المنسقية ..والحبوب المنومة

شهدت الأعوام الأربعة الماضية سلسلة نشاطات نضالية قامت بها الأحزاب المشكلة لمنسقية المعارضة الديمقراطية وأقامت خلالها حلفا سياسيا متميزا وأنشطة جبارة تمثلت في توعية المواطنين بالجرائم والمصائب التي يتعرض لها الوطن على يد الجنرال الحاكم محمد ولد عبد العزيز وعصبته، واكبها في ذلك كتاب مستقلون ومسيسون، كان لكل منهم رأيه الذي خدم خطاب المنسقية في جل المراحل التي اتخذها والمنعرجات التي سلكها، تطور خطاب المنسقية – بحسب ما أثبتت الأيام- على مدى تلك الفترة دون تبصر وعلى غير بصيرة وسار في مختلف مراحله على غير هدى.

خلال السنتين الماضيتين شهد هذا الخطاب دروبا غير سالكة، فمن المطالبة بالإصلاح في أول مهرجان نظمته المنسقية خارج نواكشوط والذي احتضنته العاصمة الاقتصادية انواذيبو مساء السبت 14/01/2012 إلى رفع شعار الرحيل الذي رفعه رؤساء المنسقية خلال مهرجانها بمدينة روصو بتاريخ الخميس 16/02/2012، كانت منسقية المعارضة تتلمس مسالك النجاح بغير مسالكها، وتسير وفق رؤية ضبابية شاملة أثبتت الأيام التالية وضوحها وعمقها.. ذلك أن أي من مهرجانات المنسقية – والتي كان مهرجان الأربعاء 02/05/2012 بساحة مسجد بن عباس أكبرها من ناحية الحشد وأقوها من ناحية الخطاب – لم يحدث أي نوع من التأثير في المشهد السياسي الوطني، وبالتالي لم يجعل السلطات الموريتانية تقدم أي نوع من أنواع التنازلات السياسية أو تقدٍم على أي جديد في مجال الاصلاح، لا على الصعيد السياسي، ولا الاقتصادي ولا التنموي ولا الاجتماعي.

مع ذلك بقيت المنسقية تقر مهرجانات لا تعدو كونها ممارسة لرياضة المشي بين المسجدين (مسجد المغرب ومسجد ابن عباس)، وبقيت الشعارات نفسها لكن بلا تأثير وبدون تطور. مع ذلك بقي الوضع داخل أروقة الدولة يسير من سيئ إلى أسوء. في هذه الأجواء أصرت المنسقية على الحفاظ على هيكلها وتماسكها ولذلك وقعت مساء السبت 04/08/2012 بالمقر المركزي لحزب “إيناد” على ميثاق شرف الذي أصبح بمثابة السيف المسلط على رقبة من يحاول من المنسقية شق عصى الطاعة والخروج على الجماعة.

وفي حين عملت المنسقية خلال السنوات الماضية على توعية الناس وحضهم على مقاطعة هذا النظام ومواجهة أنصاره بالتجاهل والقطيعة تسربت أنباء في الأيام القليلة الماضية تقول إن بعض أحزابها اليوم وضع يده حليفا (بطريقة غير مباشرة) في يد النظام، ليشرع به الانتخابات القادمة ليكونوا بذلك شهود على هشاشة هيكلة المنسقية وحضورا أوان الانتخابات وفوز الحزب الحاكم بالأغلبية النيابية والبلدية في الانتخابات، بعد هذه الانتخابات بقليل ستأتي نفس الأحزاب المشرعة للانتخابات ويعقدوا ندوة صحفية يقولون فيها للرأي العام الوطني إن هذه الانتخابات شهدت توظيفا لنفوذ الدولة وتسخيرا للمال العام من طرف بعض المتنافسين على حساب آخر، وهذا يكفي لنسف شرعية هذه الانتخابات من الأساس وبالتالي نسف ما ترتب عليها – وكأنهم كانوا على غفلة من هذا الأمر-، ثم يبدأون مسيرة الاقتيات على هذا الخطاب في السنوات الخمس اللاحقة ، وهكذا نبقى ندور في نفس الدائرة، كل ما جاءت انتخابات قامت بعض الأحزاب بتشريعها، ثم انقلبت على النتائج وعلمت سنوات على توعية الناس لتقوم هي نفسها أو حلفاءها بمشاركة أخرى في أي انتخابات تجري وهكذا..

الناخب سيفقد – بدون شك – ثقته في أحزاب المعارضة وسيعتبر أن عملها النضالي الطويل على مدى السنوات الماضية ما هو إلا حبوب منومة كان المواطن يستسيغها على غفلة منه، وحين استفاق وجد أمامه أحزاب سيصورهم لنفسه في قادم الأيام كأحزاب يقودها أشخاص انتفاعيين كانوا يسعون لمكاسب شخصية ولما لم تتحقق انقلبوا على أعقابهم خاسرين.

إن مظاهر الارتباك الذي تعانيه المنسقية والذي تحدثت عنه أعلاه يبرز بشكل جلي في عدم قدرة المنسقية على الاستقرار على رأي موحد من الانتخابات القادمة، والتي جاء الإعلان عن تاريخها متزامنا مع عدم تقديم أي نوع من أنواع التنازلات السياسية من طرف السلطة الحاكمة وقياداتها، وهو ما يعني أن المنسقية – أو بعضها- قد تخلى بشكل مباشر عن إرثه النضالي على مدى السنوات الأربع الماضية. وها هو ينقاد للانتخابات في ظل الحكومة التي طالما نعتها بالفساد، يشارك في الانتخابات وكأن أزمة سياسية لم تكن.

المطلوب أن تقوم جميع الأحزاب المشكلة لمنسقية أحزاب المعارضة بعمل جبار يتوج لها فترتها النضالية بخلاصة تخدم مسارها في شعار إسقاط النظام الذي رفعته سابقا وعجزت عن تنفيذه، هذا العمل لن يكون بالمشاركة في انتخابات 23 نوفمبر القادم بحال من الأحوال، لذلك وجب التنبيه.

alkhizbary@gmail.com