إشكال ثلاثية الانتماء و الهوية العربية البربرية الزنجية

لو أنصف دهر الحداثة الثائر في “عتو و نفور” على النظم الكلاسيكية التي كانت تسير مجتمعات الإنسانية بكل سلالاتها و تضبط إيقاعات توجهاتها.

و لو ساعد الوعي المدني الزاحف على القوالب “الظرفية” العشوائية التي ظلت إلى حين تفرضها المتطلبات المتغيرة للاحتكاك و التجمع في بؤر المصالح و كذلك في خضم ضرورات التبادل و التكامل بعيدا عن السلطات المركزية التشاورية،

…لكان اختلاف الأعراق و الثقافات أشمل و أجمل مظاهر القوة و العطاء بما يوفر من تنوع و إثراء. لكن هيهات فقد جرت الرياح طويلا بما لم تشتهيه السفن. فطبيعة الإنسان الميالة إلى الاستعلاء و السيطرة و التعلق بوهم “صفاء و نقاء التركيبة”، جعلته يدور في فلك النزاع الأزلي من أجل الصدارة مع علمه المطلق بأنها لا تدوم في سرمدية الصراع العبثي عليها.

و بالطبع لم يسلم المجتمع “1الغاني”، “2الآودغستي الصنهاجي”، 3المرابطي “4الشنقيطي”، “5الموريتاني” منذ العصور الغابرة من خوض هذه النزاعات في دوامة الكر و الفر و التصالح و التنافر و الجوار و الاختلاط و التمازج أحيانا، إلى أن كان للدولة المركزية حظ من الوجود ـ فوق حيز ترابي تتواجد ضمنه قوميات متعددة ـ على أيدي المستعمر الفرنسي الذي كان أكثر استعلاء و ترفعا آنذاك.

لكن، و على الرغم من كل هذه الوضعيات المتناقضة غالبا و المتقاربة نادرا- و هنا مفارقة استثنائية عجيبة -، فإن المكونات الثلاثة لم تٌضمن قاموس لغتها التمييزية أي نمط سلطوي يحفظ خصوصيتها و فوقيتها على حساب الأخريات؛ الأمر الذي كان له الفضل أولا و أخيرا في إحساس الأطراف بأن حيز الفوقية ذاتي ظرفي و أن حفظه التميز أغلب من إرادة السيطرة به و قد استطاع على الرغم من وجود جدلية الاختلاف بما تحمله من عوامل التنافر و التصادم أحيانا أن يؤسس عمليا بهذه التكوينة الإنسانية المتعددة الثقافات لمشروعية تاريخية صلبة في شبه المنطقة التي كانت و ما زالت نقطة تلاقح الحضارات

لقد قابل ميلاد الأيديولوجيات و الحركات التحررية في مواجهة الإقطاع في الشرق و الرأسمالية في الغرب حركات و أيديولوجيات في المشرق العربي و في القارة السمراء تمحورت حول القومية “خصوصية” في اللون و في اللغة و الثقافة كالبعثية العربية مع ميشال عفلق في سورية و العراق و القومية العربية مع جمال عبد الناصر في مصر و الخصوصية الزنجية مع “ليوبولد سيدار سانغورLéopold Sedar Senghor” في السنغال و “أميه سيزيرAimé Césaire” في مرتنيكا و الأمزيقية التي هي لسان حال البربرية في الحيز ألمغاربي العربي مع رواد كثر.

و قد أضعفت هذه “الانحسارية الفكرية”، في عصر التطور العلمي و التوجه إلى الرفاهية “غاية تدرك”، مسار الكيانات إلى الدولة المركزية المستظلة بالقانون و العاملة بمقتضى الديمقراطية.
و إن الزنجية “بُعدٌ لَوْنِيٌ” صارخ بالاختلاف رفضا لـ”الدٌونِيًةُ” و هو نوع متقدم من القومية الطافحة التي تتجاوز اللغة المنطوقة إلى لغة القواسم المشتركة في المسلكيات و التفكير و البعد الروحي و النظرة إلى ما سواها من القوميات. و لا يختلف بشأن الإيمان بها و التعلق بنضالها أي من أهل البشرة السمراء في أي مكان على الكرة الأرضية بعيدا عن عائق اللغة كما سلف.

إن إغفال هذا البعد الزنجي في المعطى العرقي و التكويني للموريتاني في ثنائيته العربية الصنهاجية عامل قوي من عوامل الإطراب و التذبذب “الانتمائي” الذي يخوض فيه المؤرخون و النسابة و غيرهم ممن لهم توجهات تفسيرية و استنتاجيه و استنباطية في هذا المنحى. و هو ما يقابله بالطبع رفض تقبل البعد العربي الصنهاجي داخل المكون الزنجي الحاضر الغائب فيه من المنظور التاريخي و في الوقع الانتروبلوجي، الذي يجد كل تجسيده و تجليه في شريحة “الحراطين” الزنجية الصنهاجية العربية و في وجود أسر كاملة تمددت فأصبحت بأعدادها الكبيرة “شرائح” داخل مكونات الزنوج التي اندمجت في نسيجها و إن ظلت تعرف أصولها و أخرى أصبحت قبائل في النسيج الصنهاجي العربي و أصولها زنجية معلومة و محفوظة في سجل التاريخ.

و هو الخطأ أيضا الذي إن ظل بحقيقته الناصعة و شكله اللافت الذي لا تخطئه عين، قائما و التيارات الانتمائية من حوله تنسج خيوطها و “تُنَظٍرُ” في غفلة من الواقع المتغير من حولها، فإن عقدة الهوية الناقصة ستظل جاثمة على المنطق التاريخي المتعثر و مقيدة لعنوان الدولة المميز لها و المشترك بين قومياتها في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى وثبة باتت ملحة أمام تلاحق أسباب التشرذم التي من بينها تنامي الدعوات إلى التفكك و الانفصال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. ظهرت إمبراطورية غانة في منطقة بينية بين الصحراء الكبرى والغابات بجنوب شرق موريتانيا. وكان الهدف من قيامها التجارة في الذهب الذي ينتج في جنوبها وتشتريه قوافل بدو الصحراء التجارية لتحمله الجمال لشمال أفريقيا.
2. أوداغست ويطلق عليها كذلك أودغشت أو مملكة أوداغست الصنهاجية، ورد ذكر أول نص تاريخي عن هذه الدولة عن طريق اليعقوبي، وذلك في الإشارة إلى أن أوداغست كانت عاصمة لبلاد أنبية.
الدولة المورابيطية:
3. المرابطون هي حركة دعوية إصلاحية إسلامية, أسست أول دولة في منطقة المغرب الإسلامي بكامل المعنى، حيث كانت بلاد المغرب الكبير من قبل سوى نظام إمارات صغيرة ومبعثرة مبنية على أساس قبلي. اعتمدت هذه الدولة في بدايتها على العصبية الصنهاجية بعد التحام عدد من قبائلها الكبيرة. هذا الاتحام تحول إلى سند شعبي لم يلبث بدوره أن تحول إلى سند عسكري لم يلبث في النهاية أن تحول إلى قوة، وعامل القوة الاقتصادية لهذه القبائل من خلال سيطرتها على الطرق التجارية.[1] وعامل آخر جد مهم وهو قوتهم المتشبعة بروح إسلامية إصلاحية مبنية على المذهب المالكي باعتقاد أشعري سني، فسمت نفسها تسمية معبرة وهي “دولة الرباط والإصلاح”.

امتدت الدولة الجديدة على مستوى منطقة تسيطر جغرافيًا من المحيط الأطلسي غربا وبلاد شنقيط وحوض نهر السنغال جنوبًا،[2] وهو مكان مخاض ميلاد الحركة، إلى الامتدادات الشرقية محاذيًة إمبراطورية كانم ومزاحمًة إياها على بحيرة تشاد في للصحراء الكبرى، وامتد هذا المجال في الشمال مخترقا جبال الأطلس بتلها وكبيرها ومتوسطها وصغيرها، وامتد إلى أن وصل البحر الأبيض المتوسط مخترقا مياهه ودخل شبه الجزيرة الأيبيرية وسيطر على الأندلس. أشهر أمرائها يوسف بن تاشفين الذي أسس مراكش واتخذها عاصمة للدولة، ودخل الأندلس وأخضعها لسلطته، وكانت تجاور سلطانه في الشمال كل من مملكة قشتالة ومملكة نافارا ومملكة أراغون وفي الشرق بنو زيري وبنو حماد وفي جنوب الصحراء، بحكم الأمر الواقع، كل من ممالك بامبوك، وبوري، ولوبي وإمبراطوريتي مالي وغانا.

4. كانت شنقيط مركز إشعاع علمي وثقافي ،ارتبط اسمها بجملة من المعاني حيث شهدت منذ القرن 10 هـ نهضة ثقافية شاملة إلا أن أهلها لم يهتموا بتدوين حركتهم العلمية وتوثيق أحداثها والتأريخ لها. بنيت شنقيط القديمة سنة 160 هـ/ 776 م وعاشت قرونا ثم اندثرت لتنهض على أنقاضها مدينة شنقيط الحالية بما تحويه من كنوز التراث الثقافي المنسي فلا زالت مدينة حية تقاوم الظروف الصعبة والعزلة القاتلة. ترجح بعض المصادر أن اسم شنقيط يرجع إلى نوع من الأواني الخزفية يسمى “الشقيط” كانت تشتهر به وان مؤسسها حبيب بن عبيدة الذي حفر بئرا في هذا المكان أثناء حملته بالصحراء سنة 116 هـ/ 723 م . وهناك رواية أخرى تقول بأن كلمة “شنقيط” ذات أصل “بربري” ومعناها باللغة البربرية”عيون الخيل”. كانت شنقيط مدينة واحات ومحطة هامة من محطات تجارة الصحراء وكان الحجاج يتجمعون فبها ثم ينطلقون في قافلة واحدة لأداء فريضة الحج فسمي سكان هذا القطر “الشناقطة” نسبة إلى مدينة شنقيط التي تعزز دورها التجاري والديني في أوائل القرن 11هـ حتى أصبحت العاصمة الثقافية لذلك البلاد.

5. الناظر إلى موريتانيا يجد موقعا جغرافيا مناسبا لخلق شعب مزيج بين الأفارقة السود في جنوب القارة والشعوب البيضاء في الشمال. وفعلا شكلت موريتانيا عبر العصور نقطة وصل وجسرا تجاريا ربط ما بين الشمال والغرب الإفريقيين وتشكل في تجارة القوافل بين تمبكتُو وسجلماسة، إلا أن الشعبين لم يمتزجا وإنما نشأ في المنطقة تجمع سكاني ذو ثقافتين متعايشتين ويجمعهما الإسلام. في بداية القرن الحادي والعشرين لا زالت موريتانيا مقسمة إلى مجموعتين سكانيتين هما البيضان والأفارقة الزنوج، تعيشان معا في المدن الكبرى، ويسكن الأفارقة، الذين تعود أصول معظمهم لدولة السنغال رغم تجنسهم موريتانيين، تقليديا بمحاذاة النهر لأنهم مزارعون بينما يوجد البيضان في المناطق الأخرى لأنهم في الأصل بدو حيث أن بقية البلاد صحراوية أو شبه صحراوية. وفيما يبدو فإن الإسلام، القاسم المشترك، والتعايش التاريخي يحتويان كثيرا من الفروق الكامنة بين مكوني هذا الشعب (وكبيديا).
أطلق الفرنسيون اسم موريتانيا على النطاق الذي يشمل غرب الصحراء، وامتعض الموريتانيون من التسمية ظنا منهم أنها رومانية وهي كذلك مبدئيا، وتذكروا القرون التي عرفت فيها بلادهم ببلاد شنقيط، متناسين أن التسمية تحريف لاتيني للفظ “أتمورتناغ” الأمازيغي وينطق أيضا “مُورْتَنَّا” ومعناه: أرْضُنَا! كما أن ثلاثة أرباع الناطقين بالعربية في موريتانيا هم من أصول صنهاجية “بربرية”( د.حماه الله ولد السالم / باحث موريتاني).