النسخة الرابعة من لقاء الشعب ..منها اسمعوا إعرابها

تابعت من البداية وحتى النهاية لقاء الشعب من النعمة عبر التلفزيون الوطني، عشت الحدث نفسا بنفس، تمنيت في بعض اللحظات لو تتوجه الكاميرا إلى بعض الوجوه؟ لعلني استطلع تلك الملامح التي تتشكل على تلك الوجوه أثناء ذلك السؤال أو تلك الإجابة، تمنيت أيضا لو يتحرك ذلك الميكرفون عشوائيا في الشعب؟ حاولت آلاف المرات الاتصال بذلك الهاتف؟ عبثا..

لفت انتباهي حسن أداء الصحافة المحاورة، حيث لم يبق شيء نحب أن نسأل عنه، ولا شيء نريد أن نسأل عنه، فقد شكل الثلاثي -على تفاوت- الفريق الذي تناول جميع القضايا بكل مهنية واقتدار، ولعل المستوى العالي للصحفي القدير “ولد ممين” و”ولد ابو المعالي” و “الباسط أسئلته من باريس وحتى أكرا”، لعل ذلك المستوى بلغ الدرجة المطلوبة لإنعاش وتغذية مأدبة الشعب النهم الذي لا يكف عن التعطش لمعرفة كل شيء، سواء تعلق الأمر بالقضايا الوطنية أو الإقليمية أو الدولية التي تهمه.

ظل الرئيس محافظا على هدوئه وأريحيته وهيبته طوال اللقاء الذي استمر 279 دقيقة، وظهر في بعضها مبتسما أو ضاحكا وربما مداعبا أو متهكما، لكنه لم يخرج أبدا عن صدقه وعفويته، والتي لمست ودغدغت المشاعر والوجدان، أبدى قدرة فائقة على التمسك بالمنطق المعقول والمفهوم حتى من أبسط المستمعين، فضلا عن قوته في الإقناع والتزامه التام بآداب ومنهجية الحوار مع محاوريه، بل وأظهر تفوقا على الجميع في قدرته على الاستماع وإتاحة الفرصة للرأي الآخر، وعدم تحفظه على أي موضوع أو على طريقة طرح ذلك الموضوع.

ربما تكون أقوى لحظة في اللقاء، رده على سؤال الربيع العربي حيث أبدى تفهما وحكمة بالغة يحسد عليها، تنم عن مستوى عال من الحنكة السياسية والقدرة الفائقة على تقييم الوضع والبراعة في اختيار التعبير المناسب والإيجاز، بلغة سلسة وواضحة يصعب على خصومه أن يأتوا بأحسن منها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

أبرز وطنية قوية في رده على السؤال المتعلق بمشاركة الجيش الموريتاني ضمن قوات حفظ السلام في الجارة “مالي”، والتي عكست ردا ضمنيا على سؤال آخر حول الارتجالية وعدم التخطيط والدراسة في القرارات، مبرزا خبرة عملية تنم عن جدارة في التسيير والتقدير والأخذ في الحسبان لما يمكن أن تتطور إليه الأمور بنظرة مستقبلية شاملة.

أظهر متابعة دقيقة لما يجري في البلد أثناء جوابه على السؤال المتعلق بجوازات سفر الحجاج، والأسعار و العملية السياسية، حيث كان يصحح ويعيد صياغة الأسئلة بناء على معطيات حقيقية وكاملة فاجأت الجميع. إذ لم يكن في التصور المتاح متابعة رئيس الجمهورية لكل تلك التفاصيل، والتي مثلت أقوى رد على ما يشاع حول صحته.

أشاد بجهود الوكالة الوطنية للطيران المدني في تحقيق العبور الآمن في مجال سلامة الطيران وفتح الأجواء الأوروبية للطيران الموريتاني، وتحقيق المكانة السامقة للجمهورية الإسلامية الموريتانية بين دول “آسكنا” والمغرب العربي وإفريقيا عموما، بالإضافة إلى تفوقنا على 40 بالمائة من الدول الأوربية في مجال سلامة الطيران حسب تقييم وتقارير المنظمة العالمية للطيران المدني، ضاربا بذلك مثلا على مقولته الشهيرة “انه لا يوجد مجال، لا يمكن أن ننجح فيه، إذا توجهنا إليه بجدية”، ومذكرا بالوضعية المزرية والمشينة والغير آمنة التي كانت ترزح تحتها موريتانيا في مجال الطيران المدني، والوضعية المشرفة التي نحظى بها اليوم. معتبرا جهود الوكالة الوطنية للطيران المدني نموذجا وقدوة لبقية قطاعات الدولة وصفعة صاخبة في وجه المستحيل.

بعث الرئيس من خلال هذا اللقاء آمالا كبيرة للشعب سواء في الحوض الشرقي أو في موريتانيا عموما، مدعومة بإنجازات ملموسة، ورؤية واضحة المعالم للبناء والنماء، محصنة بإجراءات صارمة وقانونية، من خلال عرضه بالأرقام وردوده فيما يتعلق بمحاربة الفساد.

جسد الرئيس من خلال دفاعه عن حكومته وقطاعاتها، روح عمل الفريق، غالقا الباب أمام المرجفين والمشككين في النوايا والساعين إلى النيل من المسيرة من خلال استهداف الكل بالبعض، ورابطا على قلوب ضعاف الأمة، وموضحا تعاضد الحكومة والدولة وتحملها لمسؤولياتها.

جدد الدعوة للمصلحة العامة للبلد بواسطة الحوار والتفاهم وتقديم التنازلات وإمكانية التواصل والتناغم، في جو من الاحترام المتبادل ولعب الأدوار المختلفة كل من موقعه دون التشويش على الحركة العامة لتنمية البلد ومصالحه.

عرض كذلك للمواقف المتباينة والغير مقبولة في العملية الديمقراطية الشفافة والنزيهة، كالكيل بمكيالين مثلا، وعدم القبول بالنتائج المتفق في سياق العملية على إمكانية حدوثها، في درس مميز من علوم فن الممكن، متنا، وحاشية، وطريقة تدريس.

قدم نقدا ذاتيا للقاء الشعب من حيث نواقص التنظيم والدعم الفني، في سابقة لم نعلم بمثيل لها في عالمنا الثالث من رئيس لجمهورية.

المهندس محمد أبات الشيخ

Batta122000@yahoo.fr