المقاطعة والمشاركة في الإنتخابات

بسم الله الرحمن الرحيم
المشاركة في الإنتخابات جزء من الطموح الإستيراتيجي المشروع للأحزاب السياسية و الوسيلة الوحيدة للوصول إلي السلطة في أدبيات الأحزاب الديمقراطية ،والمقاطعة تكتيك مرحلي وموقف تبرره معطيات سياسية في مرحلة تاريخية استثنائية، فهل تعني مشاركة أحزاب في منسقية المعارضة تغيرا استيراتيجيا في توجهاتها ومواقفها؟ أم أن المقاطعين-إن وجدوا- هم من يخرج عن مسار اللعبة ويسلك طريقا – مشبوها للوصول إلي السلطة؟
الديمقراطية ممارسة تؤسس الأحزاب علي قاعدة المشاركة في الإنتخاب ولو بأقل شروط الشفافية والمصداقية للأسباب التالية:

– ممارسة حق الإنتخاب الذي يمنحه الدستور لكل مواطن موريتاني و لايحق لأحد أن يحرمه منه مهما كانت أجندته السياسية

– الطموح الإستيراتيجي المشروع للأحزاب السياسية والذي يقودها إلي المشاركة في تسيير شؤون البلاد وتعزيز موقعها علي الخريطة السياسية للبلاد بغض النظر عن التكتيكات الإستثنائية

– المبادئ الأساسية للحزب التي تفرض عليه الإنصياع لإرادة المنتسبين وتحقيق طموحاتهم السياسية وتمكينهم من أن ينالوا ما يستحقونه من مناصب انتخابية وهي حقوق مكفولة لكل منتسبي الحزب السياسي لايمكن لأي توافق سياسي مرحلي أن يمنع الأحزاب من تحقيقها .

– الحيلولة دون انفراد النظام وأتباعه بشرعية انتخابية “مزورة” مهما شابها من نواقص وعراقيل واضحة للجميع

– استغلال هامش الحركة والتواصل مع المواطنين الذي تتيحه الإنتخابات من أجل نشر الوعي الديمقراطي وكشف أجندة النظام .

هناك بالطبع صيغ كثيرة أخري لمشاركة الأحزاب الموريتانية في إدارة شؤون البلاد.. تبدأ بتأييد الإنقلابات ولا تنتهي بموالاة من يوجد في السلطة مقابل امتيازات لأفراد الحزب . وقد سلكت بالفعل بعض الأحزاب تلك الطرق وشرعت لنفسها ذلك الأسلوب رغم منافاته لمبادئها وأنظمتها الأساسية فالحزب السياسي لاينبغي له أن ينال امتيازا لا تبرره شرعية الإنتخاب ولا موقعا سياسيا علي الساحة الوطنية إلا من خلال حصاده الإنتخابي ومع ذلك توجد أحزاب يشرعها تأييدها للنظام دون سند من الشرعية الحقيقية التي يمنحها الشعب ويوجد طموح خاص لدي أحزاب أخري لاتؤيد النظام ولكنها تحلم بتدخلات (عسكرية أو أجنبية) من أجل جر النظام إلي إشراكها في السلطة دون إجراء انتخابات وضمن أطار الصفقات المعروفة مع كل انقلاب يعصف بالممارسة الديمقراطية الناشئة والمتعثرة في بلادنا .

إن رفض المشاركة في الإنتخابات ومقاطعتها يمكن أن يكون تكتيكا ناجحا لبعض الأحزاب في منسقية المعارضة الدمقراطية التي رفعت مطلب الرحيل بالطرق الثورية في ظل ربيع عربي لايزال زاخرا بالتضحيات والنضال المتواصل والعنيف أحيانا ،لكن مستوي النضال الثوري في الساحة الموريتانية لم يبرح مكانه ولم يسانده وعي شعبي كالذي نراه في تونس ومصر واليمن . ومع ذلك لايزال أسلوب التغيير الثوري محل تقدير ويمكن أن يعول عليه جيل الشباب الموريتاني لأنه معطي تاريخي وطبيعي للوصول إلي التغير الجذري والشامل.

إن ما لايفهمه بعض الكتاب هو أن المشاركة ليست خطيئة سياسية مادامت منطلقات الحزب وثوابته ديمقراطية والمطالبة برحيل النظام ليست مانعا ديمقراطيا من المشاركة بل إن المشاركة قد تمد الأحزاب المعارضة بالقوة الشعبية والشرعية الإنتخابية التي يكون توظيفها لصالح النضال من أجل اسقاط النظام أكثر تأثيرا وإقناعا .

لكننا يجب أن لاننسي أن الأحزاب التي ستقرر المقاطعة لن تفقد مواقعها قي الخريطة السياسية الموريتانية بالضرورة، فقد جربنا من قبل أن مقاطعة الإنتخابات التي تشرف عليها الأنظمة الإنقلابية لايشكل ضررا كبيرا علي الأحزاب العريقة والمتأصلة في نضالها وقد يجلب لها مزيدا من الإحترام لدي الكثيرين .

إن الأمر يتعلق باختيار حزبي وتوجه تكتيكي يحسمه المناضلون والمناضلات في كل حزب سياسي علي حدة ولا يمكن لأي إلتلاف سياسي أن يقرر فيه نيابة عن منسبي تلك الأحزاب وعلي الجميع أن يحترم في النهاية ماتقرره هيئات هذا الحزب أو ذاك من مشاركة أو مقاطعة والأهم أن يستمر العمل الجاد من أجل تغيير طبيعة النظام السياسي الموريتاني في اتجاه النظام المدني الديمقراطي الذي يجب أن يقود جميع أحزاب المعارضة الوطنية في مواقفها ونضالها واختياراتها .