخوان في مصر والتي تضرب تونس وليبيا الآن، أكبر دليل على أن القضية ليست مجرد انقلاب عسكري..

سيدي محمد ولد ابه

sidimoha@yahoo.fr